
صناعة الهولوكوست

دعد ديب
6/8/2025، 12:46:47 م
مزاعم الإبادة الجماعية التي تعرض لها اليهود بفترة الحرب العالمية الثانية "1939-1945" على يد هتلر والنازية الألمانية والتي راح ضحيتها الآلاف من البشر لم تقتصر على اليهود وحسب بل ضمت المعاقين والغجر والشيوعين وسواهم من المعارضين السياسيين.
يحاول نورمان فينكلشتين في كتابه صناعة الهولوكوست "تأملات حول استغلال معاناة اليهود" إعادة التعاطف الحقيقي مع ظلم تاريخي أحدق بمجموعة من البشر من خلال التركيز على استغلال معاناتهم للحصول على مغانم جديدة والتغطية على مظالم مستحدثة تقوم بها فئة أخرى بحجة الدفاع عنهم، فلا أحد يستطيع إنكار الإبادة النازية لليهود ولكنه في هذا الكتاب يحلل أساليب الاستفادة منها لأغراض أخرى باعتبارها صناعة رائجة لإسكات أي صوت يتكلم عن جرائم الاحتلال، كما يؤكد أن الخطر الذي يتهدد ضحايا الهولوكوست الحقيقين لا يأتي من المحرفين والذين ينفون حدوثه وإنما من أولئك الذين ينصبون أنفسهم حراساَ لهؤلاء الضحايا وخاصة عندما نصبت دولة استعمارية قوية نفسها كضحية، ففي عام 1948لم يسلط الضوء على المحرقة لأن ألمانيا كانت حينذاك حليفة لأمريكا في صراعها مع الاتحاد السوفيتي، فلم يكن مناسبًا أيامها نبش قصص حول ألمانيا الحليفة، وفي عام 1954 حاولت رابطة مناهضة التشهير احتواء موجة العداء لألمانيا في الشعور الشعبي اليهودي وكان أن تبنى اليسار حملة الدفاع عن اليهود المتضررين من النازية لذا كان العداء للشيوعية يأتي مترافقًا مع الصوت الخافت لمعاداة النازية والمتضررين من معسكرات الاعتقال النازية.
برزت صناعة الهولوكوست بعد التفوق الكبير لإسرائيل على جيرانها العرب وبالأخص بعد هزيمة 1967وباستثناء الولايات المتحدة لم تجد تعاطفًا من المجتمع الدولي مما زاد الحاجة لأخذ شكل الضحية التي يعتدى عليها وإعادة تاريخ المظلومية التي تعيشها ضمن وسط معادي من جديد. فمن أسباب عزلة إسرائيل في البداية أن الجيل الجديد لا يعرف شيئاً عن الهولوكوست مما أدى لخسارتها التأييد الذي كانت تحظى به بالسابق، لذا جاء طرح تفسير الذكريات المتداعية برنامجًا للعمل وسياسة الهوية عبر ثقافة الضحايا ولكن للمفارقة لم يكن وحدهم الضحايا، فهناك الأفارقة وزمن العبودية وقضية إبادة سكان أمريكا اللاتينية من الهنود الحمر ومظلومية النساء مما يجعل السؤال مشروعاً لماذا ترسخت فقط فكرة الضحايا اليهود وتجريم من ينفي الهولوكوست لأنه ببساطة إن أغلب المتواجدين بفلسطين ليسوا ضحايا. يؤكد فلينكشتين أن السجل الرسمي للتبرعات لأجل الضحايا في الكيان ذهب إلى أيدي كبار اليهود في أمريكا ولم ير المضطهدون الحقيقيون منه شيئاً فالعداء للسامية هو كراهية لليهود من غير اليهود حيث اقتصرت شجاعتهم على ممارسة الاستبداد على من لا يستطيع الدفاع عن نفسه. فيما يوضح الكاتب الإسرائيلي بواس إيفرون أن الوعي بالهولوكوست ليس إضاءة على التاريخ لمعرفة ما حصل وإنما تلاعب واستغلال للحاضر وما يعزز ذلك أن الهولوكوست باعتباره حادثة فريدة من نوعها والكراهية غير المنطقية لهم وأن هذين الأمرين لم يظهرا قبل حرب ال 67 ولم يظهرا في الثقافة الناجمة عن المحرقة النازية. لذلك نلاحظ عددا من الكتب التي نشرت عن الهولوكوست ونصيب العرب منها: أولاً موسوعة الهولوكوست التي ضمنت أربع مجلدات ل"اسرائيل جوتمان" أعطت دوراً لمفتي القدس على الرغم انه لا علاقة له بأي صلة فيها، وغير ذلك الهجوم الساحق الذي تعرض له المفكر فينكلشتاين على الرغم أن والديه هم من الناجين من الإبادة النازية، وكل ذلك العداء الذي شن لمنكري الهولوكوست، ولكنه حشد إعلامي لإثارة ردود أفعال تحيي هذه المظلومية من جديد للتعمية على ممارسات أخرى وهنا كان كتاب "ديبورا ليبستات" - إنكار