الساعة الان

11:34 م

logo
الإفراج عن تسوركوف... تعريف جديد للعلاقات بين بغداد وواشنطن في معادلة الأمن الإقليمي

الإفراج عن تسوركوف... تعريف جديد للعلاقات بين بغداد وواشنطن في معادلة الأمن الإقليمي

الإفراج عن تسوركوف... تعريف جديد للعلاقات بين بغداد وواشنطن في معادلة الأمن الإقليمي

مراصد

14‏/9‏/2025، 10:37:04 ص

يشكل حادث اختطاف الباحثة الروسية - الإسرائيلية إليزابيث تسوركوف في بغداد (آذار 2023) وإطلاق سراحها لاحقا محطة بارزة في مسار التوازنات الأمنية والسياسية التي يعيشها العراق في علاقاته الداخلية والإقليمية والدولية. 

 

فقد أُعلن أن عملية الاختطاف نفذتها فصائل مسلّحة مرتبطة بإيران، في محاولة لاستخدامها كورقة ضغط في الملفات المتشابكة بين بغداد وواشنطن وطهران، ووفق ما ذكرت نيويورك تايمز، فقد "شكلت عملية الخطف اختبارا لمتانة مؤسسات الدولة العراقية وقدرتها على مواجهة نفوذ الجماعات المسلحة". تنبع أهمية هذه القضية من كونها حدثا يتجاوز الطابع الجنائي إلى كونه تقدير موقف أمني - سياسي متكامل، إذ كشف عن تفاعلات معقدة بين الحكومة العراقية، التي يقودها رئيس مجلس الوزراء محمد شياع السوداني وبين الفصائل المسلحة التي لطالما مثلت تحديا لسلطة سيادة القانون، كما أن اهتمام الولايات المتحدة الكبير بالقضية، بدءا من تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وصولا إلى تدخلات وزير الخارجية، أضفى عليها بعدا استراتيجيا ضمن العلاقات العراقية - الأمريكية.

 

▪︎ نموذج تحليلي

تقتضي دراسة حادثة اختطاف وإطلاق سراح إليزابيث تسوركوف نموذجا من التحليل النظري يجمع بين مقاربتين أساسيتين في العلوم السياسية، الأولى مقاربة سيادة الدولة أمام الفاعلين المسلحين على هامشها، والثانية، التوازنات الإقليمية - الدولية ، في الحالة العراقية، ظلت العلاقة بين الدولة والجماعات المسلحة تتأرجح بين الاستيعاب والردع والاحتواء، في ضوء هذا المنظور، يمكن النظر إلى عملية اختطاف تسوركوف باعتبارها نموذجا لما يمكن تسميته "التهديدات المركبة"، حيث تمتزج اعتبارات الأمن الداخلي مع الضغوط الإقليمية والدولية فقد ارتبطت الجهة المتهمة بالخطف "كتائب حزب الله" بديناميات إقليمية أوسع تتمثل في "محور المقاومة" بقيادة إيران، مما يجعل الحدث ليس مجرد فعل محلي بل انعكاسا لتوازنات إقليمية معقدة. وقال مصدر في فصيل كتائب "حزب الله"، لوكالة "فرانس برس" إن الإفراج عن تسوركوف جرى بشرط "تجنيب العراق أي صراعات"، وفيما لم يتبن الفصيل خطف تسوركوف، قال المصدر: "العملية التي جرت هي إطلاق سراح وليست تحرير، ولم تجرِ أي عملية عسكرية لتحريرها إنما أفرج عنها وفقاً لشروط وأبرزها تمهيد لانسحاب القوات الأميركية من دون قتال وتجنيب العراق أي صراعات وقتال".

