
الهيمنة الذكورية

د. جمال العتابي
30/9/2025، 11:12:07 ص
الذكورية (Patriarchy) ليست مجرد تفضيل الرجل على المرأة، بل منظومة اجتماعية وسياسية واقتصادية متوارثة جعلت الرجل مركز السلطة والمرأة هامشها. نشأت عبر التاريخ كتعبير عن تحولات اقتصادية وثقافية، وتكرّست في القوانين والفلسفة والدين.
وفي الوقت نفسه، شهد التاريخ أصواتاً نقدية حاولت زعزعة هذا النظام وكشف تناقضاته. ويشكّل النظام الأبوي ـ البطريركي بنية اجتماعية وسيكولوجية متميزة ومتجذّرة في الذاكرة الجمعية تطبع العائلة والقبيلة والسلطة والمجتمع في البلدان العربية، الذي هو أكثر ذكورية من غيره من المجتمعات واشدّ تقليدية وأكثر محاصرة لشخصية الفرد وثقافته وترسيخاً لقيمه وأعرافه الاجتماعية التقليدية وتهميشاً للمرأة واستلاباً لشخصيتها، لأنه ذو طابع نوعي وخصوصية وامتداد تاريخي يرتبط بالبيئة الرعوية الصحراوية والقيم والعصبيات القبلية، فمن المعروف البيئة العربية هي أعظم موطن للبداوة، وهي أكثر مناطق العالم تأثرا ومعاناة في الصراع بين قيم الانتقال إلى الملكية الخاصة. يعود مصطلح "بطريركي" في أصوله إلى اللغة اليونانية ويعني حكم "الأب"، أي هيمنته على العائلة والتسلط عليها بحيث يكون القرار بيد الذكر "البطريرك" فقط بوصفه رب البيت ورئيس القبيلة، كما استعمل المصطلح بمعنى ديني أيضاً. تعود المرجعيات الأول للذكورية عبر التاريخ إلى المجتمعات الزراعية القديمة؟ في حضارات وادي الرافدين ومصر واليونان، ظهر نظام الأب/العائلة البطريركية حيث الأب هو رأس السلطة الدينية والاقتصادية. كما كرّست النصوص الدينية والقوانين (مثل شريعة حمورابي) الهيمنة، بوضع المرأة في مرتبة أدنى، وأشار "إنجلز" في كتابه “أصل العائلة والملكية الخاصة والدولة” (1884)، ظهور الملكية الخاصة التي جعلت الرجل بحاجة لضمان النسب، فبدأت السيطرة على المرأة والجسد والإنجاب. وأسهمت النصوص الدينية لتبرير موقع المرأة بوصفها “تابعة” للرجل، وحتى القوانين القديمة أعطت الرجل حق الطلاق والتملك والولاية، بينما قيدت حقوق المرأة. بينما لم ينصف الفلاسفة القدماء المرأة، فأرسطو: وصفها "رجلاً ناقصاً" وظيفتها الإنجاب فقط، وهو من أوائل من شرعن التراتب الذكوري فلسفياً. وأعطى الإسلام المرأة حق الميراث والذمّة المالية المستقلة، وحق اختيار الزوج، واعتبر عقد الزواج عقداً رضائياً. هذه حقوق كانت غائبة تماماً في أوروبا العصور الوسطى. بدأت الأصوات تتغير في عصر التنوير، تحدث" جون لوك" عن الحرية الفردية، لكن لم يطبّقها بالكامل على النساء. ورأى جان جاك روسو أن دور المرأة يقتصر على تربية الأبناء وخدمة الرجل، وهو تكريس للذكورية رغم فكره المتقدم. بينما انتقد فولتير بعض أشكال التمييز. وعلى الأغلب كانت صورة المرأة كائناً عاطفياً لا عقلانياً. مثل هذه المقدّمات تجد سبيلاً لها إلى الدراسة والبحث كما فعل عالم الاجتماع الفرنسي "بيار بورديو" في كتابه “الهيمنة الذكورية” الذي يعدّ من أهم الدراسات التي تناولت البنى الاجتماعية والثقافية التي تعيد إنتاج التراتبية الجندرية عبر آليات رمزية خفية. يرى بورديو أنّ الهيمنة الذكورية ليست مجرد ممارسات علنية أو قوانين تمييزية، بل هي منظومة رمزية متجذّرة في الثقافة واللغة والدين والتربية. وهو يركّز على مفهوم “العنف الرمزي”، كشكل من أشكال السيطرة الذي يمارس بلا وعي، إذ تقبل النساء أنفسهن التراتبية الجندرية بوصفها "حالة طبيعية"
