
المجلس الدولي للمتاحف يحذر... خطر متزايد يهدد الإرث الحضاري لدول المنطقة جراء الحروب

مراصد
19/7/2025، 11:35:09 ص
أثارت حرب ال 12 يوماً بين اسرائيل وايران مخاوف المجلس الدولي للمتاحف بعد الهجمات الأولى بالقنابل والصواريخ بين البلدين، وأصدر المجلس تحذيراً واضحاً بهذا الشأن.
وغالباً ما تؤدي تلك الصراعات إلى تعرض الكثير من المتاحف والمواقع الأثرية للتخريب والهدم، نتيجة لتلك الاعمال والاستغلال من قبل لصوص الآثار والتحف، وقيامهم بسلب تلك المباني والمواقع من مقتنياتها وعناصرها الزخرفية والتاريخية، أو أخذ الاعمدة والتيجان والمخلفات الاخرى لبيعها.
▪︎ الحرب الإسرائيلية الإيرانية
موقع "DW عربية" الألماني سلط الضوء على جانب آخر من الحرب التي اندلعت بين إيران وإسرائيل، حيث تناول في تقرير المخاطر التي تهدد التراث الثقافي في الشرق الأوسط، الذي كان تحت تهديد الضربات الجوية. ويشير الموقع الألماني في تقريره، الذي ترجمته منصة "مراصد"، إلى أنه خلال النزاع بين إسرائيل وإيران كانت هناك مواقع ثقافية في البلدين معرضة للدمار بالصواريخ أو قصف الطائرات. وطالبت الجمعية المهنية التي تتخذ من باريس مقراً لها والتي ينتمي إليها 8000 من العاملين في المتاحف في جميع أنحاء العالم، بما في ذلك من إسرائيل وإيران بضرورة التزام الطرفين بالاتفاقيات الدولية لحماية التراث الثقافي حتى في حالة النزاع.
▪︎ تراث ايران
تمتلك إيران تراثاً ثقافياً غنياً، ويشمل ذلك 28 موقعاً من مواقع التراث العالمي لليونسكو ونحو 840 متحفاً، 300 منها تحت إدارة وزارة الثقافة. وتقول يوديث تومالسكي رئيسة فرع طهران للمعهد الألماني للآثار، في مقابلة مع إذاعة "دويتشلاند فونك" الألمانية "لدى إيران هيئة تراثية منظمة ومهنية بشكل جيد". ويواصل المعهد نفسه عمله في مقر السفارة الألمانية في طهران بموظفين محليين، وتحافظ "تومالسكي" على التواصل مع شبكتها الإيرانية قدر الإمكان. من جانبها قالت باربرا هيلفينغ، مديرة متحف الشرق الأدنى القديم في برلين، لإذاعة "RBB" البرلينية، إن المتحف الوطني الإيراني هو أهم متحف في إيران، ففي مبنيين يضم كل منهما ثلاث قاعات يضم أكثر من 300 ألف قطعة أثرية من عصور ما قبل الإسلام "قبل القرن السابع الميلادي" والعصور الإسلامية بما في ذلك العديد من القطع المصنوعة من الحجر والخزف والزجاج والمعادن. وبحسب هيلفينغ تم نقل جميع القطع الأثرية على عجل إلى الأقبية، وتمت تغطية القطع الأثرية غير المنقولة ومعظمها قطع حجرية بأكياس رمل لحمايتها من الصدمات والحطام المتطاير. من جهتها ذكرت صحيفة "طهران تايمز" اليومية الناطقة باللغة الإنكليزية أن القوات الجوية الإسرائيلية قصفت مستودعا للأسلحة على بعد كيلومترين فقط من المتحف، وتخشى هيلفينغ من أن تكون الاهتزازات وموجات الضغط قد تسببت في حدوث أضرار.

▪︎ خطط طواريء
وفي اسرائيل تم تفعيل خطط الطوارئ في أعقاب الهجمات الإيرانية المضادة الأولى، وبحسب تقرير نشرته مجلة "الفنون الجميلة" الثقافية الفرنسية قام متحف تل أبيب للفنون بتأمين مجموعته من الفنون الجميلة الإسرائيلية والعالمية في غرف ومستودعات تحت الأرض. أما المتحف الإسرائيلي في القدس وهو أحد أكبر المتاحف في الشرق الأوسط ويضم 500 ألف قطعة فنية، فيمكن زيارته مرة أخرى بالفعل حيث يُعلم المتحف زواره على موقعه الإلكتروني بأن الملاجئ متاحة في حالة الطوارئ.
