
دراسة بريطانية... مستقبل الاقتصاد الرقمي في ظل تسارع الابتكار التقني

مراصد
9/9/2025، 12:34:26 م
ثمة تطورات متسارعة فيما شهده العالم خلال العقدين الأخيرين من تحولات جذرية في البنية الاقتصادية والمالية بفعل الثورة الرقمية والتطور في تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، مما جعل مراكز الأبحاث الدولية والبنك الدولي والجامعات تتعامل مع هذه التحولات بتحليلات موسعة لمعالجة انعكاسات التطور التقني على بروز العملات الرقمية - سواء تلك الصادرة عن البنوك المركزية أو المشفّرة اللامركزية مثل البيتكوين - كأحد أهم الابتكارات المالية التي تعيد صياغة طبيعة النقود ووظائفها التقليدية.
غير أن هذه الإمكانات ترافقها تحديات معقدة تتعلق بالحوكمة، والأطر التنظيمية، والاستقرار المالي، وحماية البيانات، فضلا عن مخاطر الاستخدام غير المشروع وتقلبات الأسواق، مما يبرز السؤال الجوهري : هل يمكن توظيف العملات الرقمية كأداة داعمة لأجندة التنمية المستدامة في الدول النامية والاقتصادات الناشئة، لاسيما دول المشرق العربي، أم أنها قد تزيد من فجوة التفاوت وعدم الاستقرار؟ لذا ينبغي على صناع القرار في المشرق العربي والدول النامية صياغة سياسات رشيدة تتيح الاستفادة من الفرص مع الحد من المخاطر.
▪︎ العملات المستقرة والبلدان النامية
تحت عنوان "هل ستساعد العملات المستقرة البلدان النامية.. الأمر معقد؟؟" نشر معهد شيتام هاوس للدراسات الملكية البريطانية تحليلا موسعا في اب 2025، يهدف التقرير إلى تحليل الدور المزدوج والمتناقض للعملات المستقرة في البلدان النامية، موضحًا إمكاناتها الكبيرة لتعزيز الشمول المالي وتحويلات المهجرين، إلى جانب المخاطر الجسيمة التي تشكلها على الاستقرار المالي والسيادة النقدية لهذه الدول. تؤشر الدراسة انه على عكس التصور الشائع، فإن الطلب على العملات المستقرة لا يتركز في الدول المتقدمة، بل يهيمن عليه المستخدمون في البلدان النامية والاقتصادات الناشئة، أصبحت هذه الأصول وسيلة مالية رئيسية للملايين، حيث تُستخدم كوسيلة للدفع، ومخزن للقيمة، وقناة فعالة لتحويلات المهاجرين بسبب سرعتها الفائقة وتكلفتها المنخفضة مقارنة بالقنوات التقليدية. تظهر الدراسة أن العملات المستقرة لا تُستخدم بشكل أساسي كـ"جسر" للدخول إلى نظام التمويل اللامركزي المعقد، بل كـ"بديل مباشر عن العملات الوطنية" غير المستقرة والأنظمة المصرفية المحلية الضعيفة، ويتبنى المستخدمون العملات المستقرة المرتبطة بالدولار الأمريكي هربًا من التضخم المرتفع وتقلبات العملات المحلية، مما يهدد بـ" استبدال الدولار الأمريكي الرقمي" للعملة المحلية. وتؤكد الدراسة على ان الانتشار الواسع للعملات المستقرة، يؤدي إلى تقويض قدرة البنوك المركزية على إدارة السياسة النقدية، والتحكم في أسعار الفائدة، واستخدام أدوات الاحتياطي، ويزيد من مخاطر الاستقرار المالي حيث يمكن أن يؤدي التحول السريع من العملة المحلية إلى العملات المستقرة إلى إحداث عدم استقرار في النظام المالي المحلي، خاصة إذا لم تتملك السلطات الأدوات الكافية لمراقبة هذه التدفقات، ولا يزال المستخدمون يواجهون مخاطر تتعلق بسلامة ودعم هذه الأصول والاحتيال، والامتثال لمكافحة غسل الأموال. وما بين القمع والاحتواء، تحلل الدراسة أنماط استجابة واضعي السياسات حيث تتراوح ردود فعل الحكومات بين الحظر الكامل (مثل الصين ونيجيريا سابقًا) الذي أثبت عدم فعاليته في كثير من الأحيان ودفع النشاط إلى القنوات غير المشروعة، او السعي لتنظيمها ووضع أطر لتقليل المخاطر مع الاستفادة من منافعها مثل منطقة الاتحاد الأوروبي. الحل الوسط الذي تطرحه الدراسة هو التركيز على تنظيم جهات إصدار العملات المستقرة ومراجعة احتياطاتها لضمان الشفافية والسلامة وترى أن العملات الرقمية للبنوك المركزية قد تكون الحل الأمثل للرد على هذا التحدي. وتوصي الدراسة انه لا يمكن للحكومات والبنوك المركزية في البلدان النامية أن تبقى سلبية، يجب عليها أن تختار بشكل استباقي بين تنظيم العملات المستقرة الوافدة بصرامة لاحتواء مخاطرها وبين تسريع تطوير عملاتها الرقمية الخاصة لتقديم بديل سيادي آمن وفعال يلبي احتياجات المواطنين الرقمية، او بين الحالتين وبين الاستمرار في تجاهل هذه الظاهرة لن يؤدي إلا إلى تفاقم المخاطر وفقدان السيطرة على السياسة النقدية، بينما يوفر تبني استراتيجية فعالة فرصة تاريخية لتحديث النظام المالي وتعزيز الشمول والاستقرار.

