
غليان في إندنوسيا... إحتجاجات واسعة رفضا لرفاهية المشرعين على حساب العدالة الإجتماعية

مراصد
10/9/2025، 10:07:10 ص
اندلعت شرارة الاحتجاجات في جاكرتا بعد تقارير أفادت بأن جميع المشرعين البالغ عددهم 580 نائباً يتلقون بدل سكن شهرياً قدره 50 مليون روبية "3075 دولاراً"، بالإضافة إلى رواتبهم، وهذا البدل، الذي تم تقديمه العام الماضي، يعادل ما يقرب من 10 أضعاف الحد الأدنى للأجور في جاكرتا.
ويرى المحتجون أن هذا البدل الجديد ليس مفرطاً فحسب، بل إنه أيضاً يدفع من ميزانية البلاد في وقت يعاني فيه معظم الناس من ارتفاع تكاليف المعيشة والضرائب وارتفاع معدلات البطالة. هذا وإتسع نطاق الاحتجاجات وازداد عنفاً في أعقاب وفاة سائق دراجة بعد ان دهسته احدى عجلات القوات الأمنية. وأجبرت الاحتجاجات رئيس البلاد برابوو سوبيانتو على إلغاء رحلة مقررة إلى الصين خلال هذا الأسبوع لحضور عرض عسكري لإحياء ذكرى نهاية الحرب العالمية الثانية.
▪︎ استجابة مشروطة
استجاب الرئيس الإندونيسي برابوو سوبيانتو جزئيا لمطالب المحتجين بإعلانه الغاء بدل السكن الممنوح للنواب، لكنه أظهر حزماً شديداً تجاه التظاهرات العنيفة المنتشرة على نطاق واسع في البلاد. وقال الرئيس في كلمة القاها من القصر الرئاسي في جاكرتا "يجب احترام وحماية الحق في التجمع السلمي، لكن لا يمكننا إنكار وجود دلائل على أعمال غير مشروعة، بل تخالف القانون وترقى إلى الخيانة والإرهاب". وأعلن الرئيس الذي تسلم منصبه قبل عشرة أشهر، أن البرلمان سيلغي عدداً من القرارات "لا سيما التعويض المخصص للمشرعين"، كما تعهد بإجراء تحقيق "شفاف" في مقتل الشاب، وأمر بإيقاف سبعة من عناصر الشرطة.
▪︎ اتساع نطاق الاحتجاجات
وبدأت الاحتجاجات بشكل سلمي في مدن رئيسية بإندونيسيا، من ضمنها العاصمة جاكرتا، واتسع نطاقها ليشمل مدنا رئيسية في الأرخبيل، بينها يوغياكرتا وباندونغ وسيمارانغ وسورابايا في جاوة، وميدان في مقاطعة سومطرة الشمالية. وتحسبا لاندلاع المزيد من التظاهرات في أنحاء جديدة من الدولة الأرخبيل أقامت الشرطة نقاط تفتيش في أنحاء العاصمة جاكرتا، وقال ناطق باسم الشرطة إن عناصرها يقومون بدوريات في المدينة أيضا "لحماية المواطنين وإعطاء شعور بالأمان". وفي مدينة ماكاسر، قضى ثلاثة أشخاص على الأقل بحريق أشعله متظاهرون في مبنى المجلس المحلي للمدينة، وهي من كبرى مدن جزيرة سولاويسي الواقعة شرقا. وإلى جانب أعمال العنف التي شابت التظاهرات، تعرضت منازل نواب ووزيرة المال للنهب في الأيام الماضية.

▪︎ إجراءات حازمة
من جهته .. قال وزير الدفاع الإندونيسي شافري شمس الدين، في مؤتمر صحافي، إن الضباط لن يترددوا في "اتخاذ إجراءات حازمة ضد مثيري الشغب واللصوص الذين تسللوا إلى الممتلكات الخاصة أو مؤسسات الدولة". وتعرض منزل وزيرة المال الإندونيسية سري مولياني في جنوب جاكرتا للنهب اثناء غيابها، وفق ما أفاد أحد جيرانها وجنود يحرسون المكان لوكالة "فرانس برس". وتعد مولياني، المديرة الإدارية السابقة للبنك الدولي، شخصية مؤثرة في الحكومة الحالية، وتولّت حقيبة المال في عهد ثلاثة رؤساء. كذلك، نُهبت في الأيام الأخيرة منازل ثلاثة نواب على الأقل، من بينهم إيكو هندرو وأحمد سهروني، بحسب وكالة الأنباء الإندونيسية. وهذه الاحتجاجات هي الأكبر والأكثر عنفا منذ تولي برابوو سوبيانتو الرئاسة، وتشكل اختبارا مهما له.
▪︎ موقف المنظمات الحقوقية
واعتبرت منظمات حقوقية أن كلمة برابوو لم تكن كافية لتهدئة الشارع، وقال عثمان حامد، المدير التنفيذي لمنظمة العفو الدولية في إندونيسيا، في بيان إن "تصريح الرئيس كان غير متعاطف مع الشكاوى والتطلعات التي عبّر عنها الناس خلال الاحتجاجات". وفي اجراءٍ جديد، أعلنت منصة التواصل الاجتماعي تيك توك تعليق ميزة البث المباشر "لبضعة أيام" في إندونيسيا "بسبب تصاعد أعمال العنف خلال الاحتجاجات". منظمتا كونتراس وأمنستي إندونيسيا حذرتا مراراً خلال العامين الماضيين من نمط متكرر في تفريق التجمعات السلمية ولجوء مفرط للقوة، وطالبتا بآليات رقابة مستقلة وتدريب يحد من الانتهاكات. كما..أعلن متحدث باسم الشرطة عبر قناة كومباس التلفزيونية تسيير دوريات في شوارع العاصمة لحماية المواطنين. وفي إجراء وقائي، قررت إحدى المدارس الدولية في جاكرتا تنظيم صفوفها الدراسية عبر الإنترنت لمدة أسبوع، وطُلب من الموظفين في جاكرتا العمل من المنزل.