 

23768-mask-militia-khz-700_496.webp


من جهة أخرى، يوفر منظور العلاقات الدولية الواقعية إطارا لتفسير سلوك الحكومة العراقية وهذا ما ظهر في تعاطي بغداد مع القضية، إذ اظهرت الحكومة كفاءتها الأمنية أمام الولايات المتحدة من جهة، دون الانزلاق إلى مواجهة مباشرة مع الفصائل المسلحة الموالية لإيران من جهة أخرى. بناء على هذه الأطر النظرية، يتضح أن اختطاف وإطلاق سراح تسوركوف يمثل حالة اعتبارية لفهم توازنات الدولة العراقية بين الداخل والخارج، فهو يكشف نجاح مساعي حكومة السوداني أمام الفاعلين غير الرسميين، لكنه في الوقت نفسه يبرز قدرتها على التكيف واستخدام أدوات السياسة الأمنية لإرضاء شركاء دوليين حاسمين مثل الولايات المتحدة، من دون أن تدخل في مواجهة مباشرة مع إيران ووكلائها. في هذا المنظور، تشير حادثة اختطاف الباحثة الإسرائيلية - الروسية إليزابيث تسوركوف في بغداد إلى تداخل عوامل أمنية وسياسية متشابكة في البيئة العراقية.

 

▪︎ دوافع الاختطاف

لم تكن تسوركوف مجرد باحثة أكاديمية، بل شخصية ذات حساسية سياسية، فقد ذكر موقعها الرسمي أن "أبحاثها تركز على المشرق، والانتفاضة السورية والحرب الأهلية" كما أن مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي أكد أنها "دخلت العراق بجواز سفرها الروسي"، ما يعكس وعيها بالمخاطر القانونية والسياسية، نظرا لكون التعامل مع الإسرائيليين محظورا في العراق. وكما أوضح تقرير  "المونيتور" ان "كتائب حزب الله مسؤولة عن عدد من الهجمات على القوات الأمريكية والسفارة الأمريكية في بغداد، وعليه، يمكن تفسير الخطف باعتباره رسالة مزدوجة لإظهار سطوة الجماعات المسلحة على الأراضي العراقية، واستخدامها كورقة مساومة في التفاعلات الإقليمية مع الولايات المتحدة وإسرائيل.

 

tsurkov-2016-pro-syria-demo-tel-aviv-640x400-1.jpg

 

▪︎ إطلاق سراحها

 أشار رئيس الوزراء محمد شياع السوداني إلى أن "إطلاق سراح تسوركوف كان نتيجة لجهود واسعة بذلتها أجهزتنا الأمنية على مدى أشهر طويلة" وأضاف في تغريدته على موقع "X " ان القوى الأمنية "تمكنت من الكشف عن مكان احتجازها، قبل تسليمها إلى السفارة الأمريكية"، هذه الرواية الرسمية تحاول تأكيد أن بغداد تمارس سيادة كاملة على أراضيها، وأن الأجهزة الأمنية قادرة على مواجهة تحديات الفصائل المسلحة. تكشف القراءة النقدية أن العملية قد تمت بوسائل سياسية معقدة، ربما بصفقة غير معلنة بين الحكومة وبعض الفصائل، ما يتطابق مع ما أشار إليه تقرير معهد الخدمات الملكية البريطاني"RUSI "، الذي أكد في دراسة له عن قرارات حكومة السوداني مواجهة "عصابات الكبتاغون" في لبنان، بانه "يظهر استعدادًا لاتخاذ إجراءات محدودة ضد الجماعات المدعومة من إيران، مع الحرص على عدم الظهور بمظهر المتحالف مع إسرائيل".

 

▪︎ دلالة التوقيت

لم تعلن الحكومة العراقية عن العملية فور وقوعها، فقد أوضحت بعض التحليلات أن "تأجيل الإعلان كان خطوة محسوبة لتجنب أي رد فعل سياسي في الداخل، خاصة بعد الحرب الإسرائيلية - الإيرانية لان هذا يبرز حساسية الموقف" إذ لا يمكن لبغداد أن تظهر وكأنها تخدم مصالح تل أبيب، بينما تحاول في الوقت نفسه طمأنة واشنطن على قدرتها الأمنية."

