
عالم بلا رجال... الصين تدعم النساء بإنشاء فضاءات إجتماعية مغلقة

مراصد
26/8/2025، 11:22:12 ص
تتنامى ظاهرة اجتماعية لافتة في الصين، تتمثل في إنشاء مجتمعات سكنية ونواد ومواقف سيارات ومساجد مخصصة للنساء فقط، حيث تبحث الكثير من النساء عن فضاءات آمنة بعيداً عن الضغوط الاجتماعية وهيمنة الذكور، وهذه المبادرات الصغيرة تحولت سريعاً إلى ملاذات واسعة الانتشار تتيح للنساء مساحات للحرية والدعم النفسي المتبادل.
وبين الجبال الخضراء في شرق الصين اختارت نساء كثيرات الهروب من ضغوط المجتمع التقليدي إلى فضاءات جديدة مغلقة لهن وحدهن، وهنا لا قيود ولا أحكام، بل بيئة تعكس تحولات اجتماعية واقتصادية تمنح المرأة استقلالية أوسع وتجعل هذه المبادرات الفردية ظاهرة متنامية يوماً بعد آخر.
▪︎ للنساء فقط !
في قرية "شيو شي" بمقاطعة تشجيانغ، افتتحت يانغ يون "46 عاما" في أوائل حزيران يونيو الماضي، موقعاً يشبه فندقا فخماً بأثاث ذي طراز قديم وخطوط على الجدران، في مقابل رسوم عضوية قدرها 3980 يوانا "554 دولاراً " في هذا النادي المسمى "مساحتها"، يمكن للأعضاء النساء فقط الانضمام إلى المكان في أي وقت، مدى الحياة.
وتعد المساكن والبيوت الريفية في مقاطعة تشجيانغ بشرق الصين، واحدة من عدد متزايد من المساكن المشتركة المخصصة للنساء فقط، بعيداً عن الضغوط الاجتماعية والأحكام الذكورية. وتوضح نزيلات هذا المسكن الأبيض الرابض على سفح إحدى التلال أن دوافعهن للالتحاق بهذا الموقع تتركز على "التحدث بحرية عن أمور حميمية" و"إقامة صداقات" والبحث عن "الشعور بالأمان".

▪︎ عالم خيالي
ضحكات تتعالى فوق موائد صغيرة عامرة بالكعك المحلي وأكواب القهوة، ففي عالم كيكي الخيالي "Keke’s Imaginative Space" تدفع المشاركات مبالغ بسيطة لقاء المبيت في هذا المكان مقابل مساحة تتيح لهن الحديث بحرية والتعبير عن أنفسهن بلا قيود. وانطلق هذا المشروع من تجربة شخصية عاشتها المؤسسة تشين ياني بعد مضايقات متكررة في عملها دفعتها لتأسيس مكان خاص يوفر للنساء الاسترخاء والدعم النفسي بعيداً عن الضغوط الاجتماعية. وفي هذه الأكواخ الريفية الصغيرة وجدت النساء ملاذاً جديداً يعكس تحولات اجتماعية أعمق تمنحهن استقلالية أكبر وتجعل من هذه المبادرات الفردية ظاهرة متسارعة الانتشار.
وبينما تتوسع هذه التجربة من بيوت ضيافة صغيرة إلى صالات رياضية ومراكز عمل مشتركة، ورغم الانتقادات التي تعتبر هذه المساحات انعزالا عن المجتمع، تصر المشاركات على أنها ليست موجهة ضد الرجال بل هي ببساطة حق في بيئة خاصة وآمنة وأنهن يبحثن عن فضاءات جديدة تمنحهن حرية أن يكن على طبيعتهن.
▪︎ مساحات آمنة
بعد تحضير كعكات اللحم المطهوة على البخار في المطبخ المطل على الجبال، تتجاذب النساء أطراف الحديث في غرفة المعيشة المريحة، تعلو القهقهات أثناء جلسة للّعب وارتشاف القهوة في الدار الريفية المخصصة للنساء فقط. وتقول تشانغ وينجينغ "43 عاما"، إحدى المشاركات ل "فرانس بريس"، إن "المساحات المخصصة للنساء 100% آمنة، فالنساء يتحدثن في ما بينهن، بسهولة أكبر عن بعض الأمور"، مثل العلاقات العاطفية. أما تشين فانغيان "28 عاما" فتوضح أنه "في وجود رجل، نُولي اهتماما أكبر" للسلوك مقارنة بالمحادثات التي تجرى بين النساء حصراً.

