
ازمة الجفاف وتغير المناخ... سياسات وطنية وتحديات إقليمية ودولية

مراصد
14/8/2025، 11:17:07 ص
تتصاعد أزمة المياه وتغيير المناخ في منطقة الشرق الأوسط لتصبح تحديا جيو - سياسيا واقتصاديا وأمنيا، وتتفق وثائق الأمم المتحدة ومراكز الأبحاث الدولية المتخصصة على ان الجفاف الشديد ادى إلى هجرة المجتمعات الريفية إلى مراكز حضرية مثقلة أصلا، الأمر الذي تزامن مع سوء إدارة موارد المياه العذبة، مما يساهم في تأجيج الاضطرابات الاجتماعية.
ويشهد العراق أزمة مركبة تتمثل في ندرة المياه، التغير المناخي، وتدهور البيئة، ما يجعله نموذجا بارزا لدراسة تأثير هذه العوامل على الأمن المائي، الصحة العامة، والاستقرار الاجتماعي، لذا ينبغي دراسة حالة المياه ومتغيرات المناخ والبيئة في العراق عبر توصيف الحالة، تحليل الأسباب، استعراض الآثار، وتقييم الاستجابات، مع اعتماد تقارير الأمم المتحدة وتصريحات الحكومة العراقية.
▪︎ ازمة عالمية
في مواجهة شح المياه المتفاقم، ناشد الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش الإنسانية المعرضة للخطر أن "تُغير مسارها" في إدارتها لـ"هذه الثروة المشتركة الثمينة"، وذلك في ختام مؤتمر غير مسبوق منذ نحو نصف قرن شكّل بصيص أمل. وشدد غوتيريش على أن المياه، وهي "الملكية المشتركة الأثمن"، يجب أن تكون "في صلب الأجندة السياسية العالمية" إلى جانب مواضيع أخرى كالصحة والنظافة والسلام والتنمية والفقر والأمن الغذائي. ويؤكد مجلس العلاقات الخارجية الأمريكي في تقرير نشره مطلع العام الجاري، ان الدول قد ناقشت سبل مكافحة تغير المناخ منذ أوائل تسعينيات القرن الماضي. وقد أسفرت هذه المفاوضات عن عدة اتفاقيات مهمة، منها بروتوكول كيوتو واتفاقية باريس، اذ تتفق الحكومات بشكل عام على العلم الكامن وراء تغير المناخ ولكنها تختلف بشأن من يتحمل المسؤولية الأكبر، وكيفية تتبع أهداف خفض الانبعاثات، وما إذا كان ينبغي تعويض البلدان الأكثر تضررا. وخلصت نتائج التقييم العالمي الأول، الذي نوقش في قمة الأمم المتحدة للمناخ عام 2023 في دبي، بدولة الإمارات العربية المتحدة، إلى أن الحكومات بحاجة إلى بذل المزيد من الجهود لمنع ارتفاع متوسط درجة الحرارة العالمية بمقدار 1.5 درجة مئوية. في السنوات الأخيرة، ازدادت جهود الدبلوماسية المناخية وقد تعهدت مجموعة العشرين، التي تمثل الدول المسؤولة عن 80% من انبعاثات غازات الاحتباس الحراري في العالم، بوقف تمويل محطات الطاقة الجديدة العاملة بالفحم في الخارج، ووافقت على مضاعفة قدرات الطاقة المتجددة ثلاث مرات بحلول نهاية هذا العقد، إلا أن حكومات مجموعة العشرين لم تحدد حتى الآن موعدًا نهائيًا للتخلص التدريجي من الوقود الأحفوري. في عام 2022، حددت الدول الأعضاء في منظمة الطيران المدني الدولي هدفًا يتمثل في تحقيق صافي انبعاثات صفري للطيران التجاري بحلول عام 2050.