 

thumbs_b_c_7e929cef1e13a8dd9b5154fcdd8747a5.jpg

 

▪︎ قوة الدولة

يثير إطلاق سراح تسوركوف بعد أكثر من عامين من الاحتجاز غير القانوني، تساؤلات حول مدى سيطرة الدولة على الجماعات المسلحة، من جهة، يؤكد نجاح العملية قدرة الأجهزة الأمنية على استعادة رهينة في ملف شديد التعقيد. ومن جهة أخرى، يُظهر أن هذه الجماعات تملك من النفوذ ما يكفي لاحتجاز باحثة أجنبية لفترة طويلة، كما لاحظ أحد تقارير صحيفة فايننشال تايمز الامريكية ان التهديد الأمني الرئيسي يتمثل في أن الخطر الحقيقي الذي يواجه العراق لم يعد الإرهاب التقليدي، بل شبكات المافيا العراقية المرتبطة بفصائل سياسية مسلحة. إجمالا، يظهر التحليل الموضوعي أن حادثة اختطاف تسوركوف لم تكن معزولة، بل جزءا من المعادلة العراقية المعقدة بين الدولة والفصائل، فقد خُطفت لأنها إسرائيلية - روسية، ولأن وجودها شكل فرصة لفصيل مسلح لتوجيه رسالة سياسية، وكذلك أُطلق سراحها في إطار جهود أمنية وسياسية هدفت إلى تعزيز صورة الحكومة أمام واشنطن، لكن دون الدخول في مواجهة مباشرة مع إيران أو حلفائها.

 

▪︎ الموازنة بين الضغوط

في النهاية، يبدو أن السوداني قد نجح في ممارسة سياسة الموازنة المعتادة بين واشنطن وطهران، فمن جهة، حافظ على علاقة عمل مع الولايات المتحدة عبر التعاون الأمني في ملف حساس، ومن جهة أخرى تجنب الدخول في مواجهة مباشرة مع كتائب حزب الله عبر تقديم الإفراج كإنجاز أمني داخلي. وهنا يصدق وصف المعهد الملكي للخدمات البحثية بأن "بغداد تستخدم إجراءات انتقائية ضد الميليشيات كرسائل إلى واشنطن، دون أن تعني بالضرورة تحولًا استراتيجيًا في العلاقة مع إيران"
في هذا السياق، يمكن اعتبار إطلاق سراح الباحثة إليزابيث تِسوركوف من قِبل جهاز الأمن العراقي، بعد 903 يومًا من الأسر، قد شكل اختبارا حقيقيا لديناميكيات العلاقة بين بغداد وواشنطن على الأصعدة الأمنية والدبلوماسية، حيث يُعد وصف تغريدة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب اعلانا رسميا ومباشرا عن دعم بلاده بقوله "يسرني أن أبلغ أن إليزابيث تِسوركوف ... الآن بأمان في السفارة الأمريكية في العراق بعد أن تعرضت للتعذيب لعدة أشهر". هذا التصريح وصفته الواشنطن بوست بانه لم يكن مجرد إعلان إعلامي، بل رسالة دعم يعبر بها البيت الأبيض عن تقديره لجهود الحكومة العراقية، ما يعزز من الثقة المتبادلة، وتأكيدا لذلك، لا يمكن إغفال زيارة آدم بوهلر، المبعوث الخاص للرهائن، إلى العراق في شباط 2025، من أجل الدفع قدما بملف تِسوركوف ،هذا التواجد البارز يوحي بأن واشنطن لم تتعامل مع الحدث كأمر عرضي، بل كأولوية في جدولها السياسي، مما عزز من أبعاد التعاون الثنائي، حيث تشير التقارير إلى أن تسليم تِسوركوف إلى السفارة الأمريكية تم بالتفاوض وليس عبر عملية عسكرية، وتتضمن شروطًا مثل "استمرار انسحاب القوات الأمريكية من العراق" وعدم تنفيذ ضربات على الأراضي العراقية من قِبل واشنطن أو إسرائيل ،كما تقول صحيفة بوليتكيو، وتصف  هذا النموذج من التفاوض الدبلوماسي - الأمني  بكونه يعزز من مكانة العراق كشريك يمكن الوثوق به، وقادر على تسيير الملفات الحساسة ضمن الحفاظ على سيادته.

