
قراءة في صراع الحلول... حل الدولتين يدفع إسرائيل نحو الإنكفاء والعزلة الدولية

مراصد
1/10/2025، 12:28:11 م
مع تصاعد وتائر اعتراف دول العالم بدولة فلسطين، يحتاج القارئ العربي للتعرف على تلك الجوانب المهمة في التفكير الاستراتيجي للكيان الإسرائيلي، حيث يعكس هذا التفكير السياسي والأمني رؤية مركبة تستند إلى مزيج من الاعتبارات الديمغرافية، التاريخية، الاستراتيجية والاقتصادية في التعامل مع واقع مضطرب يفرض إدارة التهديدات الداخلية والخارجية في آن واحد، مع السعي للحفاظ على الطابع الصهيوني.
وفق معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي “أي قرار سياسي تجاه الفلسطينيين يُدار ضمن منظومة متشابكة من الحسابات الأمنية والديمغرافية، بحيث يوازن بين مصالح الدولة والحفاظ على ميزان القوى الداخلي، فقد أضحى مشروع حل الدولتين في الآونة الأخيرة جثة هامدة على مائدة المفاوضات، بعد أن استنفدت إسرائيل كل السبل لتحويله إلى مجرد وهمٍ ديمغرافي تروجه للعلاقات الدولية". تعكس الرؤية الإسرائيلية تجاه القضية الفلسطينية تحولا جوهريا في الفكر الاستراتيجي، قائماً على مركب معقد من الاعتبارات "الأمنية والديمغرافية والجيو - استراتيجية"، التي تشكل في مجملها السياسات الإسرائيلية، فإن أي قرار سياسي يُتخذ بشأن الفلسطينيين يُدار ضمن منظومة متشابكة من الحسابات التي توازن بين المصالح الأمنية العليا والحفاظ على الطابع الصهيوني، بعد ان شكَلت أحداث السابع من تشرين الاول 2023 منعطفاً مصيريا في التحول الاستراتيجي، نقلت النقاش الإسرائيلي من مسألة حدود إلى صميم وجودها وكينونتها، كما يلاحظ مردخاي كيدار من جامعة بار إيلان: "غادرنا زمن النقاش حول حدود الدولة، لندخل عصر التساؤل عن طبيعة وجودها. لم يعد السؤال عن كيفية تحقيق السلام، بل عن إمكانية ضمان بقاء الدولة اليهودية في محيط إقليمي معادٍ".

▪︎ الهاجس الديموغرافي
في قلب المعضلة الإسرائيلية يقف شبح الديموغرافيا، وفقا لأحدث البيانات، يقترب عدد الفلسطينيين من 7.2 مليون نسمة، فيما لا يتجاوز عدد اليهود 7.8 مليون، هذه الفجوة الضيقة، يحذر معهد دراسات الأمن القومي "لم تعد مجرد سيناريو نظري، بل أصبحت تهديدا استراتيجيا ملموسا للمشروع الصهيوني"، هذا الخوف الوجودي يفسر الإصرار الإسرائيلي في السيطرة على المناطق الاستراتيجية مثل مشروع E1، الذي يُوصف بأنه "السكين الذي يقطع شريان التواصل الجغرافي" لأي دولة فلسطينية مستقبلية. لذلك يستمر المشروع الاستيطاني في تشكيل الجغرافيا السياسية للصراع، وتواصل اسرائيل توسيع المستوطنات في الضفة الغربية، حيث بلغ عدد المستوطنين 720 ألف مستوطن في 2025، وتمت المصادقة على 15 ألف وحدة استيطانية جديدة خلال العام الماضي
مشروع E1 الاستيطاني يهدف إلى عزل القدس عن محيطها الفلسطيني. يصف أمنون روبينشتاين هذا المشروع بأنه "السكين الذي يقطع شريان التواصل الجغرافي لأي دولة فلسطينية مستقبلية". يُفسِر هذا الهاجس الوجودي الإصرار الإسرائيلي على السيطرة على المناطق الاستراتيجية، وعلى رأسها مشروع "E1" الاستيطاني، الذي يُشكِّل بمثابة الخنجر الذي يطعن العمق الجغرافي الفلسطيني في الصميم، نازعاً من أي دولة مستقبلية شرايينَ اتصالها وشريان حياتها، كما يلخصه روبينشتاين بأنه "جزء من استراتيجية ديمغرافية تهدف إلى خلق تواصل جغرافي يهودي يعزل القدس عن محيطها الفلسطيني".