وفي المجال الاجتماعي تتغلغل الهيمنة الذكورية في المؤسسات الاجتماعية (الأسرة، المدرسة، الإعلام، السياسة…) حيث تُعاد إنتاج نفس القيم التي تُعلي من شأن الرجل وتُقصي المرأة. وحين يأتي لمناقشة موضوعة الجسد الأنثوي بصياغة اجتماعية ليكون رمزاً للضعف والتبعية، يُقدَّم الجسد الذكوري بوصفه معيار القوة والسيطرة. بورديو يوضّح أن هذه الهيمنة ليست جامدة بل يعاد إنتاجها باستمرار عبر العادات اليومية، الطقوس، والعلاقات الاجتماعية. لا شك أن قيمة الكتاب تتمثل في الإسهامة المعرفية، إذ يبتعد عن التفسيرات البيولوجية أو الفردية، ويركّز على البنى الاجتماعية والرمزية. ويقدّم إطاراً لمعنى استمرار الهيمنة حتى في المجتمعات الحديثة التي تدّعي المساواة. إن إدخال مفهوم “العنف الرمزي” في دراسة الجندر وتحليل كيفية قبول النساء أنفسهن بالتراتبية نتيجة التنشئة يكشف التواطؤ غير الواعي بين الجنسين في إعادة إنتاج الهيمنة. بيد أن بعض النقاد يرون أنّ بورديو ركّز أكثر على البنى، وأغفل دور الفعل النسوي المقاوم والتغييري، وانطلق من دراسة ميدانية في المجتمع القبائلي الجزائري، لكنه عمّم نتائجه على المجتمعات كافة، وهذا يثير إشكالات عدة تتعلق بالتباينات الاجتماعية والسايكولوجية والاقتصادية في هذه المجتمعات. وغالباً ما يلجأ المؤلف إلى الطابع البنيوي في التحليل أكثر من الطابع التاريخي، مما يقلل من رصد التحولات الاجتماعية المعاصرة. إن القراءة النقدية للمفاهيم والأفكار التي طرحها الكاتب تدعو الباحثين العودة إلى النظريات والآراء التي سبقت بورديو في هذا الميدان، نشير في هذا الصدد إلى كتاب (الجنس الآخر) لسيمون دي بوفوار، التي تقول فيه: إنّ “المرأة لا تولد امرأة بل تُصبح كذلك”، لكنها ركّزت أكثر على الفلسفة الوجودية والتحرر الفردي، بينما بورديو ركّز على الحقول الاجتماعية والعنف الرمزي.
بينما تذهب جوديث بتلر ـ الكاتبة الأمريكية في الشأن النسوي ـ في كتابها (إشكالية الجندر): أبعد من بورديو في تفكيك الجندر نفسه كبناء اجتماعي، مؤكدة أن الهوية الجندرية ليست ثابتة بل "أداء" اجتماعي متكرر. وفكرة الفيلسوف الفرنسي "فوكو" في (المراقبة والمعاقبة): عن السلطة المنتشرة والمتغلغلة في الجسد والمؤسسات قريبة من أطروحة بورديو، لكن الأخير ركّز على البعد الرمزي والثقافي للجندر. كتاب “الهيمنة الذكورية” الصادر عام 2009، بنسخته العربية عن المنظمة العربية للترجمة، ترجمة: "سلمان قعفراني" يقدم أداة تحليلية قوية لفهم استمرار التمييز الجندري عبر آليات رمزية غير مباشرة. لكنه يحتاج أن يُستكمل بدراسات تركز على المقاومة النسوية، والتحولات التاريخية، والتقاطعات مع الاقتصاد والسياسة. وتأخذ في الاعتبار أنّ هناك حركات نسوية، ووعياً متزايداً، ومقاومة نسوية يتصاعد دورها في العالم لا تسلّم بالواقع، إنما في عصر التكنولوجيا والتقدم العلمي، تستطيع المرأة أن تعيد صياغة دورها بما يحقق العدالة والمساواة في المجتمع. فالتكنولوجيا نفسها يمكن أن تكون أداة تحرر من الاستغلال الذكوري، ومظاهر التخلف الاجتماعي. على العموم، من الصعب تصنيف الكتاب بوصفه نصاً رجعياً، أو دعوة لإبقاء الأوضاع كما هي، بل هو دراسة نقدية سوسيولوجية تكشف آليات الظلم والتمييز، لكنها لا تأخذ شكل خطاب تعبوي نسوي مباشر. وجعلنا الكاتب ندرك أن التمييز لا يظهر بوضوح دائماً، بل يتخفى في تفاصيل صغيرة يومية. كما كشف لنا المؤلف مفارقات مهمة: أنه جعلنا نفهم أن السيطرة ليست فقط بالقانون أو بالعنف المادي، بل أيضاً بالثقافة اليومية التي تجعل النساء يقبلن بموقعهن الأدنى بوصفه "قدراً طبيعياً". ما يدعو إلى التساؤل: كيف يمكن للنساء في هذا العصر قبول التعايش مع موقع أدنى في الحياة، والتنازل عن حقوقهن الطبيعية في الشراكة؟ تبدو الإجابة على هذا السؤال صعبة ومعقّدة، إذ تتعلق بمجموعة آليات اجتماعية وثقافية ونفسية تتشابك فيما بينها، فلدى بعض النساء شعور بـ "القدرية" وقبول بقوانين الطبيعة، ولدى أخريات تفسيرات دينية واجتماعية في تبرير التمييز. لذلك يخترن العديد من النساء قبول الدور التقليدي، حتى لا يخسرن كل شيء، هناك حالة تواطؤ تتماهى فيها الضحية مع "الجلاد"، بعضهن يجدن "أماناً" في سلطة الرجل ويشعرن أنّ التمرد قد يهدد استقرارهن. أخيراً تمكّن بورديو أن يدلّ الحركات النسوية إلى أدوات فكرية أعمق لتحليل المسكوت عنه، وبرهن على أن "قَدَر" المرأة ليس قانوناً بايولوجياً، بل هو نتاج اجتماعي ـ تاريخي.