 

تسوركوف.jpg


شرعية سياسية ومصداقية أمام الرأي العام الدولي
نجاح الحكومة في حل أزمة تِسوركوف بشكل ودي يشير إلى قدرة العراق على أن يكون "شريكا جديا" للولايات المتحدة، إذ من المرجح أن يقوم العراق، بالتعاون مع الشريك الأمريكي، ببناء منظومة دعم اقتصادي وأمني بعد الأزمة، خاصة في ظل استمرار التحديات كملف الانسحاب وسيناريوهات التمويل الدولي المرتقب. يُظهر إطلاق سراح تِسوركوف قوة الجهوزية الأمنية العراقية وذكائها السياسي في إدارة أزمة تهدد استقرار البلاد، كما أنه وسيلة فعالة لإعادة بناء الثقة بين بغداد وواشنطن، وتمهيد الطريق لتعزيز التعاون في المجالات الأمنية والاقتصادية والدبلوماسية.

 

▪︎ استشراف مستقبلي  

ابرزت حادثة اختطاف إليزابيث تسوركوف كيف تستثمر بعض الجماعات المسلحة عمليات الخطف كورقة ضغط على الحكومة العراقية وعلى العلاقات مع القوى الدولية، وهو ما أكدت عليه تقارير مثل صحيفة الغارديان البريطانية بقولها "هذه القضية أبرزت حدود سلطة الدولة العراقية أمام الفصائل المسلحة". لذلك لابد من تعزيز التنسيق الأمني - الدبلوماسي وضرورة إنشاء آلية مؤسسية دائمة بين الأجهزة الأمنية العراقية ووزارة الخارجية لتنسيق الاستجابة لحوادث الخطف، بما يضمن الجمع بين الردع الأمني والقنوات السياسية. كما ينبغي على بغداد المضي قدما في إدماج الفصائل ضمن مؤسسات الدولة أو تحجيم نفوذها، بما يمنع استخدامها لملف الرهائن كورقة ابتزاز سياسي أو تفاوضي، وعلى خط مواز ، تقوية الشراكة مع الولايات المتحدة، لان الإفراج عن تسوركوف يمكن ان يوفر أرضية لتعزيز التعاون الاستخباراتي والأمني مع واشنطن، وينبغي للعراق استثماره لإطلاق برامج تدريب ودعم تقني لرفع كفاءة أجهزته الأمنية، وكل هذا يعمل على تحسين صورة العراق دوليا ، وان تستثمر بغداد هذه الحادثة في الدبلوماسية العامة عبر خطاب إعلامي يبرز التزامها بحقوق الإنسان وحماية البعثات الأجنبية والباحثين الدوليين. كما لا بد من معالجة جذور الاختطاف من خلال العمل على معالجة الأسباب البنيوية التي تسمح بانتشار الخطف، وهو ما يتطلب رؤية إصلاحية متكاملة تتجاوز الحلول الأمنية. خلاصة القول، حادثة تسوركوف لم تكن مجرد أزمة رهينة، بل محطة مفصلية لإعادة تعريف العلاقة بين بغداد وواشنطن، ولإبراز الحاجة إلى إصلاحات جذرية في بنية الأمن والسياسة العراقية.

جميع الحقوق محفوظة | © 2024 مراصد

برمجة وتطويرID8 Media