
الألعاب الإلكترونية... 200 مليار دولار ما بين عالم الترفيه والملكية الفكرية

مراصد
27/7/2025، 11:37:47 ص
لم تعد الألعاب الالكترونية مجرد تسلية وقضاء وقت، بل منهجا للربح متعدد الاشكال، وانتاجا يبدأ بأفكار تقنيات متطورة باطراد يوميا حتى بات الامس لا يشابه اليوم، وانتظار مفاجئات في الغد، ولم يتعد الامر ذلك التنافس في الصناعات والملكيات الفكرية في سياق التنافس المحموم بين الصناعات الامريكية والصينية، فكل ما بدا ترفيها منزليا للأطفال، رافق الطفرة الرقمية في تسعينيات القرن الماضي مع أسماء لامعة، مثل "أتاري" و"سيغا" وغيرها، صار اليوم عالما متكاملا من الترفيه الرياضي الإلكتروني، تُقام له المباريات، وتُعقد له الدورات الوطنية والإقليمية والدولية، وتُسمى له بطولات، ويُتوج فيه أبطال وبطلات، حتى بلغ حجم سوق الألعاب الإلكترونية في العالم نحو 200 مليار دولار.
▪︎ تقنيات طموحة
في ظل النموّ المتسارع لصناعة الألعاب الإلكترونية على مستوى العالم، تتزايد الحاجة إلى بنية تحتية رقمية قادرة على مواكبة الطلب المتزايد على السرعة والموثوقية، خصوصاً مع انتشار الألعاب السحابية والخدمات التفاعلية. ويؤكد المدير الإقليمي لشركة Ciena في الشرق الأوسط وأفريقيا "بيت هول" في حديث صحافي ان شركته تسهم في تمكين بنية تحتية قوية وعالية الأداء من خلال تقنياتها المتقدمة، وعلى رأسها تقنية WaveLogic 6 Extreme، التي توفر قدرة نقل تصل إلى 1.6 تيرابت في الثانية لكل طول موجي، ما يُعد نقلة نوعية في مجال الاتصال الفائق السرعة. ورغم أن الشركة لا تعقد شراكات مباشرة مع شركات الألعاب أو منصات البث، يستخدم تقنياتها مزودو الشبكات لبناء شبكات مرنة وقليلة التأخير تستجيب لتوقعات اللاعبين من حيث الأداء، ما يسهم في تقديم تجربة ألعاب سلسة وخالية من الانقطاعات. ومع الاعتماد المتزايد على الألعاب السحابية وخدمات البث التفاعلية مثل Xbox Cloud وGeForce Now، تبرز تحديات تقنية كبرى تواجه الشبكات، أبرزها مشكلة التأخير (Latency)، والاكتظاظ في النطاق الترددي، والأنماط المرورية غير المتوقعة، وخاصة خلال ساعات الذروة. ولمواجهة هذه التحديات، تعمل Ciena على تمكين مزوّدي الشبكات من إنشاء بنى تحتية ذكيّة وتكيّفية قادرة على توسيع السعة وتوجيه حركة البيانات بشكل فوري، فضلاً عن تقنيات المعالجة الطرفية (Edge Computing) التي تقلل من التأخير وتقرّب عمليات المعالجة من المستخدم النهائي.