▪︎ هروب من الضغوطات
تدفع المشاركات 30 يوانا "اربعة دولارات و20 سنت" لليلة الواحدة، ثم 80 يوانا "احد عشر دولاراً و10 سنتات" ابتداءً من اليوم الرابع، في هذا المكان.
وتقول تشين ياني صاحبة الفكرة، "خلال تجاربي في المهنة وريادة الأعمال، تعرضتُ لمضايقات من الرجال،" لدرجة "عدم قدرتي على العمل بشكل طبيعي في كثير من الأحيان"، لافتة إلى أن هذا الوضع دفعها إلى التفكير في "مكان لا نشعر فيه بالقلق". عمدت عندها إلى تجديد الدار الواقعة في لينآن بمقاطعة تشجيانغ في شرق الصين، واستعانت بشبكة التواصل الاجتماعي شياوهونغشو "إنستغرام الصيني" المعروف أيضا باسم "ريدنوت"، لتنظيم منامة في الموقع لمناسبة رأس السنة الصينية. وقد استضافت يومذاك اثنتي عشرة امرأة أردن الهرب من أسئلة آبائهن المتطفلة خلال العطلات، خصوصا بالنظر إلى الضغط القوي في الصين على الشابات غير المتزوجات على مشارف سن الثلاثين.
وتضيف تشين ياني في حديثها ل"فرانس بريس"، "ضمن الأسرة، غالبا ما تضطر النساء إلى رعاية الأجداد والأطفال والقيام بالأعمال المنزلية، ناهيك عن مسؤوليات العمل"، مؤكدةً "أنهن بحاجة إلى مكان لا يضطررن فيه إلى لعب دور". بفضل استقلالهن الاقتصادي ومستوياتهن التعليمية العالية، باتت للنساء خيارات أكثر، على ما تقول يوان شياو تشيان "29 عاما"، وهي نزيلة أخرى في الموقع.
وعلى موقع "ريدنوت" تحديداً، تتزايد المساحات المخصصة لهذه المجموعات النسائية.
▪︎ قوة ذهنية
تشير يانغ يون، مؤسسة المشروع، إلى أن المكان بات يضم 120 عضوا، موضحة أنه "إذا فقدت "المرأة المنتسبة إلى الموقع" وظيفتها أو والديها أو تشاجرت مع زوجها أو أرهقتها حياة المدينة، فهي تعلم أنها تستطيع الانضمام وإيجاد بعض الدفء، هذا يمنحها قوة ذهنية". وبينت أنه يمكن للأعضاء أن يصبحن شريكات ويستثمرن في تجديد منازل القرية التي يمكنهن بعد ذلك تأجيرها للسياح. ويتهم البعض هذه المساحات غير المختلطة بتأجيج العداء بين الجنسين، وهو أمر ترفضه يانغ يون، موضحةً أنه "مثل الأطفال أو كبار السن، تُشكل النساء فئة اجتماعية ذات مسارات حياة ومشاكل متشابهة. من الأسهل فهم بعضهن البعض وإظهار التعاطف المتبادل في ما بينهن".

▪︎ سكن مشترك دائم
مساحات أخرى مخصصة للنساء أفتتحت مؤخرا في الصين، حيث تؤكد "ليليث جيانغ" البالغة 34 عاما، وهي مؤسسة مكتبة ومقهى "نصف السماء" غير المختلط في بكين، أن "الرجال لديهم فرص كثيرة للتواصل الاجتماعي، سواءً في أمسيات السهر أو أثناء ممارسة الرياضة"، فيما مساحات التبادل هذه "لا تتاح للنساء". وتُقرّ تشين ياني بأن "نموذج عملها غير قابل للاستمرار"، إلا أنها تؤكد أنه "ما دام هناك طلب، فسيستمر ذلك" وسيُفضي إلى ظهور "أسلوب حياة مختلف". وتشير ليليث جيانغ الى أن "بعض الناس يقولون للنساء باستمرار: "إذا لم تتزوجي، فماذا سيحدث لكِ عندما تكبرين". وتضيف، "بالنسبة لها، وكبديل للعلاقات العاطفية، قد يكون السكن المشترك طويل الأمد، المخصص للنساء فقط، والذي يسمح لهن بالتقدم في السن معا، حلا" لهذه المسألة.
▪︎ مواقف خاصة
وفي شأن آخر، خصص أحد مراكز التسوق في الصين مواقف لسيارات النساء، يزيد عرضها 30 سنتيمترا عن تلك المخصصة للرجال، كما أنها محددة باللون الزهري، المفضل لدى كثير من النساء. ومن الآن فصاعداً، لن تجد السيدات اللاتي يزرن بكثافة أحد مراكز التسوق في مدينة داليان بمقاطعة لياونينغ الصينية، صعوبة في ركن سياراتهم عند المدخل الرئيس للمركز التجاري بالمدينة. وعلى الرغم من إثارة الخطوة حفيظة عدد من الجمعيات المدافعة عن المساواة بين الجنسين، فإن مديرة المركز التجاري يانغ هونغ جون، تقول إنها جاءت "بعد أن لاحظوا أن النساء يواجهن صعوبة في إيقاف سياراتهن في الأماكن العادية، وليس تقليلا من قدراتهن على القيادة". وأعربت يونغ مي، إحدى رواد المكان، عن سعادتها بهذه الخطوة، وقالت لوكالة "فرانس برس": "أعتقد أن هذه المواقف مريحة للغاية، حيث إن المواقف الأخرى ضيفة جدا".
وأضافت: "هذا ليس تمييزاً ضد المرأة، بل إنه مجرد تفهم لخصوصيتها". ورحب كثير من سكان المدينة بهذه الخطوة، ودعوا مراكز التسوق الأخرى إلى اتخاذ خطوات مماثلة، كما طالبوا حكومة المدينة بالعمل على تخصيص مواقف نسائية في أماكن أخرى غير المراكز التجارية. وكانت مدينة "شز هوانغ" بمقاطعة هيبي شمالي الصين، ومنذ العام 2009، قد بدأت بتخصيص موقف لسيارات النساء، أوسع في المساحة، ويميزها اللونين الزهري والبنفسجي. وقال المسؤول في المركز التجاري بالمدينة وانغ زينغ، إن هذا النوع من المواقف صمم "تلبية لإدراك المرأة القوي للألوان، فضلا عن تقديرهن المختلف للمسافة".

