
أزمة السياسة وأبعادها الأخلاقية

غنوة فضة
2/10/2025، 11:33:46 ص
كتب المفكّر السّوري صادق جلال العظم (1934-2016) في كتابه "النقد الذاتي بعد الهزيمة": "إن الشخصية العربية تميل إلى إزاحة المسؤولية عن النفس وإسقاطها على الغير".
وقد تجلّت هذه النزعة بكلّ وضوح - حسب رؤيته - بعد هزيمة الخامس من حزيران. وهي تعود إلى عوامل عديدة حدّثت الشخصية القومية العربية جراء ظروفٍ سياسية واجتماعية واقتصادية. إذ يقول فيها: "إنّ الخصال الفهلوية التقليدية تجعلنا عاجزين عن تقبل الحقيقة والواقع، وفقاً لما تفرضه الظروف الحرجة من تصرفٍ سريعٍ، وتضطرنا لإخفاء العيوب والفشل والنقائص بغية إنقاذ المظاهر والحفاظ على ماء الوجه". من هنا تحضر أزمة السياسة بقوة، سواء في العالم العربي أو الغربي. وهذا النفور الواضح من السياسة والابتعاد عن مضامينها لا يكمن في انعدام الاهتمام بالشأن العام فحسب، بل في تحوّل السياسة ذاتها إلى ممارسة تكنوقراطية تهيمن عليها "النخب"، الأمر الذي يجعلها تبدو بعيدة عن هموم الفرد اليومية. ومن هذا السياق، يقدّم أستاذ العلوم السياسية في باريس كولن هايColon Hey (1968)، في كتابه "لماذا نكره السياسة؟" تحليلاً عميقاً لظاهرة العزوف السياسي التي باتت تطبع المجتمعات الديمقراطية حتى في أكثرها رسوخاً. إذ لا يكتفي هاي بتسجيل انخفاض نسبة المشاركة الانتخابية، خاصة بين الشباب، بل يتعدى ذلك إلى تشريح الأسباب الهيكلية الكامنة وراء هذا "الانزياح" عن السياسة. يُشيرُ هاي إلى أن صعود الليبرالية الجديدة منذ سبعينات القرن الماضي أدّى إلى إضعاف دور الدولة في التدخل الاقتصادي والاجتماعي، وجعلَ القرارات المصيرية تُتخَذ في دوائر مغلقة، مما أفقد السياسة جوهرها بوصفها فضاءً للصراع حول الأفكار والقيم والمصالح المجتمعية. وبالتالي لم تعد السياسة "تثير حماس الناخبين" كما كانت في السابق، لأنها أصبحت إدارة للشؤون بدلاً من أن تكون نقاشاً حيّاً حول المستقبل المشترك. وفي مقابل التحليل الغربي للسياسة الذي أسسهُ هاي، يُقدّم الكاتب والناشط السياسي عبد الرحمن بشير (1964) في مقالته ذات العنوان النقدي "القواعد العشرة في الفقه السياسي" كشفاً عن العلل الأخلاقية والشخصية التي يعتقد أنها تفسد العمل السياسي. ويُركز بشير على الخلط المفاهيمي الخطير الذي يُحدثهُ الكثير من السياسيين بين الصفات الشخصية والمهارات السياسية، فهو يرى أن الإنسان وكونه سياسياً لا يعني بالضرورة أنه حكيم أو قائد. ويضرب أمثلة على سياسيين "متهوَّرين" أو "أغبياء" حسب وصفه، معتبراً أن وصولهم إلى سدّة الحكم لا يُشرعن "غباءهم أو تهوّرهم". لا يُقدّم هاي حلولاً جاهزة في كتابه، إلّا أنه يؤكد على أنّ السياسة لم تفقد أهميتها، إنّما اتخذت شكلاً مختلفاً، مما يستدعي إعادة التفكير في سبل استعادة الفاعلية الديمقراطية. فيما يمكن قراءة رؤية بشير بوصفها محاولة لاستعادة "السياسة" بمفهومها الأصلي الذي يجمع بين الفعالية والأخلاق. وتتجلى الأزمة التي يثيرها هاي في اللامبالاة وتآكل الثقة إزاء السياسة من خلال عدة مؤشرات تتمثل في الانخفاض الحادّ في المشاركة الانتخابية حتى في الدول التي ناضلت لعقودٍ من أجل الحصول على حقّ التصويت؟ وأيضاً في تفاقم الشعور باللامبالاة والإحباط الشعبي جراء ابتعاد رجال السياسة عن هموم المواطن العادي. إلى جانب تآكل الثقة بالمؤسسات السياسية؛ حيث لم تعد هذه المؤسسات قادرة على تمثيل تطلعات الجمهور بشكلٍ حقيقي. وفي سياق آخر، يتناول عبد الرحمن بشير قواعد السياسة بين مجموعة من القيم التي يراها مفقودة. فالسياسة، حسب تعبيره، ليست خيانة، إنما يرفع من خلالها شعار الأمانة بوصفه قيمةً أخلاقية في العمل السياسي. ويعدّ بشير الحفاظ على مقدرات الدولة، وعدم اغتصاب الحكم أو التوريث خطوات فعالة لجعل الأمانة الأخلاقية من صلب العمل السياسي. وفي حين أن القوة لا يمكن أن تكون غاية: لأن القوة المفرطة لا تصنع سياسياً ناجحاً. ويستشهد بفرعون الذي أفشلهُ جبروته في الوصول إلى القلوب. فالخطاب السياسي القوي ينبغي أن ينبع من عقلٍ قوي وخبرة، لأن السياسية ليست تهريجاً، ولا تخرج من صلب صيحاتٍ فارغة، بل يجب أن تجمع بين القوة والرحمة. لأنّ السياسي الفاقد للرحمة هو "آلة بلا شعور" والسياسي الرحيم بلا قوة، وهو في الوقت ذاته "فيلسوف" غير فاعل. لذلك يجب على السياسيّ أن يتنبّهَ إلى التناقض بين المظهر وما يخفيهِ بعضُ السياسيين، لا سيما من يمارسون "التديّن الظاهريّ" بينما هم في الحقيقة "نهّابون" بلا حدود. وفي تشخيصٍ جامعٍ بين الرؤيتين، تكتمل نظرةٌ أشمل: إذ يُخبرنا هاي أن النظام السياسيّ نفسه معطّلٌ ومُجوَّف من محتواه، الأمر الذي يدفع الناس للابتعاد عنه. في حين يذكّرنا بشير بأنّ جزءاً من المشكلة، خاصة في السياقات الهشة، يكمن في فساد وانتهازية من يمارسون السياسة أنفسهم. فالنظام التكنوقراطي، حسب هاي، ينتج سياسيين إداريين منفصلين عن الشعب. وأما الفساد الأخلاقي، كما وصفه بشير، يُنتج سياسيين يعملون لصالحهم، ويخونون الأمانة التي منحهم إياها الشعب. وكلاهما يؤدي إلى نتيجة متماثلة، وهي: فقدان الثقة، ونفور الجمهور. إلّا أن الاختلاف الرئيس يكمن في نقطة الانطلاق للإصلاح، حيث يدفع هاي نحو إصلاح النظام برمته، ويعتقد أن تغيير القواعد الهيكلية (بوصفها هيمنة الليبرالية الجديدة) هو ما سيخلق بيئة تفرض نمطاً مختلفاً من الممارسة السياسية، وتجذب المواطنين مرة أخرى. بينما يبدأ بشير من الداخل، وحسب رأيهِ، فإن إصلاح الأفراد واختيار الحكماء والأمناء هو المدخل الأساسي لبناء سياسة سليمة، لذا فإنّ الثورة الشاملة على السياسيين المرضى هي الحل. وبالعودة إلى بداية المقال، وحسب ما كتبه صادق جلال العظم في كتابه "النقد الذاتي بعد الهزيمة"، فإنه من الضرورة لدى استعراض واقع السياسة في العالم، تناولُها من جهة نقد الخطاب الديني، لا سيما فيما يتعلق بواقع السياسة في العالم العربي. إذ لم يتردد العظم في توجيه نقده اللاذع إلى الخطاب الديني السائد، معتبراً أنه العائق أمام تقدّم العقل العربي. هذا الموقف الجريء لسياسي ومفكّر معروف، أدّى إلى فصله من عمله في الجامعة الأمريكية في بيروت، إذ رأى أن الخرافة والتفكير الديني والتقليدي يساهمان في تكريس العقلية النافية للمسؤولية الفردية والجماعية. وعلى الرغم من الجدال الذي أحاط بالكتاب، إلا أنه استطاع أن يفرض نفسه بوصفه مرجعاً أساسياً في الفكر النقدي للسياسية العربية. ذلك أنه شكّل تياراً سياسياً أسهم في كسر حاجز التابوهات في الفكر العربي، ودفع المثقفين والسياسيين إلى مراجعة مقولاتهم. إذ نجح العظم من خلاله في تحويل الهزيمة من مجرد كارثة إلى فرصة لمراجعة السياسية والفكر. في الختام، يدفعنا الجمع بين الرؤى السابقة إلى التفكير في سبلٍ لتجاوز أزمة السياسة الأخلاقية، وذلك من خلال إعادة تأسيس المجال العام: بمعنى خلق قنوات حقيقية للنقاش المجتمعي حول الخيارات الكبرى بدلاً من حصرها في أيدي الخبراء والتقنيين، كما يشير هاي، أي من خلال ربط السياسة بالحياة اليومية لجعل القضايا السياسية قريبة من هموم الناس بصورة مباشرة، مثل قضايا السكن والصحة والتعليم، وليس فقط قضايا الاقتصاد الكلي والأمن القومي المجردة. وإلى نقطة الالتقاء بين الرؤى السابقة، فإن هاي وبانتقاده النخب يقف لقاء موقف بشير في مهاجمة الفساد ومطالبته بتعزيز الرقابة والمحاسبة، فيما يتضح موقف صادق جلال العظم كما لو أنه لحظة صدق نادرة عبر تجسيده الرغبة الحقيقية للخروج من مآزق التخلف والهزيمة.