ويوجد حالياً تسعة مواقع لتراث عالمي لليونسكو في إسرائيل بما في ذلك "المدينة البيضاء" في تل أبيب، وهي حي يضم العديد من مباني باوهاوس، وقلعة مسعدة الصخرية الشهيرة ومدينة عكا القديمة، وذكرت صحيفة "تايمز أوف إسرائيل"، "على حد علمنا، لم يحدث أي ضرر للقطع الأثرية التي تقع تحت مسؤولية سلطة الآثار الإسرائيلية".
▪︎ غزو العراق
الى ذلك اشارت تقارير عراقية إلى سرقة ما يقارب من 120 ألف قطعة أثرية من العراق بين عامي 2003 - 2017، الجزء الأكبر منها خلال الغزو الأمريكي للعراق، فيما يتحمل تنظيم داعش مسؤولية سرقة مقتنيات متحف الموصل شمالي البلاد وبعض المواقع الأثرية في المناطق التي تم الاستيلاء عليها بعد عام 2014. ويقول مدير دائرة المخطوطات العراقية، والناطق باسم وزارة الثقافة أحمد العلوي، إن وزارته تمكنت من "استعادة أكثر من 23 ألف قطعة أثرية خلال ثلاث سنوات، منها 17300 قطعة أثرية تم استردادها قبل عامين".

ويؤكد التقرير أن نهب المتحف العراقي لم يحدث بالصدفة، واستغلت العصابات المنظمة، بما في ذلك أفراد من دول الجوار، حالة الفوضى، وكان هؤلاء اللصوص على دراية بتصميم المتحف وقاعاته وغرف التخزين المخفية، وحتى الأماكن الأكثر أمناً، مثل الغرفة المخفية داخل المتحف، التي لم تسلم من السرقة. وفي سياق متصل..نشر موقع "ذا كرادل"، وهو إحدى وسائل الإعلام المستقلة في غرب آسيا، تقريراً أكد فيه أن التحركات الأمريكية في العراق كان لها تأثير مدمّر على تراثه الثقافي الهائل، ففي عام 1991، تعرضت اثار أور لقصف أمريكي عنيف، مما تسبب في أضرار جسيمة للزقورة القديمة، وخلال غزو العراق عام 2003، تركت القوات الامريكية المتحف العراقي مسرحاً لعصابات قامت بسرقة اكثر الآثار قيمةً ، كما حولت متحف الناصرية إلى ثكنة عسكرية، وتم استخدام موقع كيش الأثري كقاعدة تدريب، مما أدى إلى تدمير مناطق أثرية واسعة. ومما زاد من مشاكل العراق، أن ظهور تنظيم "داعش" في عام 2014 أدى إلى سرقة مجموعات من متحف الموصل، وتدمير العديد من المواقع الأثرية. ومع ذلك، تشير العديد من المصادر إلى أن تنظيم "داعش" قام بأعمال التدمير هذه لصرف الانتباه عن النهب الفعلي للآثار القيّمة، وحتى الآن، باع التنظيم الإرهابي مئات القطع الأثرية عبر تهريبها إلى تركيا، ومنها إلى أوروبا.
