
حرب غزة... تفاهمات متعددة بلا نتائج على ارض المعركة

مراصد
15/7/2025، 1:33:45 ص
انتظر الكثير من القيادات العربية ان تأتي نتائج زيارة "نتنياهو" لواشنطن وهي الثالثة منذ تولي الرئيس ترامب ولايته الثانية أوكلها في تسريع توقيع اتفاق الهدنة لمدة شهرين حسب المقترحات الامريكية الأخيرة وجهود الوساطة القطرية المصرية المشتركة، الا ان نتائج هذه الزيارة لم تظهر تلك الرغبة الإسرائيلية بإنهاء الصراع في حرب غزة الا بشروط قاسية، وسط اتهامات من "حماس" بعراقيل، وحديث أميركي متفائل عن انفراجه بالمحادثات واتفاق "قريب" خلال "أيام قليلة".
▪︎ شروط إسرائيلية
جاءت هذه المباحثات في ظل مؤشرات على تطور ملحوظ في اتجاه إبرام اتفاق محتمل بين إسرائيل وحركة المقاومة الإسلامية "حماس". وقد توجه وفد تفاوضي إسرائيلي إلى الدوحة، عقب اجتماع ترامب - نتنياهو الأول، حيث انطلقت جولة أولى من المفاوضات غير المباشرة مع حركة حماس، بوساطة قطرية ومصرية حيث طرح وفد التفاوض الاسرائيلي الى الدوحة تفاصيل "اتفاق جديد" لوقف إطلاق النار وتبادل الاسرى في غزة، وكانت حركة حماس اكدت انها ردت ايجابيا على "المقترح الذي تلقته من الوسطاء"، مبدية بعض الملاحظات التي تتطلب تعديلات على نص الاتفاق، ومع ان الجانب الاسرائيلي رفض تلك التعديلات واعتبرها غير مقبولة، الا ان نتنياهو وافق على المشاركة في المفاوضات رغم أن الأعضاء المتشددين في ائتلافه الحكومي يعارضون الاتفاق جملة وتفصيلا.

في هذا السياق، يواجه "نتنياهو" ضغطا شعبيا لإنهاء مشكلة الرهائن، كما أن الرئيس ترامب أظهر بدوره رغبة ملحة في عقد اتفاق، حتى أنه سارع الى القول بأن اسرائيل وافقت على الشروط اللازمة لوضع اللمسات النهائية على هدنة مدتها ستون يوما، حتى قبل أن يعلن نتنياهو أي موافقة. وكان معروفا أن هناك نقاطا صعبة عدة لا بد من حلها كي يصبح الاتفاق جاهزا للتوقيع، وأهمها يرتبط بنوع الضمان الأمريكي لعقدة إنهاء الحرب، وهل يكون ضمانا من ترامب شخصيا أم يكون نصا مكتوبا؟ غير أن المصادر الإسرائيلية أشارت إلى "ضمانات غير قطعية" وهناك أيضا خلاف كبير على الجهة التي ستتولى توزيع المساعدات. فحماس طلبت معاودة الاعتماد على منظمات الأمم المتحدة لأن تجربة مؤسسة غزة الإنسانية أثبتت فشلها، وتخللها قتل المئات من منتظري المساعدات وإصابة الالاف منهم، أما الخلاف الذي سيتطلب نقاشا طويلا، فيتعلق بخريطة الانسحاب الاسرائيلي من مناطق غزة خلال هدنة الستين يوما، إذ أن الجيش الاسرائيلي لا يريد الانسحاب من شمال القطاع ولا من جنوبه، وقد كثف في الأيام الاخيرة اوامره لإخلاء تلك المناطق تحسبا للهدنة التي لا يتوقع الإعلام الاسرائيلي توقيعها سريعا. ولا يدل استئناف المفاوضات بالضرورة على تبدل في موقف إسرائيل، بل يشير إلى تغير في حسابات نتنياهو نفسه، فبعد أن كان يرفض أيّ مسار تفاوضي بدعوى منع حماس من تحقيق مظهر "النصر بالبقاء"، بات يرى أن "الإنجازات العسكرية" التي حققها ضد إيران وحلفائها تمنحه سردية "معقولة" لنفي انتصار حماس في الحرب المستمرة منذ 21 شهرا، وتوفر له أرضية لخوض الانتخابات المقبلة، التي لم يعد يخشى تقديم موعدها؛ مفضلا خوضها وهو في موقعه الحالي بدلا من تأجيلها، فضلا عن ذلك، يبدو أن نتنياهو يدفع في اتجاه مقايضة استراتيجية، تشمل وقف الحرب في غزة مقابل تحييد كامل للمشروع النووي الإيراني، الذي تعتبره إسرائيل تهديدا وجوديا، تطلب تدخلا أميركيا مباشرا في قصف المنشآت النووية، وهو تدخل لم يكن مجانيا من حيث التكاليف السياسية أو التفاهمات الضمنية. واشترط نتنياهو في مقطع مصور، نزع سلاح "حماس" والا تملك قدرات عسكرية ولا تحكم القطاع، مستبعدا إمكانية صفقة واحدة بغزة دون ذلك، ولوح بالعودة للحرب، قائلا "إذا أمكن الحصول على ذلك عبر التفاوض، فسيكون ذلك جيدا، وإلا فسنحصل عليه بوسائل أخرى"، على حد قوله، فيما طرح وزير الخارجية الإسرائيلي، جدعون ساعر، في مقابلة مع صحيفة "داي برس" النمساوية، شرطا آخر لمستقبل المفاوضات، قائلا إن نفي قادة "حماس" يمكن "أن يكون جزءا من الحل لوضع حد للحرب".
