
التحولات في السياسة الدولية.. من سرديات القوة إلى مقاربات المصالح المتجددة

مراصد
20/8/2025، 11:31:39 ص
ما زالت الجامعات العالمية تمثل مراكز متقدمة لإنتاج الأفكار وصياغة نماذج جدليات المستقبل وما يمكن أن يحمله من تحولات، ومع كل أزمة عالمية، يبرز اتجاه بحثي جديد يحاول تفسير ديناميات السلطة والمصالح، سواء في إطار سيادة الدولة الوطنية أو في سياقات تتجاوز حدودها السيادية
وتكشف الدراسات والكتب الحديثة عن تنوع كبير في المقاربات الفكرية: بعضها يسعى إلى تجنب سيناريو انهيار الحضارات والإبقاء على دورات تجدد الأمم، فيما يركز بعضها الآخر على صعود التيارات الشعبوية اليمينية في مقابل تراجع الأحزاب الاجتماعية اليسارية، خاصة في أوروبا. وفي مقابل هذه الطروحات، ثمة من يعتبر التفكير في المستقبل رفاهية فكرية لا غنى عنها، بل ضرورة ملحة لإعادة ترتيب العلاقة المعقدة مع الزمن والسياسة والمجتمع، وفهم كيفية انعكاس تصوراتنا المستقبلية على قرارات الحاضر، في ظل عالم مثقل بالأزمات، تغير مناخي، تقلبات اقتصادية، فوارق اجتماعية متزايدة، توترات جيوسياسية، وتحولات تكنولوجية سريعة تثير أسئلة أخلاقية وقانونية عميقة. من هنا ينبغي رصد بعض الاتجاهات الفكرية العالمية، واستخلاص انعكاساتها على منطقة الشرق الأوسط، بما يجعلها جزءًا من الجدل الأكاديمي حول مستقبل النظام الدولي.

▪︎ الحضارة.. الإمبراطورية
يطرح المؤرخ العسكري فيكتور ديفيس هانسون في كتابه "نهاية كل شيء: كيف تنحدر الحروب إلى الإبادة" (2024) فرضية مركزية مفادها أن الحضارات لا تنهار فجأة، بل تتآكل تدريجياً بفعل عوامل داخلية وخارجية متراكمة، ويعرض المؤلف سلسلة من الأمثلة التاريخية الممتدة من العصور القديمة حتى العصر الحديث، مبرزاً دور الفساد السياسي، والانقسام الاجتماعي، والضعف الاقتصادي، باعتبارها مقدمات لانهيار الحضارات.
ويؤكد هانسون أن هشاشة الأنظمة الحضارية تكمن في كونها غير مرئية حتى لحظة الأزمة، وأن تجاهل دروس التاريخ يسرّع من تكرار الأخطاء ذاتها، وتشير قراءته إلى أن المجتمعات الحديثة - على الرغم من تقدمها التكنولوجي وتعقيد هياكلها - لا تزال عرضة للانهيار إن لم تستطع معالجة فجوات الدخل، وغياب العدالة الاجتماعية، والاختلالات الاقتصادية. تشير طروحات هانسون إلى أن الحضارات تنهار بفعل عوامل داخلية قبل أن يسقطها الضغط الخارجي، مقارنة ذلك بالواقع الحالي، نجد أن العديد من الدول - بما فيها دول الشرق الأوسط - تواجه اليوم مظاهر واضحة من الهشاشة، فساد مؤسسي، فجوات اقتصادية واسعة، وضعف في التماسك الاجتماعي، هذه المظاهر تجعل المنطقة عرضة لتكرار أنماط الانهيار التي وصفها التاريخ. استمرار هذه العوامل من دون إصلاحات جذرية قد يقود إلى "تآكل بطيء" للدول، في حين أن الاستثمار في العدالة الاجتماعية والتنمية الاقتصادية المتنوعة قد يعزز مناعة الدول ضد الانهيار.