▪︎ تداعيات إقتصادية
تراجعت أسواق الأسهم الإندونيسية على خلفية الاحتجاجات على ارتفاع تكاليف المعيشة لينخفض مؤشر "جاكرتا المركب" بنسبة 3.6%، 1 أيلول الحالي، بينما انخفضت قيمة الروبية الإندونيسية إلى 16,500 مقابل الدولار الأميركي، وهو أضعف مستوى لها منذ مطلع أغسطس آب الماضي، وفقاً لبيانات بورصة لندن. وتواجه إندونيسيا مناخاً سياسياً صعباً، حيث تواجه احتجاجات على ارتفاع تكاليف المعيشة، ورواتب المشرعين، وعنف الشرطة، مما أثر سلباً على معنويات المستثمرين في أكبر اقتصاد في جنوب شرق آسيا، بحسب ما ذكرته شبكة "CNBC". في حين أن العنف والاحتجاجات قد هزت ثقة المستثمرين، إلا أنها من غير المرجح أن تؤثر على مسار النمو الأساسي في إندونيسيا، وفقاً للعديد من مراقبي السوق. وقال المدير الإداري ورئيس قسم الدخل الثابت الآسيوي في شركة "برينسيبال فيكسد إنكوم"، هاو تشونغ وان، إن موجة البيع الأخيرة كانت مدفوعة بشكل رئيسي بتأثير المعنويات، حيث تفاعل المستثمرون مع التطورات التي شهدتها عطلة نهاية الأسبوع. وأشار هاو الى أن "إندونيسيا لا تزال من بين الأسواق الناشئة الأكثر استقراراً"، متجاهلاً تأثير التظاهرات باعتبارها انتكاسة قصيرة الأجل، وأضاف: "لا أعتقد أن هذا يغير الوضع تماماً في هذه المرحلة". ومن المتوقع أن يكون ضعف الروبية المحتمل على المدى القريب مؤقتاً، ومن المرجح أن ينعكس مع تلاشي حالة عدم اليقين المحلية، وفقاً لكريستوفر وونغ، محلل العملات الأجنبية في بنك "OCBC".
▪︎ التضخم العام
ورسمت بيانات رسمية صورة مزدوجة الدلالة فالتضخم العام بقي منخفضاً نسبياً عند نحو "2.37 %"على أساس سنوي في يوليو تموز الماضي، إلا أن هذا المتوسط يخفي ضغوطاً عليا في سلة الغذاء لدى الشرائح الأقل دخلاً، وهو ما تتنبّه له تقارير البنك الدولي التي توثّق بقاء تضخم الغذاء مرتفعاً في كثير من البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل وتأثيره غير المتكافئ على الفقراء. وأبقى بنك إندونيسيا سياسته النقدية مشدودة نسبياً لدعم استقرار العملة وسط ضعف في الطلب المحلي، وهذه العناصر مجتمعة تعني أن الفئات الهشة لا تشعر بانخفاض التضخم الكلي طالما أن كلفة الطعام والمواصلات والسكن تثقل ميزانياتها اليومية. كما.. تظهر بيانات هيئة الإحصاء في إندونيسيا أن معامل جيني لعدم المساواة في الإنفاق بلغ "0.375" في مارس آذار الماضي، مع تراجع طفيف عن فترات سابقة، وهي قيمة تعكس فجوة قائمة بين المدن والأرياف لأجل المدن. وعلى الرغم من تراجع المعدلات السنوية للفقر في الأعوام الأخيرة، فإن عدد الفقراء ما يزال مرتفعاً، إذ سجّلت الهيئة في مارس آذار، نحو "23.85" مليون شخص تحت خط الفقر الوطني بنسبة "8.47%"، وفق "أسوشيتدبرس".
وتعني هذه الأرقام أن شريحة واسعة تبقى حساسة لأي صدمة في الأسعار أو الدخل أو الوظائف، وهي الخلفية التي تجعل امتيازات الطبقة السياسية مثار احتقان اجتماعي سريع الاشتعال.

