الساعة الان

11:53 م

logo
لبنان ونزع سلاح حزب الله... إستحقاقات الدولة بين الضغوط الخارجية والإنقسام الداخلي

لبنان ونزع سلاح حزب الله... إستحقاقات الدولة بين الضغوط الخارجية والإنقسام الداخلي

لبنان ونزع سلاح حزب الله... إستحقاقات الدولة بين الضغوط الخارجية والإنقسام الداخلي

مراصد

17‏/9‏/2025، 11:33:51 ص

يمثل موضوع حصر سلاح حزب الله من قبل الجيش اللبناني أحد أبرز التحديات الأمنية والسياسية في لبنان الحديث، ويشكل اختبارا حاسما لسيادة الدولة وقدرتها على فرض القانون والنظام داخل أراضيها. 

 

على الرغم من نجاح الجيش اللبناني في الحفاظ على استقرار نسبي على الحدود الجنوبية، لا تزال هناك عقبات سياسية وميدانية تجعل من تنفيذ أي خطة حازمة أمرا معقدا، خصوصا أمام قوة حزب الله العسكرية ونفوذه السياسي والاجتماعي العميق. ولغرض تقدير الموقف حول فرص خطة الجيش اللبناني لحصر سلاح حزب الله، ينبغي تحليل القدرات العسكرية والسياسية، وتلك العوامل التي يمكن أن تؤدي إلى تحقيق سيادة الدولة اللبنانية، أو على العكس، استمرار نفوذ الحزب في تعطيل جهود الدولة وإبقاء لبنان في دائرة هشاشة سياسية وأمنية واقتصادية.

 

▪︎ تحليل القدرات العسكرية والسياسية 

تتمثل قدرة الجيش اللبناني على حصر سلاح حزب الله في عدة أبعاد أساسية : 
الأول: البعد العسكري، الذي يشمل الهيكل التنظيمي للجيش، جاهزيته، عتاده، وتدريبه، إلى جانب تجربته في العمليات الحدودية وإدارة الأزمات. الجيش حافظ على قدراته خلال الصراعات السابقة مع حزب الله، وتمكن من السيطرة على مواقع استراتيجية في الجنوب ومنع انتشار النزاعات إلى العاصمة، مع الحفاظ على التوازن بين فرض الأمن وتجنب التصعيد العسكري الكبير.
الثاني: البعد السياسي الداخلي، حيث يعتمد نجاح الخطة على إرادة القيادة السياسية اللبنانية وإجماع المؤسسات الدستورية حول فرض سلطة الدولة على كامل الأراضي. رئيس الجمهورية، بوصفه القائد الأعلى للقوات المسلحة، ورئيس الحكومة، يمثلان محور القرار السياسي في دعم الجيش وتوفير الغطاء القانوني والمالي اللازمين.

 

6804c6e3423604141a5c44ce (1).jpg


الثالث: البعد القانوني والدستوري، الذي يمنح الجيش الحق في تنفيذ مهام عسكرية ضد أي قوة مسلحة خارج إطار الدولة، وفقًا للمادة 69 من الدستور اللبناني وقانون الدفاع الوطني. هذه الشرعية القانونية تجعل أي تدخل من الجيش مشروعًا أمام المجتمع الدولي، وتحد من مبررات حزب الله لرفض أي إجراءات للجيش على الأرض.
علاوة على القدرات العسكرية والسياسية، يعتمد نجاح الجيش على قوة المؤسسات الأخرى، مثل الأجهزة الأمنية والاستخباراتية، لدعم العمليات الميدانية بالمعلومات الدقيقة حول مواقع الترسانة، هياكل القيادة، والقدرات اللوجستية لحزب الله، إضافة إلى تعزيز ثقة المجتمع المحلي بالدولة اللبنانية كجهة شرعية وحيدة لممارسة القوة.

