
البداوة الرقمية

رائد مهدي صالح
13/9/2025، 11:26:45 ص
"البداوة الرقمية" مفهوم مثير للاهتمام يربط بين أنماط التفكير والسلوك التقليدية للبدو الرحّل في العصر الحديث، وتحديدًا في ظل الثورة الرقمية وتأثيراتها العميقة. يمكن أن يكون هذا المفهوم مشروعًا غنيًا بالتحليل والنقاش، خاصة عند إسقاطه على الواقع العراقي المعاصر خصوصا بعد الاستشهاد بآراء عالم الاجتماع العراقي الكبير الدكتور علي الوردي.
في العصر الرقمي، برز مفهوم البداوة الحديثة بوصفه امتدادا ًرمزياً للبداوة التقليدية، لكنه أخذ أشكالًا جديدة تتناسب مع عالم الشبكات والتواصل الافتراضي. فكما كان البدوي في الماضي شديد الولاء للقبيلة، نرى اليوم أن الإنسان (او المستخدم) الرقمي ينتمي بعمق إلى جماعته الافتراضية؛ سواء كانت جماعة ألعاب إلكترونية، أو مجتمعًا فكريًا، أو تيارًا سياسيًا أو ثقافيًا على المنصات. هذا الولاء يخلق إحساسًا بالانتماء يحاكي "العصبية القبلية"، حيث تُقدَّم مصلحة الجماعة على الحسابات الفردية أحيانًا. وفي مقابل هذا الولاء، يظهر الشك في الغريب (القادم للجماعة الافتراضية) من خلال الريبة في الغرباء على الشبكات، أو الحذر من التفاعل مع من هم خارج "الدائرة الرقمية المألوفة"، مما يعكس خوفًا من الاختراق أو الخيانة، تمامًا كما كان الغريب يُختبر قبل أن يُقبل في مضارب القبيلة. أما النزعة الاستهلاكية فتتجلى في الترحال المستمر بين المنصات والمنتجات الرقمية، والتعلق المستمر بما هو جديد، حيث تُستبدل التطبيقات والرموز والأجهزة بسرعة شبيهة بانتقال البدوي من مرعى إلى آخر بحثًا عن الكلأ والماء. وبالنسبة إلى الارتباط بالمكان أو عدمه، فإن البداوة الحديثة تكشف عن تحرر كبير من الجغرافيا المادية، فالمكان الافتراضي صار هو "الخيمة" الجديدة التي تُنصب في كل فضاء رقمي، ومع ذلك يبقى هناك نوع من الحنين إلى الجذور والمرجعيات الثقافية، وكأن الفرد الرقمي يحمل معه أثر الصحراء وهو يتنقل بين منصات الإنترنت. وهكذا، يمكن القول إن البداوة لم تختفِ في زمن التكنولوجيا، بل أعادت إنتاج ذاتها بوسائل جديدة، محوّلةً سمات البداوة القديمة إلى أنماط معيشة رقمية تكشف عن عمق الاستمرارية بين الماضي والراهن. نعم يمكن اعتبار التنقل بين المنصات الرقمية و"الترحال" بين المجتمعات الافتراضية شكلاً من أشكال البداوة الحديثة. من الناحية السلوكية، تكشف البداوة الحديثة عن خصائص واضحة في الفضاء الرقمي: سرعة التقلب في الاهتمامات: حيث ينتقل الأفراد بين موضوع وآخر، ومنصة إلى أخرى، بنفس سرعة ترحال القبيلة من موقع إلى آخر. البحث عن المكاسب السريعة: سواء في الشهرة والانتشار أو الربح المادي عبر التجارة الرقمية، مما يجعل الأفق قصير المدى ومشدودًا إلى اللحظة الآنية. التحالفات المؤقتة حيث تتشكل جماعات رقمية قصيرة العمر للتحالف حول حدث أو قضية، ثم تتفكك بمجرد انتهاء الحاجة، على غرار التحالفات البدوية القائمة على الضرورة أكثر من الاستقرار الطويل. وباختصار يظهر مفهوم البداوة الحديثة في العراق بوصفه تجليًا جديدًا لسمات البداوة التقليدية، لكنه يتشكل داخل فضاء رقمي يفرض أنماطًا جديدة من السلوك والانتماء. وإذا كانت البداوة قد قامت في الماضي على الولاء للقبيلة، والحذر من الغريب، والتنقل الدائم بحثًا عن الموارد، فإن هذه القيم تعود اليوم بصور مختلفة عبر المنصات الرقمية، لتمنح المجتمع العراقي مزيجًا متناقضًا من الفردانية والانتماء الجمعي، وكذلك الانفتاح والشك. هنا يمكن استدعاء نظرية الازدواجية الاجتماعية التي طرحها الدكتور علي الوردي، والتي يرى فيها أن الشخصية العراقية تتأرجح بين قيم البداوة وقيم الحضارة؛ فهي "بدوية" في موقف و"حضارية" في آخر. هذا التذبذب يتجلى بوضوح في شخصية "البدوي الرقمي العراقي"، فقد ينخرط الفرد في نقاش على وسائل التواصل بروح فردية متمردة، ثم يعود لينحاز بقوة إلى جماعته الافتراضية أو العشائرية