▪︎ طموحات خليجية
بعد تدفق الاستثمارات السيادية، واهتمام الشركات العالمية، وبروز مناسبات ضخمة على غرار "غايمرز إيت" (Gamers8) و"غايم إكسبو" (GameExpo)، تتبلور ملامح قطاعات محلية تحمل طموحات عالمية. في قلب هذه التحولات، يبرز الخليج العربي، حيث تعزز الإمارات موقعها كمركز إقليمي لقطاع الألعاب، إذ بلغ حجم سوقها نحو 1.02 مليار دولار في 2024، وسط توقعات بأن تتجاوز الـ 2.14 مليار دولار بحلول 2030، بمعدل نمو سنوي يتخطى الـ 13%، وتشكل ألعاب المحمول أكثر من نصف هذه السوق، مع التركيز على المحتوى التفاعلي والواقعين الافتراضي والمعزز. من جهتها، تبرز السعودية بثقلها المالي ورؤيتها الجريئة، في 2022، أسس "صندوق الاستثمارات العامة" شركة "سافي للألعاب الإلكترونية" (Savvy Games Group) وخصص لها استثمارات تصل إلى 38 مليار دولار حتى 2030، بهدف بناء منظومة متكاملة لقطاع الألعاب، وُجِه جزء من هذا المال لشراء حصص في شركات عالمية مثل "أكتيفيجن بليزارد" (Activision Blizzard) و"نينتندو" (Nintendo)، فيما خُصص جزء آخر للاستحواذ على أستوديوهات تطوير كاملة، في رسم لخريطة نفوذ رقمية جديدة. تتضمن تشكيلة الألعاب في كأس العالم للرياضات الإلكترونية في الرياض Counter --Strike 2 (1.25 مليون دولار)، و FC Pro World Championship (1.5 مليوناً)، والشطرنج (1.5 مليوناً)، وPUBG MOBILE (3 ملايين) و League of Legends (مليوني دولار) وغيرها.

لم يغب هذا النمو عن أعين عمالقة القطاع، لاسيما شركات مثل "تينسنت" (Tencent) و"يوبيسوفت" (Ubisoft) و"رايوت غيمز (Riot Games) الذين بدأوا بفتح مكاتب إقليمية، أو تعاون مع مطورين محليين لإنشاء محتوى يعكس الثقافة العربية ويواكب الذوق المحلي. في هذا المناخ، بدأت أسماء محلية تبرز، مثل "سيمفور" (Semaphore) في السعودية و"غايم كوكس" (Game Cooks) في لبنان، ورغم أن هذه الأستوديوهات لم تصل بعد إلى مصاف الشركات الكبرى، فهي تضع اللبنات الأولى لصناعة إقليمية واعدة. وتُكمل المناسبات الكبرى المشهد، في دبي، استطاع "غايم إكسبو" أن يجمع في نسخته الأخيرة أكثر من 50 ألف زائر وقرابة 200 جهة عارضة، أما مهرجان "غايمرز إيت" في الرياض، الذي بلغت قيمة جوائزه في الـ 2023 نحو 45 مليون دولار، فاستقطب أكثر من 1500 لاعب محترف من أكثر من 60 دولة، وجذب نحو 2.5 مليون زائر. وبذلك، بات كل من الحدثين منصة للاستثمار وترويج الألعاب، ولتعزيز البنية التحتية لصناعة ناشئة. في المحصلة، ليس ما يجري عربياً في هذا الصدد طفرة موقتة، بل تحوّلاً هيكلياً في علاقة المنطقة بقطاع الألعاب. من الاستثمارات العملاقة إلى الشراكات الذكية، ومن الفرق المحلية إلى المنصات العالمية، العرب اليوم لا يلعبون فقط، بل يعيدون تشكيل اللعبة.