 

▪︎ نموذج السيطرة

تمثل السيطرة على السلاح خارج سلطة الدولة أحد أهم التحديات التي تواجه الجيش اللبناني منذ عقود، لا سيما في الجنوب اللبناني والمناطق الخاضعة لتأثير حزب الله. يهدف الجيش من خلال خطته الحالية إلى فرض سيادة الدولة على كامل الأراضي اللبنانية، وحصر السلاح في أيدي القوى الرسمية، مع التركيز على الجمع بين القوة العسكرية والشرعية الدستورية. ويعتمد الإطار الأمني والعسكري على عدة ركائز أساسية:
- تحديد مناطق النفوذ والسيطرة: يركز الجيش على مناطق جنوب لبنان التي تشهد تواجدًا مكثفًا لحزب الله، خاصة القرى الحدودية والمناطق القريبة من خط الحدود الدولية المعروف بخط "اللون الأزرق". ويستند الجيش في ذلك إلى خرائط دقيقة للأماكن التي تحتوي على أنفاق، مستودعات أسلحة، ومراكز عمليات لوجستية للميليشيا، مع ترتيب أولويات التدخل وفق خطورة الموقع وتأثيره على الأمن الوطني.
- استخدام قوة الردع المركزة: يعتمد الجيش على قواته النظامية المدربة والمنتشرة في نقاط استراتيجية لضمان السيطرة على المعابر والطرق الحيوية، مع تجهيز وحدات استطلاع متقدمة لرصد تحركات الميليشيات. وقد جرب الجيش في السنوات الماضية تنفيذ دوريات مشتركة مع قوات الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (اليونيفيل)، ما عزز قدرته على المراقبة والاستجابة السريعة لأي خروقات محتملة.
- إجراءات جمع المعلومات الاستخباراتية: يشكل التعاون بين الجيش والأجهزة الاستخباراتية المحلية والإقليمية عنصرا أساسيا، بما يشمل الرصد التقني للأنفاق وأنظمة الاتصالات، وتحليل تحركات عناصر حزب الله، وتقدير حجم المخزون العسكري، بما يتيح تخطيط عمليات دقيقة تقلل من المخاطر على القوات وتحد من الخسائر.

 

1635346489703170800.jpg.webp


- التنسيق مع المجتمع الدولي: يعد الإطار العسكري مشروطا بدعم سياسي ودولي، لا سيما من الولايات المتحدة وفرنسا ودول الخليج، لتوفير الغطاء السياسي واللوجستي والمالي للعمليات. من دون هذا الدعم، قد تواجه العمليات مقاومة سياسية ودبلوماسية من حزب الله وحلفائه، إضافة إلى اعتراضات على نطاق أوسع قد تشمل مجلس الأمن الدولي.
- مراعاة الحساسية المجتمعية والسياسية: أي تدخل عسكري مباشر يحتاج إلى التوازن بين فرض السيطرة وحماية المدنيين، تفادي الانزلاق إلى صراع داخلي واسع، والحفاظ على الشرعية الدستورية. لذلك، يخطط الجيش لتنفيذ العمليات تدريجيًا، مع اعتماد نهج تدريبي وتحذيري للحد من التصعيد، وضمان القدرة على فرض الأمن دون الدخول في مواجهات واسعة مع الحزب.

 

▪︎ تحليل الدور الإقليمي والدولي 

يشمل تحليل أصحاب المصالح في خطة حصر سلاح حزب الله عدة مستويات :
أولا- إيران : تعد أبرز صاحب مصلحة مباشر، باعتبارها الراعي الرئيس لحزب الله. تمتلك طهران قدرة على التمويل العسكري، نقل الأسلحة، وتقديم الدعم الاستخباراتي للحزب. يتجسد هدف إيران الأساسي في الحفاظ على قدرة حزب الله على الردع مقابل إسرائيل وضمان استمرار نفوذها في لبنان والمنطقة، وأي خطة لحصر السلاح تهدد هذا النفوذ، بالتالي ستعمل إيران على استخدام أدواتها المختلفة، بما في ذلك، الضغط السياسي عبر حلفائها في البرلمان والحكومة اللبنانية، فضلا عن دعم لوجستي وعسكري لحزب الله لإعادة تسليح أجزائه أو التأثير على مناطقه الحيوية، واستخدام النفوذ الإعلامي والإقليمي لتشويه صورة الجيش اللبناني والداعمين الدوليين.
ثانيا - إسرائيل : تنظر إلى حصر سلاح حزب الله على أنه مصلحة استراتيجية أساسية لضمان أمن حدودها الشمالية مع لبنان. إسرائيل قادرة على مراقبة أي محاولة لحصر السلاح عن طريق أجهزة استخبارات متقدمة، اما الالتزام أو عدم الالتزام الكامل بالانسحاب من جنوب لبنان ، فيبدو انه يعتمد على تقديرها لنجاح الجيش اللبناني في فرض السيطرة على المنطقة، خصوصا في ضوء أي تهديدات مستقبلية من حزب الله، واي انسحاب من جنوب لبنان يجب أن يكون متزامنًا مع ضمانات أمنية للحد من اختراقات حزب الله، وإلا ستعارض أي خطوة قد تترك فراغًا عسكريًا.