![]()
▪︎ صعود اليمين المتطرف
شهد العقد الأخير تحولاً جذرياً في الخريطة السياسية الإسرائيلية، حيث انتقل اليمين المتطرف من هوامش المشهد السياسي إلى قلب صنع القرار. وفقاً لتحليلات معهد فان لير في القدس في دراسة نشرت في أغسطس 2025، فإن "الأحزاب اليمينية المتطرفة لم تعد مجرد شركاء في الائتلاف الحاكم، بل أصبحت مهندسة السياسات الأساسية للدولة".
هذا التحول تجسد في صعود شخصيات مثل بتسلئيل سموتريتش الذي أعلن عن "خطة سيادة" تهدف إلى فرض القانون الإسرائيلي على 82% من الضفة الغربية، هذه الخطة، كما يصفها مركز مدار للدراسات الإسرائيلية في تقرير حديث، "ليست مجرد سياسة استيطانية، بل هي مشروع لدفن فكرة الدولة الفلسطينية بشكل نهائي". أوري غولدشتاين، الباحث في شؤون اليمين الإسرائيلي، يشرح أن "صعود اليمين المتطرف لم يحدث بين ليلة وضحاها، بل هو نتيجة تراكمية لعوامل متعددة: فشل عملية أوسلو، صعود الإسلام السياسي، التغيرات الديموغرافية، والدعم الأمريكي غير المشروط". تُؤكد استطلاعات الرأي هذا التوجه، وتكشف أن 65٪ من ناخبي الائتلاف الحاكم يؤيدون سياسات سموتريتش وبن غفير، بينما يعتبر 70٪ من المستوطنين الضفة الغربية "أرض إسرائيل الكاملة". يُشكل هذا التحول البيئة السياسية الداعمة لاستمرار التوسع الاستيطاني، الذي تحول من عملية عشوائية إلى استراتيجية ممنهجة لهندسة الجغرافيا والديموغرافيا لخدمة الرؤية السياسية لليمين المسيطر.

▪︎ من الردع إلى "التدمير الاستباقي"
شكلت هجمات تشرين أول 2023 زلزالا استراتيجيا دفع بالمؤسسة الأمنية الإسرائيلية إلى التخلي عن نموذج "الردع التقليدي" وتبنّي نموذج هجومي استباقي يُعرف بـ"الردع بالتدمير"، هذه العقيدة الجديدة، كما يُحللها معهد "JISS" للأمن القومي، تسعى إلى "إنهاء" قدرات الخصوم مسبقا، مما يُبقي إسرائيل في حالة هجوم دائم. ينعكس هذا الانزياح على الأرض عبر سياسات التقسيم والعزل الجديدة. فتتوسع إسرائيل في إنشاء "مناطق عازلة" داخل غزة بعمق يصل إلى 3 كم، وتشق ممرات عسكرية تفصل شمال القطاع عن جنوبه. هذه الإجراءات لا تهدف فقط إلى تحقيق أمني آني، بل تسعى إلى تحويل أي كيان فلسطيني مستقبلي إلى كانتونات منفصلة ومُضعفة، مما يُفقد فكرة الدولة المستقلة أي معنى عملي أو جغرافي. هذا النموذج الجديد، كما يشرح الجنرال المتقاعد عاموس يادلين، "يقوم على مبدأ الضربات الاستباقية الواسعة النطاق التي تهدف إلى إنهاء قدرات الخصوم قبل أن تشكل تهديداً وجودياً". هذا التحول ينعكس على الأرض عبر سياسات التقسيم والعزل، حيث توسع إسرائيل في إنشاء "مناطق عازلة" داخل غزة بعمق 3 كم، وتشق ممرات تفصل شمال القطاع عن جنوبه. ويوضح يعقوب عميدرور، وزير الأمن السابق، في تحليل له أن "الاستراتيجية الأمنية الجديدة تقوم على أربعة مبادئ: الردع بالتدمير، السيطرة على العمق الاستراتيجي، منع أي قدرة عسكرية فلسطينية، وإبقاء القضية الفلسطينية منفصلة عن التهديدات الإقليمية الأخرى". هذا التحول الاستراتيجي تجسد في العمليات العسكرية الأخيرة، وتؤشر تقارير معهد القدس لاستراتيجيات الأمن إلى أن إسرائيل نفذت أكثر من 200 عملية استباقية ضد أهداف معادية خلال عام 2024، بزيادة 150% عن العام السابق. هذه العمليات شملت ضربات في سوريا ولبنان وغزة والضفة الغربية.