▪︎ الراديكالية واليمين الجديد
صدر عن جامعة كامبريدج (2024) كتاب "عالم اليمين: المحافظة الراديكالية والنظام العالمي"، والذي تناول الحركات الشعبوية والقومية بوصفها قوة صاعدة تعيد صياغة التوازنات السياسية داخل الدول وفي النظام الدولي. يرى المؤلفون أن هذه الحركات تتشارك في التشكيك بمؤسسات الديمقراطية الليبرالية رغم اختلاف سياقاتها، وأنها تسعى إلى بناء "هيمنة مضادة" في مواجهة الكتلة التاريخية الليبرالية المهيمنة، وفقًا لمفاهيم أنطونيو غرامشي حول الثقافة والسلطة. ويحدد الكتاب ثلاث سمات رئيسية لمشروع اليمين الراديكالي عالميا تتمثل في رفض العولمة بمعناها الليبرالي مع السعي إلى إعادة تشكيل المؤسسات الدولية من الداخل لتعزيز السيادة الوطنية، والإيمان بتعدد الحضارات ورفض فرض ثقافة عالمية موحّدة، وهو ما يفتح المجال لتحالفات مع الجنوب العالمي، إضافة الى تبني رؤية تعددية قطبية حضارية، تتقاطع فيها مصالح اليمين مع قوى غير ليبرالية مثل روسيا والصين.
يعكس هذا التحول أن معركة الأفكار لم تعد محصورة في الأكاديميات أو النشر التقليدي، بل توسعت عبر وسائل التواصل الاجتماعي ومنصات الإعلام البديلة. مثل هذه الكتب الحديثة التي تناولت صعود اليمين الشعبوي، لاسيما في أوروبا، تعد تحولا متسارعا ما زلنا نشهده، فقد نجحت هذه الحركات في تغيير سياسات الهجرة، والتأثير على قرارات الاتحاد الأوروبي، وتقييد التوجهات الليبرالية.
إذا استمرت النزعات الشعبوية في التوسع، فسيكون لذلك أثر مباشر على الشرق الأوسط، سواء عبر سياسات أكثر تشددا تجاه المهاجرين، أو عبر إعادة تعريف الشراكات الاقتصادية والسياسية مع دول الجنوب. كما أن تعزيز تحالفات اليمين مع قوى غير ليبرالية مثل روسيا والصين قد يفتح المجال أمام نظام عالمي متعدد الأقطاب، يتيح للدول الإقليمية مساحة أكبر للمناورة السياسية.
▪︎ المستقبل .. اختبار سياسي
في كتابه "على المدى البعيد: المستقبل كفكرة سياسية" (2024)، يطرح جوناثان وايت رؤية نقدية تعتبر أن "المستقبل" ليس مجرد أفق زمني، بل هو ميدان للصراع السياسي والاجتماعي، فتصورات المستقبل تُستخدم كأدوات للهيمنة أو المقاومة، سواء عبر وعود التقدم أو مخاوف الانهيار.
ويشير وايت إلى أن السياسات المعاصرة - من الذكاء الاصطناعي إلى سياسات التقشف - تكشف أن تصور المستقبل بات أداة لإعادة توزيع السلطة بين الفئات الاجتماعية. كما يربط تطور مفهوم المستقبل بتاريخ الفكر السياسي الغربي، من التنوير وحتى النيوليبرالية المعاصرة التي اختزلت المستقبل في حسابات آنية قصيرة المدى. تصور جوناثان وايت للمستقبل باعتباره "مجال صراع سياسي" يبدو جليًا في الواقع الحالي. إذ نجد أن قضايا مثل الذكاء الاصطناعي أو الطاقة النظيفة تُطرح ليس فقط كمشاريع تقنية، بل كرهانات استراتيجية تحدد النفوذ بين القوى الكبرى. سيبقى المستقبل مجالًا للصراع على الرموز والمفاهيم، حيث تستخدم القوى الكبرى ووسائل الإعلام والنخب الأكاديمية سرديات مختلفة (الأمل - التهديد) لتبرير سياساتها. هذا يعني أن معركة الخطاب ستكون حاسمة في تشكيل إدراك الشعوب وتوجيه خيارات الحكومات.