▪︎ الموقف الأمريكي
مع إنهاء نتنياهو زيارته للعاصمة الأميركية دون الإعلان عن اتفاق بخصوص هدنة غزة، تحدث الوزير الإسرائيلي الأسبق، يوسي بيلين عن تفاهمات مهمة بين رئيس الوزراء الإسرائيلي والرئيس دونالد ترامب حول غزة وغيرها، مضيفاً أن نتنياهو لا يجرؤ على إعلانها خوفاً من حلفائه من أمثال الوزيرين بتسلئيل سموتريتش وإيتمار بن غفير. وعبر الرئيس ترامب مرارا، في الآونة الأخيرة، عن رغبته في إنهاء الحرب في القطاع و"استعادة جميع الرهائن" الإسرائيليين، حيث وصفتها الناطقة باسم البيت الأبيض، كارولين ليفيت، بأنها تمثل "الأولوية القصوى لدى الرئيس في الشرق الأوسط". وعقد الرئيس الأميركي ورئيس الوزراء الإسرائيلي اجتماعَين مغلقين يومي 7 و 8 تموز 2025، تناولا خلالهما مجموعة من القضايا الإقليمية في الشرق الأوسط، وعلى رأسها جهود التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار في قطاع غزة.

وصرح ستيف ويتكوف أن عدد القضايا العالقة بين إسرائيل و"حماس" انخفض من 4 إلى واحدة، معربا عن تفاؤله بإمكانية التوصل إلى اتفاق بحلول نهاية الأسبوع الماضي، وكان البيت الأبيض قد شهد اجتماع الرئيس ترامب مع نتنياهو للمرة الثانية في أقل من 24 ساعة، في الوقت الذي واصل به المسؤولون الأميركيون والقطريون المضي قدما في المفاوضات الرامية إلى إنهاء حرب غزة المستمرة منذ تشرين الاول 2023. وركز اجتماع المكتب البيضاوي غير المعلن عنه بشكل شبه حصري على غزة، وقال ترامب قبل المحادثات "علينا حل هذه الأزمة... غزة مأساة... هو يريد حلها... أريد حلها... أعتقد أن الطرف الآخر يريد حلها أيضا". وأفادت مصادر لصحيفة "يديعوت أحرونوت"، أن ترامب مارس "أقصى قدر من الضغط" على نتنياهو فيما يتعلق بالجهود المبذولة للتوصل إلى وقف إطلاق نار في غزة. وحسب صحيفة "يديعوت أحرونوت" الإسرائيلية، تتعلق نقطة الخلاف الرئيسية بخطة إسرائيل للاحتفاظ بالسيطرة على شريط ضيق من الأرض في جنوب غزة يعرف باسم "ممر موراغ"، وهو طريق عسكري يمتد جنوبي خان يونس مباشرة بمحاذاة الحدود المصرية. وبموجب الخطة الحالية، تريد إسرائيل المحافظة على وجود عسكري في ممر موراغ حتى بعد وقف إطلاق النار، وهو ما ترفضه "حماس"، ويجادل نتنياهو بأن القيام بذلك ضروري لمنع الحركة من إعادة التسلح عبر الأنفاق.
▪︎ مطالب حماس
في المقابل، انتقدت "حماس" في بيان "النيات الخبيثة والسيئة" الإسرائيلية، مؤكدة أنها عرضت سابقا التوصل إلى "صفقة تبادل شاملة، يتم خلالها الإفراج عن جميع الأسرى دفعة واحدة، مقابل اتفاق يحقق وقفا دائما للعدوان، وانسحابا شاملا لجيش الاحتلال، وتدفقا حرا للمساعدات، لكن نتنياهو رفض هذا العرض في حينه، ولا يزال يراوغ ويضع المزيد من العراقيل". غير أن "حماس" شددت على أنها مستمرة في تعاملها "الإيجابي والمسؤول" في المفاوضات نحو اتفاق يفضي لوقف الحرب مقابل إطلاق سراح أسرى من الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي، وذلك بعد يوم من بيان للحركة، أفاد بأن "هناك العديد من النقاط الجوهرية قيد التفاوض في محادثات وقف إطلاق النار الجارية، بما في ذلك تدفق المساعدات، وانسحاب القوات الإسرائيلية من أراضي القطاع، وتوفير ضمانات حقيقية لوقف دائم لإطلاق النار"، وتتمحور الخلافات الرئيسة بين إسرائيل وحماس حول ثلاث نقاط أساسية :
أولا: انسحاب الجيش الإسرائيلي إلى خطوط ما قبل انهيار الهدنة السابقة في آذار 2025.