▪︎ "فيزا "للتحول الرقمي
عالجت دراسة تفصيلية نشرها المجلس الأطلسي للأبحاث، خطط شركة فيزا للتحول الرقمي التي تمنح البنوك قدرة تقنية وأمنية لإصدار وتجربة الأصول الرقمية ضمن إطار تنظيمي واضح، من خلال دعم عدة عملات مستقرة وسلاسل بلوكتشين، تُرسل شركة "فيزا" للتحويلات المالية رسالة قوية بضرورة توفّر بنية تحتية متكاملة وعابرة للسلاسل لتسريع اعتماد الأصول الرقمية، كما أن تعاونها في مشاريع سيادية يعزز الثقة بصلاحية هذه التكنولوجيا للاستخدام الرسمي، خاصة في حالات التحويلات والتسويات عبر الحدود. تقدم الدراسة نظرة واقعية ومتفائلة لمستقبل المال، بينما لا تزال هذه التقنيات في مراحل مختلفة من التطوير والتبني، فإنها تحمل وعدا بخلق نظام مالي أكثر ديمقراطية، يعتمد النجاح فيه على التعاون الاستراتيجي بين المنظمين والمبتكرين والمؤسسات المالية القائمة. في المجمل، تقوم "فيزا" بتعزيز المرونة، السرعة، والشفافية في النظام المالي، دون إهمال المتطلبات التنظيمية وسلامة التشغيل. في تشرين الاول 2024، أطلقت "فيزا" مشروعها لتمكن البنوك من إصدار وإدارة رموز رقمية مدعومة بالعملات التقليدية (مثل الودائع المشفرة والعملات المستقرة)، مبتكرة داخل بيئة آمنة مع خطط للانطلاق المباشر في عام 2025. توصي هذه الدراسة بأهمية التعايش والتكامل مع النظام المالي المستقبلي من المحتمل أن يكون نظاما متعدد الأبعاد، حيث تتعايش العملات الرقمية والعملات المستقرة وأنظمة المدفوعات التقليدية، كل منها يخدم حالات استخدام مختلفة ويلبي احتياجات مختلفة للمستهلكين والشركات، وتدعو إلى تعاون وثيق بين القطاعين العام والخاص لوضع أطر تنظيمية شفافة وقابلة للتطبيق، هذا أمر حاسم لبناء الثقة، وحماية البيانات، ومنع المخاطر النظامية، وتمكين هذه التقنيات من تحقيق إمكاناتها الكاملة، وتؤكد على أن البنية التحتية الحالية للمدفوعات (مثل شبكة فيزا) يمكن أن تلعب دورا حيويا في دعم وربط هذه التقنيات الجديدة، مما يضمن قابلية التشغيل البيني وسلاسة تجربة المستخدم. يضاف الى ذلك التركيز على تمكين المستهلك، لأنه في النهاية، يجب أن يكون الهدف من كل هذه الابتكارات هو تمكين الأفراد والشركات اقتصادياً من خلال خفض التكاليف، وزيادة السرعة، وتوسيع نطاق الوصول إلى الخدمات المالية.

▪︎ البنك الدولي
ترسم منشورات البنك الدولي رؤية واضحة مفادها أن الاقتصاد الرقمي هو وسيلة قوية، وليس غاية في حد ذاته، لتحقيق التنمية المستدامة، يمكن للأدوات الرقمية أن تحدث طفرة في مكافحة الفقر وعدم المساواة وتغير المناخ، ومع ذلك، فإن تحقيق هذه الإمكانات يتطلب إرادة سياسية واستثمارات استراتيجية لضمان أن يعم التحول الرقمي الجميع، وليس فقط النخبة المتصلة والماهرة، وذلك لتجنب خلق أشكالات جديدة من عدم المساواة في العصر الرقمي. وتركز منشورات البنك الدولي على تحليل البنية التحتية الرقمية والوصول الشامل والآمن للانترنت، ومن خلاله الى البيانات، والذكاء الاصطناعي، والتقنيات الناشئة في تسريع التنمية باستخدام التكنولوجيا المتقدمة، وصولا الى تمكين الحكومة الرقمية في تعزيز فعالية الخدمات الحكومية وتطوير الابتكار في الاقتصاد الأخضر الرقمي لاستخدام التكنولوجيا في الحد من الانبعاثات وتعزيز الاستدامة، والمساواة الرقمية في ضمان استفادة النساء والمحرومين، مثل مشروع توصيل الإنترنت إلى 300 مليون امرأة، ناهيك عن توفر الوظائف والمهارات الرقمية التي تمكن الأفراد من المنافسة في سوق رقمي سريع التوسع.