▪︎ مساجد بلا رجال
ومن مواقف السيارات المخصصة للنساء، الى تخصيص مسجد خاص للنساء فقط ايضاً، حيث يتسم العالم الإسلامي بأنه واسع ومتنوع، وتختلف وجهات النظر بشأنه مثلما تختلف شعوبه أيضا، ويعد الإسلام في الصين، التي يوجد بها مساجد للنساء فقط منذ أمد طويل، مثالا جيداً على ذلك، حسب مايكل وود، مراسل شبكة " BBC "، والذي بين أن مدينة كايفنغ، التي تقع في وسط سهل النهر الأصفر بمقاطعة هينان الصينية، كانت العاصمة القديمة لسلالة سونغ قبل ألف عام من الآن، كما كانت واحدة من أعظم المدن في جميع أنحاء العالم قبل القرن التاسع عشر الميلادي ومنارة تجتمع حولها الشعوب والأديان، مشيراً الى أن الصين لديها بعض من أقدم الجاليات الإسلامية خارج الشرق الأدنى. ويضيف وود، إن" أروع شيء هناك هو المساجد المخصصة للنساء فقط، وقد يكون الشيء الأكثر إثارة للدهشة هو أن هناك أئمة من النساء أيضاً". ويقع المسجد الرئيسي للنساء بالقرب من المسجد المركزي للرجال، عبر زقاق تصطف حوله أكشاك الطعام، والإمامة هنا تدعى غو جينغ فانغ، والتي تدربت على يد والدها، وهو إمام في مسجد للرجال. ويعد مسجد "وانغجيا آلي"، أقدم مسجد للنساء بمدينة كايفنغ، والذي بني عام 1820، وتتسع مساحة القاعة المخصصة للصلاة أكثر من غرفة المعيشة الواسعة، وهي مغطاة بالسجاد والكراسي وتستوعب أكثر من 50 شخصاً.
وبالخارج، وفي ضوء الشمس الخافت، التقى مراسل "BBC" بعدد من المصليات وإمامتهن التي كانت تعمل في السابق في أحد المصانع وتنحدر من عائلة ملتزمة دينيا ثم تحولت بعد خمس سنوات من الدراسة إلى إمامة، على الرغم من أنها ترى أن وظيفتها الرئيسية هي تعليم النساء قراءة القرآن فقط. وقالت غو جينغ فانغ إنها "ترى أن المساجد المخصصة للنساء فقط هي إحدى التقاليد الصينية بصفة عامة، ومقاطعة هينان بصفة خاصة، فهناك 16 مسجداً في كايفنغ وعشرات المساجد الأخرى في الريف حولها، جنبا إلى جنب مع المدارس الصغيرة في مدينة تشنغتشو الكبيرة، وفي بعض المدن الصغيرة. وفي أماكن أبعد من ذلك، هناك العديد من المساجد في جنوب مقاطعة يونان وفي الشمال أيضا، ولكن ليس هناك مساجد من هذا النوع في منطقة شينجيانغ ذات الأغلبية المسلمة، والتي تتبع شكلا تقليديا للإسلام السني المتبع في آسيا الوسطى.