▪︎ حضور دولي
مع دمج تقنيات الذكاء الاصطناعي والواقع الافتراضي في عالم الألعاب، تتغير طبيعة حركة البيانات، إذ باتت أكثر تعقيداً وتتطلب نطاقاً ترددياً أعلى وزمن استجابة أدنى. وفي هذا الإطار، تؤكد Ciena أن شبكات المستقبل يجب أن تكون ديناميكية وذكية بما يكفي للتكيّف مع هذه المتغيرات. وتأتي تقنية WaveLogic 6 Extreme لتلبية هذا التحول حيث توفّر قدرة ربط تصل إلى 800G، وتسهم في تحسين الكفاءة الاقتصادية والطاقة التشغيلية، من دون الحاجة إلى تغيير البنية التحتية القائمة، ما يسمح لمزودي الخدمات بالاستفادة السريعة من هذه المزايا. وتستثمر الشركة في تقنيات التوجيه الذكي للحركة المرورية والحوسبة الطرفية، وهي عناصر ضرورية لضمان تجربة ألعاب واقعية وسريعة الاستجابة، وخاصة في تطبيقات الواقع الافتراضي والذكاء الاصطناعي التي تتطلب أداءً شبكياً من الطراز الأول. وبدأ المطورون يستخدمون أدوات ذكاء اصطناعي لإنشاء نماذج أولية من الألعاب، واختبار الميكانيكا وتصميم البيئات قبل البدء بالإنتاج الفعلي. هذه الأساليب الجديدة تساهم في تقليل الأخطاء، وتسريع عمليات التطوير، وتسمح للفرق الإبداعية بالتركيز على الجودة، ورغم هذه القفزات، تظل الأسئلة الأخلاقية حاضرة: من يملك الحقوق الصوتية للشخصيات الاصطناعية؟ وما مصير الفنانين والمصممين؟ يساهم الذكاء الاصطناعي بوضوح في تطوير هذه الصناعة، ولا يغني عن اللمسة الإنسانية التي تمنح الألعاب روحها، لكن يبقى المستقبل واعدا، من دون ان ننسى أن التكنولوجيا، مهما بلغت من تطور، لا يمكن أن تحل محل الرؤية الإنسانية، الذكاء الاصطناعي يجب أن يكون أداة تمكين، وليس بديلًا من الإبداع البشري.
▪︎ الألعاب والدراما
أصبحـت ألعـاب الفيديـو التـي تمثـل صناعـة ضخمـة للغايـة، وترصـد ألكسـندرا باس، محررة الشـؤون الفنية في"الايكونومسيت " البريطانية في مقـال بعنـوان" ألعـاب الفيديـو هـي الثـورة القادمـة في السينما والتلفزيـون" ذلك الانتشار الواسع في المعالجات الدراميـة لبعض ألعاب الفيديـو التـي حققت شـعبية كبيرة، فضلا عـن إصـدار أفلام مثـل "Minecraft" و"Kombat Mortal" المقتبسة مـن ألعـاب للفيديـو، وفي عام 2025 هناك أكثر من 30 عملا دراميـا سينمائيا وتلفزيونيـا تسـتند إلى قصص مقتبسـة مـن ألعـاب الفيديـو يجري تطويرها، وبحسـب شركـة البحوث "analysis Ampere"، تشـهد العديـد مـن شركات الإنتاج في هوليـود تغييراً في المحتوى المقدم؛ إذ باتـت هـذه الشركات تنظـر للأعمال الدراميـة المقتبسة مـن ألعـاب للفيديـو باعتبارهـا خيارهـا الرابـح.

ويمكن إرجاع ذلك إلى عـدد مــن العوامـل، أبرزهـا امتلاك ألعـاب الفيديـو لقاعـدة ضخمـة للغاية من الجمهور، حيث اجتـذب حفــل توزيــع الجوائــز السنوي لتلـك الصناعة عـام 2023 قرابـة 118 مليـون مشاهد، فضلا عـن الأرباح الضخمة التي تدرهـا. ومن أنجح المعالجات الدرامية في هذا السياق فيلم " The Witcher" إنتاج 2019 و " Arcane " انتــاج 2021 و "The Last of Us" إنتاج 2023 والذي حصد جوائز إميـي حيث بلغت إيراداتـه من شباك التذاكر اعلى مستوى العامل قرابـة 1.4 مليار دولار، والذي مثل نموذجا لإرضاء أذواق الشرائح العمرية المتباينة. وتـرى الكاتبـة أن ألعـاب الفيديـو تغـري الإنتاج الدرامي التقليـدي مـن ثلاثة أوجه رئيسية هي:
أ- يشارك عـدد متزايـد من مطوري تلك الألعاب في الصياغـة الدرامية للأعمال السينمائية والتلفزيونية المقتبسة من تلـك الألعاب.