▪︎ اقتصاديات المشرق العربي
الاقتصاد الرقمي ليس ترفاً في المشرق العربي، بل هو ضرورة للتنمية المستدامة، الفرص كبيرة في تمكين الشباب والنساء وخلق وظائف جديدة وتعزيز الشفافية، لكن الفجوة الرقمية والبنية التحتية الضعيفة تهدد بجعل الرقمنة عاملا مضاعفا للفوارق بدلا من معالجتها، التحدي الأساسي هو صياغة استراتيجية شاملة تجمع الاستثمار، التشريعات، وبناء القدرات لتحقيق أثر حقيقي من خلال تحليل الفرص والتحديات في الاتي :
أولا: الفرص الإيجابية المحتملة: يمكن للاقتصاد الرقمي، خاصة عبر الأدوات مثل "المحافظ الرقمية" و"العملات المستقرة"، أن يُحسن الوصول إلى الخدمات المالية في مناطق ذات أنظمة مصرفية تقليدية ضعيفة أو غير شاملة، هذا يدعم تحقيق الهدف الأول من أهداف التنمية المستدامة (القضاء على الفقر)، ويمكن ان يعتمد اقتصاد العديد من دول المشرق (مثل لبنان والأردن) بشكل كبير على التحويلات المالية من المغتربين. يمكن للتقنيات الرقمية (مثل العملات المستقرة أو الحوالات عبر البلوكشين) تخفيض التكاليف وزيادة سرعة هذه التحويلات، مما يدعم الاستقرار الاقتصادي. من خلال تبني أنظمة مثل "الهوية الرقمية" و"الحكومة الإلكترونية"، يمكن تحسين كفاءة الخدمات العامة (مثل الصحة والتعليم) ومكافحة الفساد، مما يعزز الشفافية والحوكمة (الهدف 16 من أهداف التنمية المستدامة)،لذلك يمكن ان يفتح الاقتصاد الرقمي آفاقاً للشركات الناشئة والشركات الصغيرة والمتوسطة للوصول إلى أسواق عالمية، خلق فرص عمل، وتعزيز النمو الاقتصادي.

ثانيا: التحديات والمخاطر: تشكل الفجوة الرقمية تحديا موضوعيا لعدم المساواة في الوصول إلى البنية التحتية الرقمية (مثل الإنترنت عالي السرعة) والمهارات الرقمية قد يُعمق الفجوات بين المناطق الحضرية والريفية وبين الفئات الاجتماعية المختلفة. هذا يتطلب استثمارات عاجلة في البنية التحتية والتعليم. واعتبارات السيادة النقدية والاستقرار المالي، كما ذُكر في دراسة "شياتام هاوس" عن الانتشار السريع للعملات المستقرة، قد يؤدي إلى "استبدال العملة المحلية" بالدولار الرقمي، مما يهدد قدرة البنوك المركزية على إدارة السياسة النقدية ومكافحة التضخم، هذا خطر خاص في دول تعاني من عدم استقرار عملتها المحلية (مثل لبنان وسوريا)، لاسيما مع حالة البيئة التنظيمية النقدية غير الواضحة لعدم وجود أطر تنظيمية راسخة للأصول الرقمية قد يزيد مخاطر الاحتيال وغسل الأموال، ويحد من ثقة المستثمرين والمستهلكين وهذا بحد ذاته يمثل التحديات الأمنية والخصوصية بسبب الاعتماد المتزايد على الأدوات الرقمية يجعل هذه الاقتصادات أكثر عرضة للهجمات الإلكترونية وانتهاكات الخصوصية.
ثالثا: التداعيات على التنمية المستدامة: إيجابياً، يمكن أن يساهم الاقتصاد الرقمي في تحقيق أهداف التنمية المستدامة من خلال تحسين كفاءة الطاقة (مثل الشبكات الذكية)، دعم الزراعة الذكية، وتمكين الفئات المهمشة، لكن سلبيا، إذا لم يُدار بشكل صحيح، قد يؤدي إلى "استنزاف الموارد الطبيعية" بسبب الاستهلاك المرتفع للطاقة في تقنيات مثل تعدين البيتكوين أو تعميق عدم المساواة.
كل ذلك يجعل التوصيات المتاحة لانتقال دول المشرق العربي للعملات الرقمية المشفرة في تسريع وتائر الاستثمار العاجل في البنية التحتية الرقمية، مثل شبكات الجيل الخامس والإنترنت عالي السرعة، مع التركيز على المناطق الريفية والمهمشة، مع التأكيد على وضع أطر تنظيمية مرنة، تشجع الابتكار مع حماية المستهلك واستقرار النظام المالي، مثل تنظيم إصدار واستخدام العملات المستقرة. فضلا عن تعزيز المهارات الرقمية من خلال إدماجها في المناهج التعليمية وتدريب الشباب والنساء، وتقنين تشريعات تتبنى العملات الرقمية للبنوك المركزية، كبديل سيادي آمن للعملات المستقرة الخاصة، للحفاظ على السيادة النقدية.، بعد تعزيز التعاون الإقليمي لتبادل الخبرات ومواءمة السياسات الرقمية.








