
أزمة تقاسم المياه... افتتاح سد النهضة الإثيوبي يعيد الصراع على نهر النيل الى الواجهة

مراصد
19/9/2025، 1:49:24 م
أثار افتتاح سد النهضة الإثيوبي، وهو أكبر سد في أفريقيا، قلق جارتيها السودان ومصر حول آثار السد السلبية على تدفق مياه نهر النيل إليه، فيما سيفتح الباب أمام إثيوبيا لتوليد الطاقة الكهرومائية ومضاعفة انتاجها من الطاقة.
ويشكل افتتاح سد النهضة الإثيوبي الكبير " GERD "، الذي استغرق بناؤه 14 عاماً نقطة تحوّل في ملفات المياه والطاقة والسياسة في حوض نهر النيل، خاصة مع تخوف مصر والسودان من تبعات إنشاء السد الإثيوبي عليهما. ويعتبر سد النهضة أكبر سدّ في أفريقيا، يبلغ عرضه 1800 متر، وارتفاعه 175 متراً، ويمكنه حجز ما يصل إلى 74 مليار متر مكعب من المياه في خزان يغطي مساحة أكبر من مساحة مدينة لندن.
▪︎ زيادة في الطاقة الكهرومائية
بُني السدّ على النيل الأزرق، أحد روافد نهر النيل الرئيسية، ويولّد طاقة كهرومائية متجددة منذ أوائل عام 2022، إذ بدأ التشغيل الأولي للسد قبل نحو ثلاثة أعوام بتشغيل التوربين الأول لتوليد الطاقة الكهربائية، ومن ثم تم تشغيل توربين ثانٍ بعد أشهر قليلة. وعند اكتمال تشغيل السد بالكامل من المتوقع أن يُضاعف الطاقة الكهربائية الحالية لإثيوبيا، إذ لا يحصل حوالي نصف سكان البلاد على طاقة كهربائية ثابتة مستمرة، ما يدفع بالكثيرين إلى الاعتماد على استخدام طاقة تقليدية غير نظيفة مثل الخشب والفحم والغاز.

▪︎ إجراء أحادي
تعتبر مياه نهر النيل الأزرق شريان الحياة بالنسبة لدولتي المصب مصر والسودان، حيث تزداد المخاوف من انخفاض مستوى مياه النهر، فقد حذّرت دراسة نُشرت في عام 2019 بمجلة "مستقبل الأرض" من أن الطلب السنوي على المياه في حوض النيل قد يتجاوز كمية المياه المتاحة بانتظام بحلول عام 2030. ووصفت مصر والسودان قرار إثيوبيا بإنشاء سد النهضة بأنه "إجراء أحادي" هدفه السيطرة على مياه النهر، وأثار ذلك مخاوف من أثر السدّ على تدفق المياه إلى البلدين، ودعتا إلى إدارة مشتركة للنهر. بالمقابل سعى آبي أحمد علي، رئيس الوزراء الإثيوبي إلى التقليل من هذه المخاوف، مؤكداً أن سد النهضة الإثيوبي الكبير "لا يشكل تهديداً"، وأكد أن السد الجديد سيساعد في السيطرة على الفيضانات الكارثية التي تضرب شرق السودان بانتظام، وسيولّد الكهرباء للتصدير في منطقة القرن الأفريقي، مما يُعزز جهود خطط التنمية الإقليمية للاتحاد الأفريقي. وكانت إثيوبيا قد وقعت عقوداً للكهرباء مع كينيا والسودان وجيبوتي، وتُجري مناقشات مع دول مجاورة أخرى. وقال آبي في خطاب أمام البرلمان في يوليو تموز الماضي: "لا تزال إثيوبيا ملتزمة بضمان ألا يأتي نمونا على حساب إخواننا المصريين والسودانيين، نحن نؤمن بالتقدم المشترك، والطاقة المشتركة، والمياه المشتركة".
▪︎ سلامة السد قضية اساسية
ستكون السودان أول من يشعر بآثار سد النهضة سواء أكانت إيجابية أم سلبية، إذ يعتمد السكان على النهر كمصدر أساسي لمياه الشرب والزراعة. وبهذا الصدد يرى كيفن ويلر، الباحث المشارك في معهد التغير البيئي بجامعة أكسفورد، أن السودان سيواجه مخاطر حقيقية نظراً لوقوعه مباشرةً أسفل السد، وقال في مقابلة مع " DW "، إنه بينما سيساعد السد في تنظيم الفيضانات، سيحرص السودان على ضمان عدم إطلاق الجانب الإثيوبي لكمية كبيرة أو قليلة جداً من المياه دفعة واحدة، وأضاف: "التنسيق اليومي هو القضية الرئيسية، وبالطبع، سلامة السد قضية أساسية". وبعد مروره عبر السودان، ينضم النيل الأزرق إلى نهر النيل ويتجه شمالاً نحو مصر، التي تعتمد على النهر بنحو " 90 % " من مياهها، كما أن النمو السكاني الكبير في مصر وندرة المياه يجعلانها تتمسك بحاجتها للمياه. وهنا يرى ويلر أن استخدام سد النهضة لتوليد الكهرباء يصب في "مصلحة مصر العليا"، ويعني بذلك أن مياه النهر ستستمر في التدفق إلى مجرى النهر بعد مرورها عبر توربينات التوليد، بدلاً من بقائها في إثيوبيا لاستخدامها في الري.