▪︎ الشرق الأوسط.. إلى أين؟
تُظهر دراسة ستيفن كوك الصادرة عن مجلس العلاقات الخارجية الأمريكي، أن التنافس بين القوى الكبرى يعيد تشكيل المشهد الجيوسياسي للشرق الأوسط. فمع تراجع "اللحظة الأمريكية" للهيمنة، برزت روسيا والصين كفاعلين متناميين، فيما تسعى قوى إقليمية مثل تركيا وإيران والإمارات إلى توسيع نفوذها. وتكشف الدراسة أن هذا التنافس جعل المنطقة أقل استقرارًا، حيث انعكس مباشرة على مسار الصراعات في سوريا وليبيا واليمن والسودان. كما أن الفواعل الإقليمية تبنّت سياسات متباينة:
- الإمارات والسعودية: شريك أمني للولايات المتحدة، مع تعميق للعلاقات مع روسيا والصين.
- مصر: تركز على الاستقرار الداخلي والتنمية الاقتصادية، بما ينسجم مع توجهات بكين وموسكو.
- تركيا: تنتهج سياسة خارجية أكثر استقلالية، وتلعب دورًا رئيسيًا في نزاعات إقليمية.
- إيران: تطمح لقيادة إقليمية عبر تحالفات مع روسيا وتعزيز علاقاتها مع الصين.
تشير دراسة ستيفن كوك إلى نهاية "اللحظة الأمريكية" في الشرق الأوسط، واقع اليوم يؤكد هذا الاتجاه، فالولايات المتحدة لم تعد قادرة على فرض إرادتها منفردة كما في تسعينيات القرن الماضي، بينما برزت روسيا والصين عبر شراكاتهما الاقتصادية.
المنطقة مرشحة لمزيد من التنافس بين القوى الكبرى، لكن الأرجح أن هذا التنافس لن يقود إلى سيطرة طرف واحد، بل إلى "إدارة مشتركة للأزمات" عبر تفاهمات متغيرة بين القوى الكبرى والإقليمية، وهنا ستكون قدرة دول المنطقة على "كف عفريت" المناورة وتوظيف التناقضات الدولية عاملٌ حاسمُ في بقاء أنظمتها واستقرارها.

▪︎ نظرة استشرافية
تُظهر الاتجاهات الفكرية والأكاديمية العالمية أن المستقبل لم يعد مجرد مجال للتأمل، بل أصبح أداة سياسية واستراتيجية بامتياز. فدروس انهيار الحضارات التاريخية تؤكد أن هشاشة الداخل هي المدخل الأساسي لأي تهديد خارجي. كما أن صعود اليمين الشعبوي والراديكالي يكشف عن تحول في أنماط الشرعية السياسية، يتقاطع مع التغيرات التكنولوجية والاقتصادية والاجتماعية. أما في الشرق الأوسط، فإن التنافس بين القوى الكبرى والفواعل الإقليمية يؤشر إلى نهاية مرحلة الهيمنة الأحادية، وبداية مرحلة انتقالية معقدة، يتحدد مستقبلها بقدرة الدول على معالجة أزماتها الداخلية وبناء تحالفات مرنة تتكيف مع تعددية الأقطاب، ويمكن القاء نظرة استشرافية في الاتي:
1. الهشاشة الداخلية ودورة الحضارة: كيف تُترجم عمليا؟ تبدأ انهيارات الدول من الداخل (فساد - فوارق - تفكك اجتماعي) قبل الضغط الخارجي، وتترجم من خلال الحوكمة والشرعية، لان استمرار فجوة الثقة بين الدولة والمجتمع يضع أطرافا متعددة (ميليشيات - شبكات اقتصادية - زعامات محلية) في موقع “الدولة الموازية”. مما يظهر المزيد من مؤشرات إنذار مبكر تتجسد في تآكل الإيرادات غير النفطية، اتساع الاقتصاد غير الرسمي، ضعف الامتثال الضريبي، تسييس القضاء. يضاف الى ذلك ان النُظم الريعية، لاسيما في الدول النفطية أقل تعرضا لانهيارات سريعة لكنها عرضة “للتآكل البطيء” عند صدمة أسعارالطاقة، مما يتيح لها فرصة إصلاح بعد ان تقوم تنوع اقتصادها بالابتكار، حماية شبكات الأمان الاجتماعي، وإصلاح دعم الطاقة تدريجيًا مع تعويضات ذكية، بما يحقق التماسك الاجتماعي في مواجهة انقسامات هوياتية تستثمر في النزاعات الحاصلة في سوريا واليمن وليبيا ولبنان والعراق". لذلك وفق تصورات الدورة الحضارية للأمم لابد من سياسة احتواء، تقوم على عقود اجتماعية محلية (لامركزية خدمية، تمثيل مجتمعي، مشاركة نسوية وشبابية في صنع السياسات).
