
الفردوس بين الأسطورة والحداثة

غنوة فضة
21/7/2025، 12:38:24 ص
لاشك أن العودة إلى الماضي من أجل تفسير المفاهيم الدينية تُجسد محاولة لتحليل الطريقة التي نشأت عليها عقائد البشر. ويكمن جوهر الدراسات المهتمة بهذا المسار في التساؤل حيال أفكار الحياة ما بعد الموت، والكشف عن الأسباب التي فرضت على البشر أفكاراً مقدّسةً كحقائق مطلقة. تلك الدراسات التي تناولت ثنائية (العقاب والثواب) كمفهومين أبديين يجسدان حيّزاً لا يقبل المساواة فيما يتعلق بالعبد البائس.
ومن بين الكتاب الذي أنشغلوا بهذا المسار، فالح مهدي (1947) كاتب عراقي، مقيم في باريس، وأبحاثه تتمحور حول الأديان ودراسات المقدس. وليس غريباً عنه الانشغال في أعماق الظاهرة الدينية. يقدم فالح مهدي في كتابه (تاريخ الجنة) (بيت الياسمين للنشر والتوزيع 2025) سبراً دقيقاً لمسألة "الجنة والنار" كعمودٍ أساسي تقوم عليه الديانات التوحيدية. وإذ يبحث في هذا المضمار، فهو لغاية فتح الأبواب التي تؤدي إلى فهم الأيديولوجية الدينية. ولأن كلا المفهومين مكرَّسان بصورةٍ واضحةٍ في العقيدة الإسلامية. بيد أنّ مهدي يركز في بحثه على أسبقية اليهودية والمسيحية في ذلك. ولربما سببه غنى المادة التي تناولت موضوع الجنة، وحتى لا يأخذ البحث مداهُ الديني، لم يتوقف عند السرديات التوحيدية المقدسة، بل قرأ ونقدَ مفاهيم الجنة الأرضية في العصر الراهن؛ كالجنة التي صممها كارل ماركس (1818-1883) ورفيقه فريديك إنجلز (1820-1895). قد يُفضي العنوان إلى التساؤل حيال الجنة وتاريخها، وهنا يجيب مهدي: "أن للجنّة تاريخاً". فهي لم تبدأ وتصبح على ماهي عليه الآن إلا مع الديانات التوحيدية، أوّلها الزرادشتية ومن ثم اليهودية والمسيحية والإسلامية. وما أفكار الجنة إلا استنادٌ كلّي إلى أفكار الأمل. وحسب بحثه، فإن الدين الوحيد الذي صاغ الأمل وأدبيّاته كان الدين المصري القديم؛ حيث صاغت العقلية المصرية مادة في غاية الأهمية عن الأمل في "كتاب الموتى". إذن كيف ولدت الأديان ولماذا؟ يشكّل تحليل ظهور الأديان في الكتاب منطلق البحث، إذ يستعرض الدراسات التي تستخدم مفهوم الانتقاء الطبيعي؛ ذلك التطور العلمي أقرّ به كبار رجال الدين في العالم (عدا الإسلام) وقد أحدث استجابة للتغيرات في البيئة وأثرها العظيم على سلوك الإنسان وثقافته. هذه الظاهرة التي دُعيت "التطور"، والمحكومة حسب داروين بالانتقاء الطبيعي، شكّلت لدى الإنسان عن طريق الصدفة وعياً ولغة أكثر تفصيلاً، ودماغاً متطوراً خلق رعباً لديهِ جرّاء فراغ المعنى بحيث قاد الفكر لمعرفة أصل القلق الوجودي والدين الناتج عنه. بذلك يظهر الدين كعنصر رمزي، وكظاهرة ثقافية ذات جذور بيولوجية عميقة، ونتاجاً غير مباشر للانتقاء الطبيعي. ومن هنا، جاءت الأسئلة حول الحياة، الموت، والطبيعة مبكراً, الأمر الذي دفع العلماء للقول بأن الدين ظهر عبر تاريخ البشرية، بوصفه حديثاً، قياساً بعمر الأرض وعمر الإنسان العاقل. أما عن فرضية نقلَها مهدي من خلال رأي بحثي مفاده: "إن مرجعية الدين تقود إلى الشعور بالقلق" فهي تشير إلى نشأة الدين جراء الحاجة والرغبة في التكيف. وهنا يشير إلى نقطة بالغة الأهمية وهي أنّ الأديان التي يطلق عليها بدائيّة، تشترك مع الأديان الأكثر تطوراً في نظرتها للكون والقوى العليا. ووفقاً للرؤية الداروينية، فإن الطبيعة لم تمنح سمات وعناصر استثنائية للإنسان قياساً بالحيوان، لأن التطور البيئي والثقافي سمح للإنسان بامتلاك العواطف، والخيال، والشعور