▪︎ صراع طويل الأمد
والمشكلة الرئيسية التي تواجه مصر من وجهة نظر ويلر، هي أن إثيوبيا قررت بناء السد دون التوصل إلى اتفاقيات مع الدول المجاورة أولاً. وأكد الباحث ويلر أنه منذ أن بدأت إثيوبيا بناء أول سد رئيسي لها عام 2011، سعت مصر والسودان إلى إبرام اتفاق يضمن تدفق المياه، وتنسيق العمليات، وتدابير السلامة، وآلية قانونية لحل النزاعات، لكن جميع المحاولات باءت بالفشل. أزمة حوض النيل ليست جديدة، وتتمحور حول تقاسم دول الحوض لمياه النهر والاستفادة منها، وتحولت من أزمة سياسية إلى أزمة عاطفية بين شعوب المنطقة أيضاً. من جهته.. قال توبياس زومبراغل، الباحث في جامعة "هايدلبرغ" الألمانية: "هذا النزاع "حول مياه نهر النيل" له تاريخ طويل يمتد لقرن تقريباً، ولذلك فهو ذو طابع عاطفي عميق، ليس فقط بين القيادات السياسية للدول المعنية، بل أيضاً بين شعوبها"، ما يجعل من التوصل إلى تسوية أمراً صعباً على حدّ تعبيره. ووصف زومبراغل مشروع سد النهضة الإثيوبي الكبير بأنه "مشروع مرموق يحمل رمزية قوية لبناء الأمة والفخر"، وهذا المشروع هو الأول في سلسلة من السدود الكهرومائية المحتملة التي تخطط إثيوبيا لإقامتها على النيل الأزرق، كما تدرس استخدام بعض مياه النهر فوق سد النهضة للري.
وبالعودة إلى عقبات التوصل إلى اتفاق بين دول حوض النيل، يرى ويلر أن "العقبة الأكبر هي أن تقرر دول المنبع ومنها إثيوبيا استهلاك المزيد من مياه النهر، وهو ما لا ترغب فيه مصر، وستحاول بحسب ويلر منع إثيوبيا من استهلاك كميات إضافية من المياه".
▪︎ إضافة نوعية في الطاقة المتجددة
تمتلك إثيوبيا إمكانات ضخمة واستثنائية في مجال الطاقة المتجددة، مثل طاقة الرياح والطاقة الشمسية، وسد النهضة سيشكل إضافة نوعية لإمكاناتها في هذا المجال. ويرى زومبرغيل، الباحث في جامعة "هايدلبرغ"، أنه "من المنطقي أن تستغل البلاد إمكاناتها الاستثنائية في مجال الطاقة الكهرومائية من خلال مشروع سد النهضة الإثيوبي الكبير". وقال زومبراغل لـ " DW"، "يمكن للطاقة الكهرومائية أن توفر خدمات قيّمة لاستقرار شبكة الكهرباء، وأن تمكّن من تصدير الكهرباء إقليمياً بطرق لا يمكن للطاقة الشمسية وطاقة الرياح وحدهما تحقيقها بسهولة دون حلول تخزين واسعة النطاق".
ويوافقه الرأي ويلر الذي قال: "إنه حقاً مستوى مختلف لإنتاج الطاقة، ويتم توليدها جميعاً من موقع واحد"، موضحاً أنه في حالة طاقة الرياح والطاقة الشمسية التي يتم توليدها من أماكن عديدة ستظهر مشكلات صيانة أكثر تعقيداً.