▪︎ ثمن "الدولة الحصينة"
يُقدم الجانب الاقتصادي تناقضا صارخا في الموقف الإسرائيلي. فمن ناحية، تكشف التقارير الاقتصادية عن كلفة باهظة لاستمرار النزاع وتبني نموذج "الدولة الحصينة"، وفقاً لتقديرات بنك إسرائيل (ايلول 2025)، فإن التكلفة الإجمالية للحرب المستمرة تصل إلى 95 مليار دولار، أي ما يعادل 18٪ من الناتج المحلي الإجمالي. تشمل هذه التكاليف نفقات عسكرية مباشرة، وانهيارا في قطاع السياحة بنسبة 70٪، وتراجعاً في الاستثمارات الأجنبية المباشرة بنسبة 25٪، ووصول عجز الموازنة إلى 8٪ من الناتج المحلي. ويشكل الاقتصاد عامل ضغط أساسي على موقف إسرائيل من حل الدولتين، وفق تقرير" Taub Center" فان "غياب تسوية سياسية يزيد الأعباء المالية والأمنية، بينما توفر الاتفاقات الإبراهيمية فرصًا لتعزيز الاستثمار الأجنبي وتوسيع الأسواق" وفي مقابلة مع صحيفة إسرائيل تايمز، قال نتنياهو: "نحتاج إلى تعزيز الاعتماد على الذات في الصناعات الدفاعية، لأن استمرار النزاع يزيد الأعباء الاقتصادية على الدولة" وتضيف تقارير صحيفة هآرتس أن الاستيطان المستمر يستهلك مليارات الدولارات سنويا، وهو ما يمكن توجيهه لتعزيز مشاريع وطنية تنموية، بينما أي تصعيد أمني قد يقلل من الاستفادة الاقتصادية من التحالفات الإقليمية، فيما يحذر كارميت فلاك، الخبير الاقتصادي في معهد أهرون، من أن "هذه التكاليف الباهظة تشكل سيفا مسلطا على رقبة الاقتصاد الإسرائيلي، قد تدفع به إلى هوة أزمة مالية طاحنة لا قعر لها"، إلا أن هذه التكاليف، على ضخامتها، لا تبدو كافية لتغيير المسار السياسي في ظل هيمنة النخبة الأمنية والسياسية التي تقدم الاعتبارات الوجودية على الحسابات الاقتصادية. القطاع التكنولوجي، العمود الفقري للاقتصاد الإسرائيلي، يعاني من صدمة حادة. تقرير جمعية الهايتك الإسرائيلية يشير إلى أن 15% من شركات التكنولوجيا نقلت مقارها الرئيسية خارج إسرائيل، بينما خسر القطاع 20% من عمالته المؤهلة. هذه الخسائر تهدد المكانة التنافسية لإسرائيل. يلخص دانيال شوفتان، الخبير الاقتصادي في جامعة حيفا، إلى أن "تكلفة الدولة الحصينة أصبحت غير مستدامة. إسرائيل تواجه خياراً صعباً: إما الاستمرار في سياسات القوة التي تهدد الاقتصاد، أو البحث عن تسوية سياسية تكلفتها أقل بكثير".