الهولوكوست - وبعده افتتاح المتحف التذكاري للهولوكوست في واشنطن على الرغم من عدم وجود متحف للجرائم المرتكبة بالتاريخ الأميركي نفسه، يتشابه الأمر لو قامت ألمانيا مثلاً بإنشاء متحف لجرائم إبادة الهنود الحمر أو جرائم ضد فكرة الرق بحق الزنوج ربما لو حدث لقامت الدنيا ولم تقعد، فالمتحف الصهيوني يمثل الرد على الهولوكوست النازي مع شهادة الناجين منه وهم يناضلون لدخول فلسطين فتخيل !! والحقيقة أنهم يعتبرون إن أي معاناة لاقاها سواهم من الألمان أو غيرهم من الشعوب مثل إبادة الأرمن في تركيا نوع من إنكار الهولوكوست مع أنه من المفروض أن يحتمي المظلومون ببعضهم لإعلاء قضيتهم ولكن هذا العزل "لغاية في نفس يعقوب". لقد أنقذ السويدي الكونت فولك برنادوت الألاف من اليهود ومع ذلك أمر اسحق شامير باغتياله فقط لأنه كان مناصراً للعرب ومنسجمًا مع ذاته بانحيازه للمظلومين الحقيقيين والتساؤل الذي يفرض نفسه هل اليهود هم الضحايا الوحيدون للهولوكوست؟ وهل الذي هلكوا نتيجة الاضطهاد النازي يصح أن نعتبرهم ضحايا أيضاً مثل الشيوعيين الألمان وكذلك المعاقون في دعوات هتلر لصفاء العرق النازي الأصيل وكذلك الغجر، أو لا تصح التسمية لهم؟ إذ أن الاعتراف بحق هؤلاء بالهولوكوست يعني انتقاصا من حق اليهود فيه ويخفض من استحقاقه للتأييد الأوربي والأممي وسوق بعض الأكاذيب على غرار أنه لم يكن الفلسطينيون موجودين قبل الاستيطان الصهيوني ووجود هذا المتحف ضمن لإسرائيل الهروب من تبعات المجازر التي قامت بها مثل مجزرة قانا التي راح ضحيتها حوالي أكثر من 100 مدني، وكثير من اليهود صوروا أنفسهم على أنهم ناجون من الإبادة بالوقت الذي كانوا بعيدين ألوف الأميال عنها، وخاصة عندما قدمت الحكومة الألمانية الكثير من التعويضات للناجين من المحرقة وإذا كان الناجون من الهولوكوست بهذا الحجم فمن هم الذي قتلهم هتلر؟ من هذا يصير التشكيك في تصريحات الناجين مبررا جدًا ومن هنا صار الابتزاز المالي لأوروبا أحد أهم الأسباب لصناعة الهولوكوست وتأكيده واستثمار ضحاياه، وأبرز تلك الدول سويسرا التي تم الادعاء أن لليهود في أرصدة بنوكها بلايين الدولارات تم منع ورثة أصحابها من الحصول عليها مما حدا ببنوك سويسرا تشكيل لجنة خاصة للنظر بهذه الأمور وخاصة بعد أن أوصل دعاة الهولوكوست الأمر إلى المحاكم القضائية وربحوا الدعاوي القائمة، ولم يسر الأمر كذلك مع الولايات المتحدة رغم أنها تتشارك مع السويسريين عدم السماح للاجئين اليهود بدخول أراضيهما وكذلك عن الأموال المدعي ملكيتها ليهود متأثرين بالإبادة، وهذه الحمية في تعويض اليهود لا يوجد ما يشابهها في تعويض الأفارقة عن سنوات العبودية المديدة التي طالت أجيال وأجيال والذين مورست عليهم انتهاكات لا حصر لها. وبعد ابتزاز سويسرا توجهوا لابتزاز المجتمع الأوربي بدءًا من ألمانيا عبر رفع قضايا قانونية ومطالبات اقتصادية مثل التنديد بشركة باير للأدوية والتجارب القاتلة لصاحبها جوزيف منجيلي انتهت بتغريمهم مبالغ كبيرة لصالح الهولوكوست وطبعًا هذا النجاح لم يكن ليحصل لولا تدخل كلينتون شخصيًا آنذاك.
إن تلك المغالطة في أرقام الناجين وأحفادهم من معسكرات الموت النازية توضح بكل صفاقة شهوة المال في ابتزاز الدول الأوربية لدفع المزيد من التعويضات وتلك على الغالب لا تصل إلى مستحقيها وإنما إلى آلة الحرب الصهيونية وخاصة عندما وصل الابتزاز إلى أوروبا الشرقية الفقيرة بعد انهيار الاتحاد السوفييتي. إن المطالبة بأرصدة البنوك لمن لا ورثة لهم يؤكد أن الهولوكوست أكبر عملية سرقة ونصب تدار باسم ضحايا والضحايا الأصليون منهم براء. قد يكون أفضل ما نقدمه للضحايا أن نجعلهم يرقدون بسلام بدلًا من استغلال معاناتهم بخلق معاناة وكوارث جديدة لشعوب أخرى.