▪︎ آثار تغير المناخ
لكن آثار تغير المناخ المتمثل بهطول الأمطار غير المتوقع، والجفاف الطويل، وارتفاع درجات الحرارة ستفاقم من صعوبة توليد الطاقة الكهرومائية في العقود القادمة، ولكن يرى ويلر أن هذا الأمر لا ينطبق على إثيوبيا، حيث تُظهر معظم التوقعات لحوض النيل زيادة في متوسط هطول الأمطار، وقد تتخللها فترات جفاف أطول. ومع ذلك يمكن لسد النهضة الإثيوبي الكبير والسد العالي في أسوان أن يساعدا في التخفيف من بعض تحديات المناخ بحسب باحثين في مجال المناخ، فمعدلات التبخر في المرتفعات الإثيوبية أقل بكثير منها في مناخ مصر الجاف والصحراوي، وإذا عمل كلا الخزانين معاً، فيمكنهما ضمان توفير مياه كافية لاحتياجات البلدين.
ويعتقد ويلر أن المياه المُخزّنة في المنبع في إثيوبيا يُمكن أن تُستخدم لمساعدة مصر والسودان في أوقات الشح المائي، وقال: "قد يصبح دور السدود بالغ الأهمية، تماماً كما يُدير سد أسوان الجفاف في مصر"، وأضاف: "إن أي سدود داخل النظام ستساعد في إدارة مخاطر سنوات الجفاف لدول المصب". ومع ذلك يرى بأن أحد المخاوف تكمن في مدى السرعة التي تقرر بها إثيوبيا إعادة ملء خزان سد النهضة الذي استنزف بسبب الجفاف لإعادة تشغيل التوربينات وتوليد الكهرباء، فقد يؤدي إعادة الملء بسرعة إلى نقص المياه في دول المصب وإطالة فترة الجفاف.
▪︎ رد الفعل المصري
أكدت مصر في أول رد فعل لها على افتتاح سد النهضة الإثيوبي، بأنها لن تسمح للمساعي الإثيوبية بالهيمنة على إدارة الموارد المائية بصورة أحادية.
وذكرت وزارة الخارجية المصرية في بيان لها، أنها تحتفظ بحقها في اتخاذ جميع التدابير المكفولة بموجب القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة للدفاع عن المصالح الوجودية لشعبها، مشددة على أن أية تصورات مغلوطة بأن القاهرة قد تغض الطرف عن مصالحها الوجودية في نهر النيل هي محض أوهام، وأن مصر متمسكة بإعمال القانون الدولي في نهر النيل. ووجهت مصر ممثلة في وزير الخارجية بدر عبد العاطي، خطابا إلى رئيس مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة في 9 سبتمبر أيلول الحالي، جاء فيه "إثر التطورات الأخيرة في النيل الأزرق وتنظيم إثيوبيا لفعالية الإعلان عن انتهاء وتشغيل سدها المخالف للقانون الدولي"، وفق بيان الخارجية المصرية. وأوضح عبد العاطي، وفق البيان، أنه "رغم كل المساعي الواهية لمنح السد الإثيوبي غطاء زائفا من القبول والشرعية، إلا أن السد يظل إجراءً أحاديا مخالفا للقانون والأعراف الدولية ولا ينتج عنه أية تبعات من شأنها التأثير على النظام القانوني الحاكم لحوض النيل الشرقي طبقا للقانون الدولي، فضلا عما تمثله التصرفات الإثيوبية الأخيرة من خرق جديدٍ يضاف إلى قائمة طويلة من الانتهاكات الإثيوبية للقانون الدولي، بما في ذلك البيان الرئاسي لمجلس الأمن الصادر في 15 سبتمبر 2021".

▪︎ موقف السودان
قال وزير الزراعة والري السوداني عصمت قرشي لقناة الجزيرة القطرية، إن إثيوبيا غير جادة في دعوتها السودان ومصر لحضور مراسم تدشين سد النهضة، لأنها ظلت ترفض توقيع اتفاق ملزم لتشغيل السد يحفظ للدولتين حقوقهما المائية، وتجنب أي آثار سلبية محتملة جراء التشغيل، بينما ستستمر الخرطوم في موقفها بضرورة توقيع اتفاق ملزم.
وأوضح الوزير السوداني، أن " أديس أبابا ظلت تسعى لضرب التنسيق بين الخرطوم والقاهرة، وكان آخرها مزاعم عن تسريب وثيقة اتفاق مع السودان بشأن تشغيل السد وقعت في العام 2022". وتساءل القرشي: "حتى لو كان هناك اتفاق موقع أو غير ذلك، فهل التزمت به إثيوبيا؟"، مؤكداً أنها "تسببت في إضرار بلاده من خلال تفريغ مياه سد النهضة عبر بوابات المفيض، وكذلك انحسار مياه النيل الأزرق بصورة كبيرة في فترة سابقة، إلى جانب التعقيدات في تشغيل سد "الروصيرص" السوداني القريب من الحدود الإثيوبية، مما يؤكد أنه لا يوجد تنسيق أو اتفاق بينهما".
▪︎ أثار جسيمة
وفقا لمخرجات اجتماعات الجولة الثانية لآلية "2+2" التشاورية لوزراء الخارجية والري في مصر والسودان، التي عقدت، الأربعاء 3 أيلول الحالي، تتمثل أبرز التحديات في:
- التهديد المستمر لاستقرار الوضع في حوض النيل الشرقي.
- المخاطر الجدية المترتبة على الخطوات الأحادية لملء وتشغيل السد الإثيوبي.
- الأخطار المتعلقة بأمان السد.
- التصريفات المائية غير المنضبطة.
- مواجهة حالات الجفاف.
وفي ضوء اجتياز فترات ملء السد، بأقل الخسائر وفق منظور مصري، فإن أبرز آثاره "السلبية" في مرحلة التشغيل، تتمثل في :
- التأثير السلبي على إمدادات المياه المتدفقة لمصر، خاصة في فترة فيضان أقل من المتوسط.
- امتلاء بحيرة سد النهضة يعني استقطاع 15 مليار متر مكعب من حصة مصر والسودان سنويا.
- في حالة انهيار السد ستغمر المياه بحيرة السد العالي "أقصى جنوبي مصر"، مما يستحيل التعامل معه في حالات التشغيل العالية أو حتى حالات الطوارئ.
- قد يغمر ما يقرب من 24 ألف كيلومتر مربع من الأراضي الزراعية على طول المساحة ما بين سد النهضة والسد العالي.