بالجمال، والإيمان بالفاعلين الروحيين كما في الديانات السابقة. أما ظهور مؤسسات كمعابد يقوم على أمرها كهنةٌ، فقد أتى لتنظيم العلاقة مع السلطة السياسية التي استمدت سطوتها من السماء، حتى وصل الأمر في الفكر الديني المصري إلى اعتبار فرعون إلهاً. إلى جانب الفضل الذي قدمته اللقى الأثرية؛ إذ كان الفخار في بلاد الرافدين وسيلة لتكريم الآلهة، وتدوين الصلوات والطقوس. وفي تلك الفترة، جلبت الأديان إلى المجتمعات معايير اجتماعية وسياسية أكثر صرامة من المعايير الدينية نفسها. وقد استطاعت ليس فقط في الحكم على سلوك الأفراد الأخلاقي، بل في فرض الامتثال لمعاييرها على أنها (وصايا الآلهة) ويؤدي عصيانها إلى عقاب من قبل الآلهة نفسها. "الإنسان بمعناه الواسع يرفض الفراغ، لذا فإن توصله إلى الدين كان من نتائج ملء هذا الفراغ" من هنا يشير مهدي إلى الصورة التي قدمت من خلالها الأديان نفسها كهياكل ومؤسسات للسلطة، إذ تم إنشاؤها بشكل أساسيّ لتلبية احتياجات التماسك والأمن والسلام داخل المجتمعات البشرية والحضرية. وقد أسهم تكوينها النموذجي (الهياكل المقدسة) للعمل ليس فقط كوسيط بين الإنسان والإله، إنما كمتحدّث باسم مطالب الآلهة وإرادتها. سواء في تقديم معايير السلوك الاجتماعي الجيد للفرد، أو في تقديم (المعرفة) والإجابة عن العالم والطبيعة وإلى ما يحتاجه البشر في منح المعنى لوجودهم. أما إدخال الدين "نفسه" كبنية تنظيمية وذات جبروت، فقد تجلّى في الثقافة الدينية بمعناها الواسع في مناطق الشرق الأوسط وحوض البحر المتوسط، إذ تحضرُ بقوة في الكتابات المقدسة اليهودية أولاً ثم المسيحية والإسلام. ذلك أن الأساطير القديمة في التراث البابلي القديم مدرَجةٌ في الكتاب اليهودي المقدس، بينما دفعت الحاجة إلى الدين الإنسانَ القديمَ إلى ابتكارهِ وعدّهِ جزءاً من معادلة علمية نظراً لحاجته إلى ما يعينهُ في حياته اليومية. لذا فإن الدين نشاطٌ ذهني لا ريب فيه، إنما لم يتدين الإنسان بسبب الحاجة فحسب، بل أيضاً للبحث عن أجوبة نهائية لأسئلته الوجودية، وكل ما شكّل لغزاً بالنسبة إليه: الولادة.. الموت.. الليل.. والنهار. هذا البحث الاستقصائي في جوهر الدين، شكّل إضافة نوعيّة في حقل الدراسات المقارنة للأديان. والتساؤلات التي يطرحها محورية: فهل كان الغرض من معرفة ما إذا كانت الجنة اختراعاً إنسانياً كان للتعويض عن قسوة الواقع أم أنها حقيقة مطلقة بحق؟ هنا يجمع البحث بين التاريخ المقارن، ونقد الخطاب الديني. ويعيد تعريف الفردوس، ليس كوعدٍ موجّلٍ، إنما بوصفهِ مرآة تفكك تطلّعات الإنسان وأحلامه المكبوتة. أما في الجانب اللغوي، نطلع على بحث تحليليّ لغوي وتاريخي لتطوّر كلمة "جنة" وهي مفردة لها جذورٌ عميقة في اللغة الإيرانية القديمة (الأفستية) حيث كانت تعني "بارادايز" أي "الجدار المحيط بالحديقة". في المقابل اشتُّقت كلمة "جنّة" في اللغة العربية من الجذر "جَنَن" الذي يعني التستر والاختفاء، ومنه اشتقت كلمات أخرى "الجنين" و"الجنون" وهذا الاختلاف اللّغوي يعكسُ تبايناً في التّصوّرات الثقافية للجنة بين الشرق والغرب. وهنا يتتبع البحث تطوّرَ مفهوم الجنة من مجرد حديقة مسورة لدى الفرس إلى مفهوم روحي متكامل في الأديان التوحيدية، ففي الزرادشتية نجد أن أوّل تصوّر واضح للجنة كمكافأة للمؤمنين الصالحين، بينما في اليهودية القديمة كان التركيز أكثر على الأرض الموعودة. في حين اتّخذت الجنة في المسيحية والإسلام أبعاداً روحية وجسدية معاً.