▪︎ أبرز الإحتجاجات في اندونيسيا
شهدت اندونيسيا الكثير من الإحتجاجات في تاريخها، ونذكر هنا أكبر احتجاجين في أواخر القرن الماضي وبداية القرن الحالي، تمثل أولهما باسقاط أكبر دكتاتور في تأريخ البلاد، والثاني بافشال القانون الشامل، الذي كان يعتقد المتظاهرون بأنه يضر الطبقة العاملة والموظفين:
- اسقاط نظام سوهارتو : كان إسقاط نظام سوهارتو في 1998 بعد ثورة الطلبة على خلفية الأزمة المالية التي ضربت دول جنوب شرق آسيا في 1997، هو نهاية نظام حكم البلاد منذ استقلالها في 1945، وبداية عملية التحول الديمقراطي. وكان يوسف حبيبي، الذي خلف سوهارتو، قد دشن مرحلة التحول الديمقراطي خلال توليه منصب الرئيس لمدة 517 يوما فقط،، فقد أصدر قانون الصحافة لضمان حرية التعبير عبر وسائل الإعلام، التي كانت مقيدة حتى ذلك الحين، ورفع القيود المفروضة على الحق في تشكيل الأحزاب السياسية، كما دعم بشكل مثير للجدل تقرير المصير لشعب مقاطعة تيمور الشرقية، ما أدى إلى استقلال ذلك الإقليم عن إندونيسيا في 2002. واندلعت شرارة الانتفاضة الشعبية في إندونيسيا، بشهر ايار مايو 1998، حيث كانت الجماهير تغلي من الغضب في الشهور السابقة لذلك الشهر في إندونيسيا، وذلك بسبب الأزمة الاقتصادية التي أدت إلى تدهور شديد في معيشة الملايين من الفقراء والعمال والفلاحين، وكانت البطالة في تزايد مستمر والأسعار أيضاً في ارتفاع متصل، والشرارة التي اشعلت فتيل الأحداث عندما قتل ستة من طلبة جامعة "تريزاكتي"، وهم يشاركون في مظاهرة ضد الرئيس سوهارتو من ضمن حوالي 5000 من طلبة تلك الجامعة في العاصمة جاكرتا. ولأول مرة انضمت أعداد هائلة من العمال والعاملات والفقراء المنتشرين في المدينة، وترك الموظفون أيضاً مكاتبهم وخرجوا إلى الشوارع لينضموا للمظاهرات. ودخل المتظاهرون البنوك التي يمتلكها سوهارتو وعائلته واخذوا ما فيها وحطموا نوافذها وأبوابها، كما اندفعوا إلى محلات السيارات التي يمتلكها أبن سوهارتو وحطموا ما فيها، وحرقوا مبنى وزارة الشؤون الاجتماعية التي كانت ترأسها ابنة سوهارتو. كان غضب الفقراء موجها إلى الديكتاتور وعائلته التي نهبت موارد الشعب لأكثر من ثلاثين عامًا متصلة، كما رفعت الجماهير صوتها هاتفة.ً: "يسقط ملك الحرامية".

- احتجاجات القانون الشامل : وكانت احتجاجات 8 أكتوبر 2020، والتي اندلعت بسبب القانون الشامل، من أكثر الاحتجاجات التي شهدتها البلاد، فقد اشتعلت النيران في محطة حافلات بونداران كما تضررت 11 محطة حافلات أخرى عبر أرجاء العاصمة جاكرتا. وأثار القانون احتجاجات بدأت في جاوة في يناير 2020، حيث يشعر المتظاهرون بالقلق من أن القانون يمكن أن يضر بالعاملين، وتحديداً أنه "سيضر بالعمال من خلال خفض تعويضات نهاية الخدمة، وخفض الإجازة الإلزامية، والسماح بساعات عمل أطول، والسماح بتوظيف عقود وعمال بدوام جزئي بدلاً من الموظفين بدوام كامل. أما البيئة على وجه التحديد فإن القانون: "من شأنه أن يؤدي إلى تدمير الغابات المطيرة الأولية التي تعتبر ضرورية للسيطرة على انبعاثات الكربون وإبطاء تغير المناخ" وفقًا لعلماء البيئة، وطالبت نقابات عمالية عدة بإن القانون يجب أن يشمل ممثلين عن النقابات العمالية وليس مستثمرين فقط.
وقالت الحكومة في حينها، إن القانون يمكن أن يساعد الاقتصاد الإندونيسي المتدهور أثناء جائحة كوفيد 19، واسفرت الاحتجاجات حتى 8 أكتوبر 2020 ، عن اعتقال ما لا يقل عن 400 متظاهر.
وبخلاف المطالبة بسحب القانون، طالب بعض المتظاهرين جوكووي أيضاً بالاستقالة من منصبه، واصفين السياسة الإندونيسية الحالية بالجريمة، كما طالبت مظاهرات أخرى بزيادة الحد الأدنى للأجور لعام 2021.