▪︎ الأرشيف اليهودي
ويكشف سليم مطر، مؤلف كتاب "تاريخ العراق أرض وشعب ودولة"، عن قيام وحدة المهمات الخاصة "ألفا" الأمريكية، في 6 مايو أيار 2003 باقتحام قبو سري في مبنى المخابرات العراقية وسط العاصمة بغداد، وعثرت على 200 صندوق من الأرشيف الرسمي العراقي، الذي يشمل ثلاثة أنواع، منها وثائق أمنية والثاني لأرشيف حزب البعث، والثالث للأرشيف اليهودي. ويشتمل الأرشيف اليهودي، بحسب الكاتب والباحث نبيل الربيعي، على 48 لفيفة لمقاطع من سفر التكوين، مكتوبة على جلد الغزال، وتقويمات باللغة العبرية، و 7002 كتاب، ومجموعة من الخطب بالعبرية تعود لعام 1692، إضافة إلى 1700 تحفة نادرة توثق لعهد السبي البابلي الأول والثاني، وأقدم نسخة للتلمود البابلي، وأقدم نسخة للتوراة، وسجلات شرعية تعود إلى قرون عدة تركها يهود العراق، وغيرها من المقتنيات الثمينة. وفي ذات السياق كشف محمد فيصل الغزي، الذي كان يشغل منصب آمر سرية حماية السياسي العراقي الراحل أحمد الجلبي، وكان يقود قوة مسلحة دخلت بغداد مع القوات الأمريكية. وقال الغزي، في تصريحات متلفزة: "في 22 أبريل 2003، توجهنا نحو المتحف الوطني وأخرجنا مجموعة من الآثار بينها نسخة من التوراة البابلية". وأضاف: "كانت الحجة هي حماية الآثار لحين تشكيل الحكومة، وهو ما لم يحدث"، مشيراً الى أنه تم نقل الصندوق الذي كان يحوي الآثار إلى خارج العراق، ومن هناك إلى إسرائيل".

▪︎ الحرب السورية
وفي سوريا أدت المعارك العسكرية الى الحاق اضرار جسيمة بالآثار السورية، حيث وجد لصوص الآثار ما تعيشه سوريا من أوضاع الحرب والفوضى فرصه في الحصول على أرباح هائلة خاصة مايتصل بالمواقع الأثرية. وفي هذا الصدد.. قال معهد الأمم المتحدة للتدريب والأبحاث إن صورا التقطتها الأقمار الصناعية تظهر أن 290 موقعا تراثيا في سوريا يرجع تاريخها إلى فجر الحضارة تضررت من جراء الحرب الأهلية الدائرة في البلاد. ويغطي التراث الحضاري السوري ممالك عظمى في الشرق الأوسط، وقد تعرضت مواقع ومبان تراثية في أنحاء البلاد، مثل الجامع الأموي في حلب، لعمليات نهب، أو تضررت أو دمرت، خلال الحرب المندلعة. وخلص معهد الأمم المتحدة من خلال صور الأقمار الصناعية المتاحة تجاريا إلى أن هناك 24 موقعا دمرت تماما، و189 موقعا تضررت بشدة أو بدرجة متوسطة، و77 موقعا ربما تكون تضررت. واضاف المعهد في تقرير حديث إن هذه "شهادة خطيرة على التضرر المستمر في التراث الثقافي السوري الواسع".

▪︎ حرب غزة
لم يسلم التراث الثقافي والديني لقطاع غزة المحاصر من الدمار الذي خلفته حرب الإبادة الإسرائيلية على غزة، حيث تعرضت المتاحف والمساجد والكنائس والمواقع الأثرية للتدمير أو الضرر الشديد. وبحلول شهر سبتمبر أيلول 2024، أكدت منظمة اليونسكو الدولية الأضرار التي لحقت بـ 69 موقعاً للتراث الثقافي منذ بدء حرب الإبادة على غزة في 7 أكتوبر تشرين الأول 2023. وتشمل هذه المواقع 10 مواقع دينية، و43 مبنى ذا أهمية تاريخية وفنية، ومستودعين للممتلكات الثقافية المنقولة، وستة آثار، ومتحف واحد، وسبعة مواقع أثرية. من جانبها.. قالت منظمة اليونسكو إن تقييمها الأولي باستخدام صور الأقمار الصناعية يظهر أن 29% "20 موقعاً " من هذه المواقع تبدو مدمرة، و20% "14 موقعاً " متضررة بشدة، و51% "35 موقعاً " متضررة بشكل متوسط. وذكرت الوكالة التابعة للأمم المتحدة إنها لم تتمكن إلا من إجراء تقييمات عن بعد للأضرار الناجمة عن الحرب، وهذا يعني أن حجم الأضرار على الأرض قد يكون أكثر خطورة. وفي وقت سابق من هذا العام، ظهرت تقارير تؤكد أن جيش الاحتلال الإسرائيلي نهب أيضاً آثاراً فلسطينية في غزة.