لا تكتفي الدّراسة على تحليل الجانب المرتبط بالأمل فيما يتعلق بمفهوم الجنة، بل تربط الفكرة بآلية الخوف، وهو ما يُعيدنا إلى كتابِ المؤلِّف السابق "تاريخ الخوف" إ ذ يرى أن براهين وجود الجنة لا تصمد أمام الحجج الفلسفية، بيد أنه ينتقل بالمفهوم من نقده تاريخياً ضمن سياق اليوتيوبيا المار كسية إلى الوهم الرأسمالي، حيث يعد هذا الجانبُ الأكثر جدلاً في الكتاب؛ "نحن نعاني الآن من جراء الجنة الرأسمالية المتخيلة" هكذا يناقش المؤلف كيفية تحوّل مفاهيم النعيم القادم إلى وعود دنيوية في الأيديولوجيات الحديثة، سواء في الشيوعية التي وعدت بجنة الأرض الخالية من الطبقات، أو الرأسمالية التي تبيع وهم السعادة عبر الاستهلاك. وفي هذا ينقد العصر الحديث قائلاً: "العصر الراهن وما فيه من ثوراتٍ علمية وقدرات ذهنية وثقافات تثير العجب، وضع المؤمن أمام خسائر ليس من السهل بل من المستحيل تعويضها". إلا أنه يتجاوز ذلك إلى الكشف عن الآليات السياسية التي تستخدمها السلطات الدينية والدنيوية عبر مفهوم الجنة، وكيفية توظيف المتخيّل الديني لأغراض الهيمنة والسيطرة. وهنا يربط بين كتابه الحالي وكتابه "تاريخ الخوف" مجدداً، إذ يشير إلى أن من سعى إلى تخليص البشرية من الدّين بوصفه مصدر كل المخاوف، جاء بنظام قائم على الخوف، في إشارة واضحة إلى الأنظمة الشمولية التي حلّت الوعد بالأرضية محل الوعد بالأخروية.
يختتمُ مهدي كتابه بتأمّل فلسفيّ عميق، إذ يقول: "بهذا خسرنا الوهم اللذيذ، وفاتنا الواقع الماديّ المتقدم حقّاً". هذه العبارة تلخص رؤيته المأساوية إلى حد ما، وهي رؤية ترى في الجنة محاولة بشرية لمواجهة فكرة الفناء، من دون أن تقدم حلاً حقيقياً للمأزق الوجودي للإنسان. وهو ما يجعلنا ننظر إلى الكتاب ليس بوصفه سرداً تاريخياً لتطور مفهوم النعيم فحسب، بل لنقدهِ الجذري للآليات النفسية والاجتماعية التي تنتج الحاجة إلى هذا المفهوم. وعلى الرغم من المبالغات النقدية في بعض المواضع من الكتاب، إلا أنه يجسد إضافة ضرورية إلى الدراسات النقدية للظاهرة الدينية في الفكر المعاصر، وأهم ما يخلص إليه حسب اعتقادي، هو طرح فكرة مفادها أن الجنة الحقيقية ليست في مكان آخر، بل هي إمكانيةٌ ووجودٌ في "الآن" حالَ توقف الإنسان عن "بربريته وعدوانيته".