 

435fff0f-ced0-47a4-979d-582d1f653db6 (1).webp


ثالثا - الولايات المتحدة ودول الخليج : تمثل حاضنة دولية مهمة لدعم الجيش اللبناني، حيث تستخدم هذه الدول نفوذها لتقديم المساعدات العسكرية والمالية، وتفعيل الضغط السياسي على الحكومة اللبنانية لتمكين الجيش من تنفيذ الخطة. تشمل أدواتهم في تقديم الدعم المالي المباشر لتعزيز قدرات الجيش على الانتشار والمراقبة واستخدام القوة الدبلوماسية لفرض شروط تتعلق بتطبيق الإصلاحات الأمنية والسياسية، إضافة الى تهديد بتجميد المساعدات في حال ضم عناصر موالية لحزب الله للحكومة أو تأخر تنفيذ خطة حصر السلاح..
رابعا -  فرنسا والاتحاد الاوربي : تلعب باريس دورا مزدوجا، إذ تجمع بين الدعم السياسي للجيش اللبناني وحرصها على الاستقرار في لبنان، اما أوروبا بشكل عام تركز على تقديم مساعدات مالية وإنسانية مشروطة بالشفافية والالتزام بالقانون الدولي من خلال دعم الحلول السياسية التي تعزز سيادة الدولة اللبنانية وتحد من نفوذ الجماعات المسلحة خارج منظومة الدولة، والعمل مع الأمم المتحدة لتقوية آليات مراقبة السلاح، بما يشمل دعم دور UNIFIL في الجنوب، والتنسيق مع الجيش اللبناني.
في هذا السياق، يبدو الموقف الإقليمي والدولي وتأثيره على الخطة واضحا عبر شبكة أصحاب المصالح تؤثر على نجاح الخطة او فشلها بشكل مباشر وغير مباشر في أدوار كل حسب مصلحته، مثلا ينصب الدعم الدولي القوي والمتواصل يعزز قدرة الجيش على العمل باستقلالية وفرض سيادته على الأراضي اللبنانية إيجابيا على هذه الخطة، فيما التداخل الإقليمي، خصوصًا وجود إيران وحزب الله، قد يعيق التنفيذ من خلال استراتيجيات مقاومة غير مباشرة مثل الضغط السياسي، الاحتجاجات الشعبية، أو الهجمات المحدودة.

 