في موقف آخر. وكأن العالم الرقمي يعيد إنتاج الازدواجية الورديّة، حيث يتيح للإنسان العراقي أن يعيش بين نزعتين متضادتين، لكنه في الوقت نفسه يجد فيهما نوعًا من التوازن النفسي والاجتماعي. أما على صعيد الصراع الاجتماعي، فإن الوردي اعتبر أن الصراع هو المحرك الأساسي للتطور. وإذا ما نظرنا إلى الفضاء الرقمي العراقي نجد أن الصراع بين القيم التقليدية (الولاء للعشيرة، الأعراف البدوية) والقيم الحديثة (الفردانية، الحرية الرقمية) يتجسد بوضوح في ساحات التواصل. وكما شهد العراق في تاريخه تمردات وثورات اجتماعية وسياسية، فإنه يشهد اليوم "ثورات هاشتاك" وحملات رقمية قادرة على زعزعة الخطابات السائدة، وتكشف عمق التوتر بين القديم والجديد. وفيما يتعلق بظاهرة الوعظ والتأثير الاجتماعي، فقد انتقد الوردي الوعظ الأخلاقي المجرد الذي لا يلامس واقع الناس. بالقياس إلى ذلك، يمكن النظر إلى الفضاء الرقمي العراقي حيث تنتشر خطابات وعظية أو توجيهية بكثرة، لكنها كثيرًا ما تُستقبل ببرود أو سخرية، لأنها بعيدة عن حاجات الناس الملموسة. وكأن الوردي يحذّر من هذا النمط قبل ظهوره، حيث يظل السؤال مطروحًا: ما جدوى خطاب لا يلامس الواقع الاجتماعي ولا يغيره؟ أما طبيعة العقلية العراقية كما حللها الوردي، فهي عقلية متقلبة، تميل إلى سرعة الانفعال والتحول بين المواقف المتناقضة. هذا ما نراه اليوم في سرعة تقلب العراقيين في اهتماماتهم الرقمية، وفي انتقالهم من تحالف إلى آخر، ومن منصة إلى أخرى، في مشهد يعكس "البداوة الرقمية" وكما ينتقل البدوي من مرعى إلى آخر، ينتقل الفرد الرقمي العراقي من موضوع إلى آخر، ومن قضية إلى أخرى، دون استقرار طويل. هذه المظاهر لا تقف عند حدود السلوك الفردي، بل تمتد إلى الاقتصاد الرقمي، حيث يظهر الميل إلى البحث عن المكاسب السريعة، من خلال التجارة الإلكترونية غير المنظمة أو الاستثمار في محتوى قصير الأمد. إنها صورة من "الترحال الاقتصادي" الذي لا يطمح إلى بناء طويل المدى بقدر ما يسعى إلى اقتناص الفرصة العابرة
إن البداوة الرقمية في العراق، رغم ما تحمله من تناقضات وصراعات، يمكن أن تُوجَّه نحو مسارات إيجابية إذا ما استُثمرت طاقاتها في بناء وعي جماعي جديد. فبدل أن تتحول القبلية الرقمية إلى أداة للتعصب والإقصاء، يمكن أن تصبح فضاءً للتضامن المجتمعي ومناصرة القضايا العادلة. كما أن نزعة البحث عن المكاسب السريعة قد تتحول إلى دافع لريادة الأعمال الرقمية والتجارة الإلكترونية المنظمة، إذا وُجد إطار قانوني وتشجيع مؤسسي. أما سرعة التقلب في الاهتمامات، فيمكن استثمارها في نشر ثقافة التعلم المستمر والانفتاح على مجالات جديدة بدلًا من الاقتصار على الترفيه والاستهلاك. وفي هذا السياق، يصبح دور الدولة والمجتمع المدني والتربية محوريًا في ترشيد استخدام المنصات الرقمية، بحيث تُعاد صياغة "البداوة الحديثة" لتكون طاقة إبداع وتواصل وبناء، لا مجرد إعادة إنتاج لصراعات الماضي. إن قراءة الواقع العراقي في ضوء أفكار علي الوردي تكشف أن البداوة لم تختفِ، بل استعادت حضورها في شكل بداوة رقمية هجينة، تنقل معها سماتها إلى الفضاء الافتراضي، وتعيد إنتاج الازدواجية والصراع والبحث عن المكاسب السريعة، في صورة تؤكد أن المجتمع العراقي ما يزال يعيد صياغة تاريخه في كل عصر، حتى ولو كان عصرًا رقميًا. وفي النهاية، يبقى العراق مسرحًا حيًا للصراع بين القديم والجديد؛ فالأجيال الأكبر سنًا تتمسك بالقيم التقليدية وتحذر من مخاطر الانفتاح الرقمي، بينما تنخرط الأجيال الشابة في العالم الافتراضي بوصفه مجالًا لبناء هويات جديدة. هذا التوتر يعيد إلى الأذهان ما وصفه الوردي بالصراع التاريخي بين البداوة والحضارة، لكنه يتخذ اليوم شكلًا أكثر حدة في ظل ثورة الاتصالات، حيث تتداخل العصبية القبلية مع القبلية الرقمية، ويعيش العراقي حالة ازدواجية مستمرة بين الولاء للجماعة والسعي وراء التحرر الفردي.