ثانيا: تكليف الأمم المتحدة ومنظمات دولية بإيصال المساعدات إلى غزة، بدلا من "مؤسسة غزة الإنسانية" المدعومة أميركيا، والتي تتمسك بها إسرائيل.
ثالثا: الحصول على ضمان أميركي يُلزم إسرائيل بألا تستأنف الحرب من طرف واحد، عقب انقضاء مدة الهدنة البالغة 60 يوما.

▪︎ اراء الخبراء
يتوقع طارق فهمي المتخصص في الشؤون الإسرائيلية والفلسطينية، أن تتحرك مفاوضات الهدنة من العراقيل والتعتيم المفروض على تفاصيلها إلى قبول الطرفين بانفراجه بضغوط أميركية، لافتا إلى أن زيارة نتنياهو لواشنطن ناقشت ملفي غزة وإيران بشكل تباينت فيه الرؤى؛ لكن ترامب مصر على إتمام الصفقة بغزة مع السماح لإسرائيل بتوجيه ضربة لإيران حال اضطرت الظروف لذلك. بحسب تصريحات فهمي لصحيفة الشرق الأوسط "ستتضمن قبول إسرائيل انسحابات تدريجية، خصوصا من ممر موارغ قرب الحدود مع مصر، وقد تقبل حماس بذلك مع استمرار قناة الاتصال المباشر بينها وبين الإدارة الأميركية، ما يعزز مواقفها على حلبة المفاوضات وعدم دخول نتنياهو في تصادم مع ترامب وقبوله بتنفيذ صفقة غزة مقابل تقبل تطلعاته في استهداف إيران مجددا". من جانبه، قال المحلل السياسي الفلسطيني، سهيل دياب في تصريح صحافي، أن "الحركة الفلسطينية قدمت أكثر ما يمكن تقديمه؛ لكن المفاوضات عالقة بسبب أزمات نتنياهو والإدارة الأميركية والداخل الإسرائيلي خاصة، ولا يزال لديه تردد كبير في اختيار السيناريوهات المطروحة له خاصة وكل محاولات تلاعبه بالجميع من أجل مصالحه الشخصية انتهت". ولم يستبعد دياب أن يكون ملف التهدئة في غزة مرتبطاً بتفاصيل الملف الإيراني خاصة، وتفاصيل لقاءات نتنياهو وترامب لم تصدر بشكل تفصيلي بعد، ويبدو الترويج لحدوث انفراجه واتفاق خيار تدفع له إسرائيل وواشنطن مجدداً بشكل لافت في هذا التوقيت الذي يترقب العالم خلاله مسار اتفاق أو اختلاف أميركا وإيران.
على الرغم من أجواء التفاؤل التي يبديها مسؤولون أميركيون بشأن إمكانية التوصل إلى اتفاق هدنة في غزة خلال الأيام المقبلة، فإن تحقيق وقفٍ لإطلاق النار مدة ستين يوما، إن تم، فلا يعني بالضرورة نهاية العدوان الإسرائيلي على القطاع، فالنقاط الخلافية القائمة لا تزال تحول دون الوصول إلى تسوية دائمة، ابرزها سيناريو "اليوم التالي" في غزة، حيث تصر إسرائيل على استبعاد حماس كليا من مستقبل الحكم في غزة، وتقترح أن تتولى دول عربية مسؤولية إدارة القطاع وتوفير الأمن، بإشراف إسرائيلي، بالتعاون مع شخصيات فلسطينية غير منتمية إلى حماس أو السلطة الفلسطينية. يضاف الى ذلك، تمسك حماس بانسحاب إسرائيلي كامل من قطاع غزة، في مقابل إصرار إسرائيل على الاحتفاظ بمساحات واسعة داخل القطاع، ما يثير مخاوف من تثبيت احتلال جزئي ضمن ترتيبات ما بعد الحرب.
وتتمثل النقطة الخلافية الثالثة في إعادة الإعمار ومخططات التهجير حيث يروج ترامب ونتنياهو لخطة تهجير جماعي لسكان غزة، متجاهلَين الإدانات الدولية المتزايدة، بما في ذلك تلك الصادرة عن حلفاء وشركاء وأطراف من الأمم المتحدة.