![]()
▪︎ الحرب في السودان
تتزايد المخاوف المحلية والدولية يوماً بعد يوم من امتداد رقعة الحرب في السودان نحو المناطق الأثرية ومواقع التراث العالمي في السودان.
وأعربت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة " اليونسكو" عن قلقها من إقامة عمليات عسكرية في المواقع الأثرية في السودان، وحدّدت المواقع الأثرية المدرجة في قائمة التراث العالمي، يأتي ذلك عقب رصد تسلل عدد من أفراد الدعم السريع إلى موقعَي "النقعة" و"المصورات" الأثريين في ولاية نهر النيل. وقالت يونسكو في بيانها المنشور في 19 يناير كانون الثاني الماضي، إنها تلقت تقارير تكشف عن وجود نشاطٍ عسكري في جزيرة مروي الأثرية. ويؤكد الدكتور محمود سليمان مدير موقع التراث العالمي جزيرة مروي لـ TRT عربي أن وجود قوات عسكرية في مواقع أثرية يمثل تهديداً، وأن "الآثار الشاخصة" ستكون المتضرر الأول في حال حدوث اشتباكات، لتأثرها بالاهتزازات الناتجة عن الأسلحة والانفجارات. وأدانت وزارة الخارجية السودانية وجود قوات الدعم السريع في منطقتَي النقعة والمصورات الأثريتين، عبر بيانٍ في 17 يناير كانون الثاني الماضي، معربة عن مخاوفها من تدمير التراث الثقافي في السودان، الذي شمل حتى الآن تخريب متحف السودان القومي ودار الوثائق القومية وعدد من الجامعات والمكتبات العامة وأماكن العبادة التاريخية. وقالت الخارجية إن النقعة والمصورات يُعَدّان من أبرز المواقع الأثرية المحمية، فيهما مبانٍ يعود تاريخها إلى نحو ثلاثة آلاف سنة، وهما ضمن قائمة التراث الإنساني العالمي منذ عام 2011.
▪︎ حرب اليمن
لم تسلم اليمن من تدمير الاثار كغيرها من الدول التي شهدت حروباً داخلية وخارجية، إذ استيقظ سكان صنعاء القديمة فجر 12 يونيو حزيران 2015 على أصوات الانفجار الذي طمس معالم 4 منازل طينية في حارة القاسمي بالمدينة المصنفة ضمن قائمة التراث العالمي لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة "UNESCO" ، بعد تعرضها لقصف طيران التحالف الخليجي. هذه الجريمة التي استهدفت معلما تاريخيا عريقا في اليمن لم تكن الوحيدة، بل رصدت الهيئة العامة لحماية التراث بصنعاء استهداف عدد من المواقع تاريخية وتراثية قصفها طيران التحالف، منها: قلعة القاهرة في تعز، ومدينة براقش الأثرية بالجوف، وسور سد مأرب، ومدينة شبام كوكبان، وحارة الفليحي بصنعاء القديمة، والمتحف الحربي بعدن، ومدينة صعدة القديمة وغيرها. ويعدّ اليمن من أغنى دول المنطقة بالآثار والتراث الثقافيّ والتاريخيّ والمعماريّ، كما يمتلك أربعة مواقع أدرجتها منظّمة الأمم المتّحدة للتربية والعلم والثقافة "اليونسكو" على لائحة التراث العالميّ، هي: جزيرة سقطرى ومدن صنعاء القديمة، شبام حضرموت، وزبيد القديمة.

وكانت المديرة العامّة لـ"اليونسكو" إيرينا بوكوفا وصفت التراث الثقافيّ اليمنيّ بقولها: "إنّ تراث اليمن فريد من نوعه، فهو يعكس قرون تبادل الفكر والحوار الإسلاميّ الثريّ". ودعت في بداية الحرب، الشعب اليمنيّ والأطراف المتصارعة، وكذلك دول المنطقة المشاركة في العمليّات العسكريّة في اليمن، إلى "بذل كلّ ما في وسعها لحماية التراث الثقافيّ الثريّ في اليمن". لكن من الواضح أنّ تلك الدعوات وغيرها لم تلق صدى لدى الأطراف المتصارعة، إذ شهد اليمن إصابة وتدمير 101 موقع ومعلم أثريّ، منذ بدء الحرب حتّى الآن.