▪︎ انقسامات مجتمعية عميقة
تتبنى الحكومة الإسرائيلية الحالية، بقيادة بنيامين نتنياهو، سياسات تعارض قيام دولة فلسطينية. على سبيل المثال، اقترح وزير المالية بتسلئيل سموتريتش ضم 82% من الضفة الغربية، مما يعارض تمامًا فكرة حل الدولتين، في المقابل، أظهر استطلاع للرأي أجرته جامعة تل أبيب في حزيران 2025 أن 37% من الإسرائيليين يؤيدون حل الدولتين، بينما فضل 34% حل الدولة الواحدة.
وتُظهر استطلاعات الرأي انقساماً عميقاً في المجتمع الإسرائيلي حول قضية حل الدولتين. فوفقاً لاستطلاع أجراه معهد INSS في اذار 2025، فإن 57٪ من الإسرائيليين يؤيدون الانفصال عن الفلسطينيين أو حل الدولتين، مع تباين كبير بين اليهود بنسبة 39٪ والعرب بنسبة 60٪. كذلك تواجه إسرائيل عزلة دولية متزايدة بسبب سياساتها تجاه الفلسطينيين. فوفقاً لاستطلاعات الرأي، فإن 94٪ من الرأي العام العربي يعارض سياسة الولايات المتحدة تجاه الحرب على غزة، بينما تلتزم معظم الدول الأوروبية بحل الدولتين كخيار وحيد للسلام.
هذه العزلة الدولية تنعكس سلباً على مكانة إسرائيل الإقليمية والدولية، وتحد من قدرتها على تحقيق مصالحها الاستراتيجية. فكما يحذر شلومو بن دافيد، "إن استمرار السياسات الحالية قد يؤدي إلى عزل إسرائيل دولياً، وإضعاف تحالفاتها الإقليمية".
▪︎ من الاستمرار إلى التصعيد
تؤكد هذه الورقة أن مستقبل إسرائيل في الشرق الأوسط حتى عام 2030 يعتمد على قدرتها على الموازنة بين الأمن القومي، الضغوط الديمغرافية، الموقف الشعبي، والاستفادة الاقتصادية والدبلوماسية من البيئة الإقليمية. يمكن استشراف ثلاثة سيناريوهات رئيسية:
١.استمرار الوضع الراهن: استمرار التوسع الاستيطاني ورفض حل الدولتين، مع زيادة العزلة الدولية والتكاليف الاقتصادية.
٢. تسوية جزئية: قبول حلول وسطى تمنح الفلسطينيين حكماً ذاتياً محدوداً، مع الاحتفاظ بالسيطرة الأمنية والإدارية.
٣. تصعيد محتمل: تفجر الوضع بسبب الضغوط الديمغرافية والاقتصادية، تنتهي الى مواجهات عسكرية واسعة النطاق.
تُغلق هذه الورقة فصولها لتضع القارئ أمام حقيقة صعبة، تقف إسرائيل اليوم عند مفترق طرق استراتيجي، بين الرغبة في الحفاظ على الدولة اليهودية بطابعها الحصري، والضغوط الاقتصادية والديمغرافية والدبلوماسية التي تهدد استدامة هذا النموذج. الهواجس الديمغرافية، صعود اليمين المتطرف، والتحولات الأمنية العميقة، كلّها عوامل تُجبر إسرائيل على إعادة تقييم سياساتها تجاه الفلسطينيين والمنطقة بأسرها. السؤال النهائي الذي تتركه هذه الورقة للقارئ والمحلل الاستراتيجي واحد: هل تنجح إسرائيل في الموازنة بين الأمن القومي، الضغوط الديمغرافية، الموقف الشعبي، والأبعاد الاقتصادية والدبلوماسية، لضمان الامن الداخلي والحضور الإقليمي؟ أم أن الضغوط المتراكمة ستدفع المشروع الصهيوني نحو مزيد من الانعزال، وتحويل الصراع المستمر إلى عبء لا نهاية له؟ والسؤال الاخير، ما مصير دولة فلسطين بعد كل هذا الاعتراف الدولي بها؟؟