▪︎ حالة العراق
شهدت معظم مدن العراق موجات حر شديدة غير مسبوقة، أدت إلى تغييرات ملموسة في نمط الحياة اليومية للمواطنين، وانعكست سلباً على أوضاعهم المعيشية والاقتصادية، فقد تجاوزت تأثيرات الحرارة المرتفعة حدود الإحساس بعدم الراحة، لتؤثر على قطاعات حيوية مثل الكهرباء والمياه والصحة والزراعة والعمل الميداني، مما فاقم معاناة السكان وفرض تحديات إضافية على حياتهم اليومية.
ويواجه العراق أزمة جفاف غير مسبوقة تعد الأسوأ منذ أكثر من 90 عاما، حيث حذرت وزارة الموارد المائية من تداعيات خطيرة على المستويات الاقتصادية والاجتماعية والبيئية، في حين يرى خبراء أن على السلطات إيجاد حلول مبتكرة لتلافي التبعات الخطيرة للتغير المناخي. وانخفضت تدفقات دجلة والفرات من 30 مليار م³ (1933) إلى 9.5 مليار م³ (2024)، مع توقع وصول نصيب الفرد إلى 479 م³/سنة بحلول 2030، أقل من الحد الأدنى الآمن (1700 م³/سنة)، وأدى ارتفاع الحرارة المتوقع بمقدار 2°م بحلول 2050، وانخفاض الأمطار بنسبة 9%. كما خفضت موجات الجفاف الأخيرة مساحة الأهوار بنسبة 46%، فيما زادت ملوحة شط العرب وبلغت عشرة أضعاف الحدود الصحية، ويفاقم التلوث النفطي في البصرة تدهور جودة المياه، ومن علامات ذلك جفاف بحيرة "ساوة" في محافظة المثنى نتيجة السحب المفرط للمياه الجوفية، يضاف الى تزايد العواصف الترابية (أكثر من 120 عاصفة في 2022)، ما يجعل العراق من أكثر الدول تعرضا للغبار، كل ذلك يؤكد تأثر العراق بعوامل مناخية أدت الى تغير أنماط الأمطار وذوبان الثلوج في منابع دجلة والفرات، وعوامل سياسية إقليمية، ابرزها بناء السدود في تركيا وإيران التي قلصت التدفقات بنسبة 50%، وضعف الإدارة المحلية حيث ان 70% من المزارعين يستخدمون الري بالغمر، وفقدان 60% من المياه بسبب التسرب والهدر. يكمن كل ذلك في حوكمة غير متكاملة لإدارة المياه، وغياب اتفاقيات ملزمة لتقاسم المياه وتعدد المؤسسات دون تنسيق فعال كما يذكر تقرير لوكالة الأمم المتحدة للتنمية في العراق.

▪︎ الاثار المجتمعية والاقتصادية
أدت هذه الظواهر المناخية والتصحر البيئي وشحة المياه الى نزوح 20,000 شخص عام 2021 بسبب الجفاف، مع توقع وصول النزوح المناخي إلى مئات الآلاف بحلول 2035 ، وتقلص الإنتاج الزراعي بنسبة 40%، ما أدى لارتفاع أسعار الغذاء وتفاقم الفقر الريفي ، كما أدت الى زيادة أمراض السرطان والجهاز التنفسي في جنوب العراق بسبب التلوث النفطي وحرق الغاز وانتشار الكوليرا والأمراض المنقولة بالمياه نتيجة تلوث مصادر الشرب ، يضاف الى ذلك المخاطر الأكثر تأثيرا على تدهور الأهوار والتي صنفتها منظمة اليونسكو ضمن قائمة الخطر البيئي، وفقدان التنوع البيولوجي بسب انخفاض أعداد الجاموس من 150,000 إلى أقل من 65,000 رأس خلال خمس سنوات، وتصحر متسارع وتحول مساحات زراعية واسعة إلى أراضٍ جرداء. وخلال موسم 2024 اضطرت نصف الأسر العراقية إلى تقليص المساحة الزراعية أو تقليل استخدام المياه اذ ان 70% من المزارعين ما زالوا يعتمدون على الري بالغمر الذي يستهلك كميات كبيرة من المياه بأسلوب غير فعال، أدى إلى زيادة الطلب على موارد المياه. يقول عضو مجلس محافظة ذي قار أحمد الخفاجي، أن المحافظة تواجه ما وصفه بـ”تسونامي جفاف” يضرب أكثر من 90% من خارطتها، في ظل أزمة مائية قاسية تهدد أرزاق السكان وتدفع نحو النزوح، لا سيما المناطق الواقعة ضمن حوض نهر الغراف، والمناطق القريبة منه، وهو ما جعل الوضع صعباً وحرجاً للغاية”. ودعا إلى “عقد جلسة استثنائية عاجلة في مجلس محافظة ذي قار لمناقشة أزمة الجفاف، واتخاذ سلسلة من القرارات ورفعها إلى الحكومة الاتحادية من أجل التفاعل معها بشكل سريع وفاعل"، وطالب بـ” اتخاذ موقف واضح بمقاطعة الشركات التركية، والضغط على أنقرة لزيادة الإطلاقات المائية في نهري دجلة والفرات، بما يحقق مبدأ العدالة والإنصاف في توزيع المياه، خاصة أن مناطق واسعة من العراق تعاني من ذات الأزمة”.