2. اثار صعود اليمين الراديكالي على الشرق الاوسط
يواجه الشرق الأوسط تشدد اليمين أوروبي في الحدود وتمويل احتواء الهجرة في دول العبور، ما يحمل الأطراف الإقليمية كلفة أمنية وإنسانية أكبر، وهذا يتطلب استجابة واقعية من خلال تجديد اتفاقات “تنمية مقابل حوكمة هجرة”، مسارات عمل قانونية انتقائية، وتمويل أوروبي مستدام للبنى الصحية والتعليمية، فضلا عن الصفقات الاقتصادية والسيادية من اجل تَبدل قواعد “المعونة مقابل الإصلاح” إلى “الطاقة والممرات مقابل التموضع الجيوسياسي” ،كنموذج متجدد في إدارة مخاطر في تنويع الشركاء، بنود نقل تكنولوجيا، وحوكمة شفافة لعقود البنى التحتية تعتمد على المعايير الحقوقية التي تراجعت تحت ضغط بعض العواصم الغربية قد يخفف كلفة داخلية قصيرة الأجل، لكنه يزيد مخاطر الإستثمار على المدى البعيد.
3.المستقبل كساحة صراع سياسي: تعد حرب المعلومات أبرز السرديات (تنمية - حداثة - هوية) التي تُستخدم لتعبئة القواعد وتبرير التحالفات، وتظهر في أولوية عمل استراتيجيات اتصال عام مبنية على بيانات، غرف تقييم محتوى مضاد للتضليل، وبنى تشاركية لصناعة السياسات، هذه التقنية والذكاء الاصطناعي، ساحة التنافس الأقرب في المستقبل المنظور وتتطلب (رقابةوخدمات عامة واقتصاد رقمي وأمن سيبراني).
4.تعددية أقطاب غير مستقرة: ما الذي يتغير ميدانيًا؟ مازالت نهاية لحظة الهيمنة الأحادية غير منظورة، وتبقى إدارة مصالح متعارضة إقليميا ودوليا للأزمات حالة واضحة، تترجم في توسيع هامش المناورة، لذلك يظهر هذا التعدد في الأقطاب غير المستقر جليا على ملفات النزاع انعكاسات الأفكار على الشرق الأوسط والنزاعات الجارية فيه.
كذلك إمكانية عقد ترتيبات تكتيكية متعددة مع واشنطن وموسكو وبكين وأوروبا والهند)، لها حسنات ربما في توظيف أفضل للموارد والصفقات، كذلك مشاريع وممرات بحرية وبرية ورقمية)، لكن مخاطرها أوضح في تعارض المعايير والعقوبات المتقاطعة، “فخ ازدواج الالتزامات” في الدفاع والتكنولوجيا، مما يجعل إدارة الصفقات الأمنية عبر أدوار وسيطة لقوى متوسطة (تركيا - الإمارات - قطر - السعودية - مصر) في الوساطة والضمانات، وهذا يحتاج الى إعادة تصميم مؤسسي لآليات أمن إقليمي وظيفي في نقاط التعارض (مضيق - مرافئ - مجال جوي - فضاء سيبراني) يتطلب وفق هذا المنظور “ناتو عربي” شامل. واستمرار عدم اليقين في سلام الشرق الاوسط مع نوافذ هدنة متقطعة، توتر مستمر في الضفة وغزة؛ تدويل متزايد قانونيًا وحقوقيًا، مع ملاحظة الانقسامات الإسرائيلية الداخلية، وتوازنات أمريكية أوروبية داخلية، وأدوار عربية في إعادة الإعمار والضمانات الأمنية، وتنافس سردي عالمي.