▪︎ الاحتمالات المستقبلية 

يمكن تصور أربعة سيناريوهات رئيسية:
- النجاح الكامل: الجيش اللبناني ينفذ الخطة بفعالية، بدعم دولي مستمر، وحزب الله يُجبر على نزع جزء كبير من ترسانته أو الاحتكام للتفاوض. يؤدي ذلك إلى استعادة الدولة سلطة كاملة على جنوب لبنان، تعزيز الاقتصاد، ورفع ثقة المجتمع الدولي بالقيادة اللبنانية.
- نجاح جزئي: الجيش ينجح في مناطق محددة، بينما يحتفظ حزب الله ببعض القدرات المخفية. الدولة تفرض سيطرتها جزئيًا، مع استمرار النفوذ السياسي للحزب في الحكومة والمناطق الجنوبية.
- الفشل المقنن: الجيش يواجه مقاومة مستمرة، والدعم الدولي محدود أو مشروط، وحزب الله يحتفظ بأسلحته دون عقاب. يؤدي ذلك إلى استمرار شبه دولة مسلحة داخل الدولة اللبنانية، مع مزيد من الانقسام الداخلي وإضعاف المؤسسات.
- تصعيد مسلح: أي خطوة خاطئة أو ضعف التنسيق قد تؤدي إلى مواجهة مباشرة، تستفيد منها إيران لتعزيز نفوذها، وتزيد التوترات الإقليمية. هذا السيناريو يمثل أكبر خطر على الأمن والاستقرار في لبنان والمنطقة.
فالسيناريوهات المحتملة، التي تتراوح بين النجاح الكامل والفشل الكامل، تعكس التحديات المعقدة التي تواجه الدولة اللبنانية في سعيها لاستعادة سيادتها وترسيخ سلطة مؤسساتها على كامل أراضيها تشمل :
أولا - تفعيل الجيش كأداة دولة مركزية يمثل حجر الزاوية لأي عملية تهدف إلى إعادة فرض سيادة الدولة على الجنوب اللبناني، ومواجهة أي ممارسات مسلحة خارج نطاقها. ولتحقيق ذلك، يحتاج الجيش إلى دعم دولي مستدام، سياسيًا وماليا وتقنيا، مع الحفاظ على استقلاليته في اتخاذ القرارات العملياتية، وهو ما يضمن عدم تحويل الخطة إلى أداة نفوذ خارجية تحد من مصداقية الدولة اللبنانية.
ثانيا - يشكل حزب الله العامل الأكثر تحديًا أمام نجاح الخطة، ليس فقط بسبب ترسانته العسكرية، بل أيضا بقدرته على توظيف النفوذ السياسي والمجتمعي لتعطيل جهود الدولة. ومع ذلك، تتوفر فرصة استثنائية لإعادة ضبط المعادلة في الضغط المتواصل من المجتمع الدولي، مع تشديد الرقابة على إيران ودعم سياسات نزع سلاح الحزب، يمكن أن يدفع إلى تفاهمات أو تنازلات محدودة تفتح المجال أمام الدولة لاستعادة سيطرتها على مناطق واسعة.

 

158948d99f2e5d3ba8698faf627b4d72.webp


ثالثا - التوافق بين الولايات المتحدة، فرنسا، والسعودية، إلى جانب إشراف المجتمع الدولي على التزامات إسرائيل بالانسحاب الكامل من الجنوب، يعزز من فرص النجاح، ويقلل من مساحة المناورة أمام حزب الله. بالمقابل، أي ضعف في التنسيق الدولي أو تراجع الالتزام الأميركي أو الأوروبي قد يفتح المجال أمام الحزب لاستغلال الفراغ السياسي والعسكري لمواصلة سيطرته على الجنوب.
رابعا - لا يمكن إغفال البعد الاقتصادي والاجتماعي، فنجاح الخطة يرتبط ارتباطا وثيقا بالقدرة على تقديم حلول اقتصادية وسياسية ملموسة تترجم قوة الدولة على الأرض إلى تحسين حياة المواطنين. 
وأخيرا، تضع خطة حصر سلاح الدولة اللبنانية أمام اختبار استراتيجي يعكس مدى قدرتها على التحول من كيان ضعيف مُعرض للضغوط الداخلية والخارجية إلى دولة سيادية قادرة على فرض القانون وإدارة مواردها بما يخدم مصالح شعبها. وإذا نجحت الدولة اللبنانية في تنفيذ هذه الخطة، ستكون قد أرسلت رسالة قوية لكل الأطراف الإقليمية والدولية، مفادها أن لبنان قادر على استعادة سيادته ومقاومة المحاولات المتكررة لاستغلال هشاشته السياسية والأمنية. وإذا فشلت، فإن العواقب لن تقتصر على استمرار النفوذ المسلح لحزب الله، بل ستتفاقم أزمة الثقة بالمؤسسات اللبنانية، وستتواصل حلقات الفشل السياسي والاقتصادي التي أرهقت البلاد لعقود.

جميع الحقوق محفوظة | © 2024 مراصد

برمجة وتطويرID8 Media