ب- تُغري ألعاب الفيديو تقنية صناعة الأفلام بشكل عميق للغايـة لاسيما في مجال المؤثرات البصرية، الأمر الذي يعني تغيرا مناظرا في تجربة المشاهدة.
ج- أصبحت هوليـود تدمج بعض أساليب كتابة السيناريو الرائجة في ألعاب الفيديـو في أفلامها، وباتت تلك الألعاب تمثل مصدرا جديـدا لإلهام صناع السينما.
وتختم مقالها بالقول "في الوقـت الحالي يثـور النقـاش بخصـوص طبيعـة تأثـر تلــك الألعاب في المحتوى المقدم، مثـل مـدى تغلـب الطابـع العنيـف علـى المحتوى السينمائي".

▪︎ النموذج الصيني
يبرز النموذج الصيني في تبادل الأدوار ما بين الدراما وإنتاج الألعاب من خلال نماذج متجددة تتسم بالسرعة الفائقـة، فضلاً عـن أن مشاهدة الحلقـة الواحدة منها لا تستغرق سوى دقيقـة واحدة، وفي هذا السياق، تستعرض نيكـول فـان، في مقـال بعنـوان: "الدرامـا الصينيـة القصيـرة جـدا.. نجاحــا طويــل الأمد بسبب جاذبيتهـا المتنامية"، وترى الكاتبة أن هذه المسلسلات الدرامية القصيرة تتلاءم عبر الهواتف الذكية، وهي مزيج من فيديوهات التيك توك وأفلام منصة "نتفلكس"، ويمكن مشـاهدة الحلقات الأولى فقط بشكل مجاني، وبالرغم من أن الأداء التمثيلي يكون عادة متكلفا والخط الدرامي يتسـم بالسـخف، تلائم هــذه القصص عادات المشاهدة لدى الأجيال الشابة في الصين. فالتزامات العمل الشاقة، والوقت الطويل الذي يقضيه هؤلاء الأشخاص في الذهاب مـن المنزل للعمل؛ يـترك لهم وقتا محدودا للغاية لمشاهدة الدراما التقليدية، وبسبب مراعاتها عادات المشاهدة لتلك الأجيال الشابة، تستطيع هــذه العروض القصيرة جذب ملاييـن المشاهدات، وملاييـن الدولارات مـن الأرباح، ففي عـام 2025 تتوقـع الكاتبـة أن تنمـو سوق هـذه الدراما لتجذب المزيد من المشاهدين خارج الصين.
فقد تزايدت قيمة سوق الدراما القصيرة جدا في الصين بمقدار عـشرة أضعاف ما بين العامين 2021 و2023 وتتوقــع الكاتبــة أن تصل قيمتها التسويقية إلى 14 مليار دولار بحلـول عـام 2027. ولم يفلح اتخاذ الحكومة الصينية إجراءات صارمة ضد المحتوى السـوقي أو المبتذل في التخفيف من اثار تلك الدرامـا، حيـث تدخـل شركات اكبر إلى السـوق، في الوقت الذي تنشئ فيه منصات البث التقليدية قنوات خاصــة لهــذا النوع من الدراما غير التقليدية، فضلا عـن ذلك، عمدت منصتـان للبث إلى توظيـف تقنيـة الـذكاء الاصطناعي أول مرة في الإنتاج، وامتدت مجالات التوظيف لكل المراحل من كتابة السيناريو نفسه إلى الممثلين؛ الأمر الذي يمثل وسيلة لخفـض التكاليـف وتسريع عملية الإنتاج، وكان لهذا التطــور تداعيات واسعة عـلى صناعة الترفيه في الصين، حيـث بـدأت العديـد مـن الأفلام الشـهيرة في توظيـف تلـك التقنيــة.