▪︎ مواقف رسمية
الى ذلك أكد وزير الموارد المائية العراقي، عون ذياب عبد الله، أن الواردات المائية التي تصل إلى العراق حاليا عبر نهري دجلة والفرات لا تتجاوز (353) مترا مكعبا في الثانية، وهي كمية قليلة جدا مقارنة بالحاجة الفعلية المقدرة بـ(600) متر مكعب في الثانية، بواقع (300) متر مكعب لكل من النهرين.
وأوضح أن "العراق توصل مؤخرا إلى اتفاق مع الجانب التركي أسفر عن رفع الإطلاقات على نهر دجلة إلى (212 م³/ ثا) بعد أن كانت (114 م³/ ثا)، إلّا أن هذه الكمية لا تزال دون المستوى المطلوب".
وأضاف أن "الواردات المائية التي تصل إلى سوريا من تركيا تبلغ (370 م³/ ثا)، بينما لا تتجاوز الكمية التي تصل إلى العراق عبر الحدود السورية (141 م³/ ثا) على نهر الفرات، وهو رقم لا يتناسب مع الحصة المتفق عليها التي يُفترض أن تبلغ (58) % من الإطلاقات التركية إلى الفرات"، وبين أن "مجموع الإطلاقات المائية من تركيا وسوريا باتجاه العراق يبلغ حاليا (353 م³/ ثا) فقط، في حين لم تُنفذ تركيا حتى الآن التصاريف المتفق عليها سابقا والمحددة بـ(420 م³/ ثا) لشهري تموز وآب". وأشار إلى أن "الوزارة تعتمد حاليا على إطلاق (700 م³/ ثا) من الخزين المائي في السدود على نهري دجلة والفرات لتأمين مياه الشرب وسقي البساتين والحفاظ على ديمومة الجريان"، مشددا على أن "انخفاض الإيرادات يعود إلى قلة الخزين المائيّ في كل من تركيا وإيران وسوريا، فضلا عن العراق، وذلك بسبب اعتماد الجانب التركي على المياه في توليد الطاقة الكهربائية، ما يحد من إمكانية توفير كميات كافية". ورغم هذه التحديات، أكد الوزير أن الوزارة نجحت في إدارة المتوفر من الخزين الحالي بكفاءة، لضمان استمرار تزويد المياه للأغراض الأساسية، مع الحرص على تطبيق سياسة توزيع عادلة بين المحافظات.
▪︎ حلول عراقية
تبدو أزمة المياه عويصة، لكنها ليست مستحيلة الحل، إذ جرى اتخاذ بعض الخطوات المهمة على الطريق الصحيح، فقد أطلق العراق "الاستراتيجية الوطنية للمياه 2035" لزيادة التخزين الاستراتيجي وبناء سدود جديدة عام 2023، وبدأ إنشاء محطة تحلية مياه جديدة بتكلفة 200 مليون دولار قرب البصرة، بتمويل ودعم فني ياباني، تغطي هذه المنشأة احتياجات نحو 400 ألف شخص. وعلى مسافة قريبة، هناك مشروع أمريكي قيد التنفيذ لتحديث بنية الماء التحتية لما يصل إلى 650 ألف شخص، في الوقت ذاته، تعاقدت الحكومة العراقية مع الصين من أجل بناء محطات تحلية إضافية لتلبية احتياجات ملايين العراقيين، مع انطلاق الأعمال التنفيذية لأول مشروع لتحلية مياه البحر، سادت أجواء من الأمل بعد سنوات من المعاناة مع شح المياه وتلوّثها، وسط دعوات من مختصين بيئيين إلى تسريع وتيرة تنفيذ هذا التوجّه الحكومي، باعتباره خطوة أساسية نحو حل جذري ومستدام لأزمة تهدد حياة ملايين السكان. وبرغم أن هذا الطريق الصحيح للعراق، لكن المطلوب من الحكومة الاتحادية والحكومات المحلية في المحافظات تقديم ما هو أكثر، إذ يجب عليها تحديث بنيتها التحتية وإعادة تدوير وحدات معالجة التلوث ومعالجة مياه الصرف الصحي وتأسيس المرافق اللازمة لذلك، ويمكن أن يتخذ العراق إجراءاً مؤقتا يتمثل في استغلال المياه الجوفية، لكن الأهم من ذلك هو دعم المزارعين ليستخدموا أساليب الري المعاصرة لتقليل هدر الماء، كما يجب إيجاد طريقةٍ لإعادة تقييم مشروع السدود في كردستان العـراق.
ومن الضروري كذلك التوصل إلى إتفاقيات جديدة مع تركيا حيث منبع النهر، ويمكن وصف ذلك بدبلوماسية المناخ، ويُدرك المسؤولون الأتراك ذلك لهذا جرى التوصل إلى مذكرة تفاهم مع تركيا تدعو إلى تدفقٍ عادل للمياه نحو المصب في العراق، رغم أن المذكرة افتقرت للإطار القانوني ولم يجر الانتهاء من الشروط بعد، وما يزال الأمر رهن المفاوضات، لكنها تظل خطوات على الطريق الصحيح.

اخترنا لكم

التفسير مرآة لعصر المفسِّر
28/8/2024، 11:38:59 م

مهمة سافايا
4/12/2025، 9:57:00 ص

إغراق السفن... تكتيك حوثي يربك الملاحة في البحر ال...
21/7/2025، 11:21:33 ص

أتمتة العقل السياسي
8/2/2026، 11:28:56 م

الفردوس بين الأسطورة والحداثة
21/7/2025، 12:38:24 ص

هندسة العقول
3/12/2025، 11:16:10 ص

قرن المنازلة
10/12/2024، 3:21:00 م

مستقبل الأموال العامة في ظل حكم مجهول المالك -2-
8/12/2024، 9:09:09 م

طيران فوق عش الوقواق
8/12/2024، 8:55:57 م