
مستقبل الإقتصاد العالمي... الذكاء الإصطناعي وصراع الهيمنة على السيادة الرقمية

مراصد
10/10/2025، 9:22:48 ص
تشهد الخارطة الجيوسياسية والاقتصادية العالمية تحولاً جوهرياً لم تشهد له مثيلاً منذ الثورة الصناعية، حيث أشارت دراسة حديثة لمجموعة من الباحثين الأمريكيين في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية إلى أن التسارع المحموم نحو الهيمنة التكنولوجية عبر بوابة الذكاء الاصطناعي يعيد تشكيل تحالفات القوى العالمية بشكل غير مسبوق.
وكشف التقرير السنوي لمنتدى الاقتصاد العالمي في دافوس أن هذا التحول لم يعد مقتصراً على الجانب التقني فحسب، بل امتد ليشكل تحدياً وجودياً للدول النامية والأسواق الناشئة التي تجد نفسها في مفترق طرق تاريخي. فبينما أكدت الوثائق الصادرة عن البيت الأبيض في تموز 2024 تقدم الولايات المتحدة والصين في هذا المضمار بوتيرة متسارعة، حذر خبراء في البنك الدولي من أن الفجوة التكنولوجية بين الدول المتقدمة والنامية تتسع بشكل ينذر بتحولها إلى هوة غير قابلة للردم. وأوضح محمد العريفي، الخبير الاقتصادي في معهد التخطيط القومي أن الأسواق الناشئة تواجه معادلة بالغة التعقيد، فهي من ناحية تسعى لاستغلال الفرص الاقتصادية الهائلة التي يقدمها الذكاء الاصطناعي، ومن ناحية أخرى تواقع خطر التحول إلى مجرد أسواق استهلاكية لتكنولوجيا الآخرين.

▪︎ تحليل المفاهيم
وكشفت دراسة ميدانية شاملة أجراها باحثون من الجامعة الأمريكية بواشنطن بالتعاون مع مركز دول الخليج العربية للأبحاث أن هذه الديناميكية تخلق فجوة تكنولوجية متسارعة، تهدد بتعميق التبعية الاقتصادية وإعادة إنتاج نظام اقتصادي عالمي غير متوازن. وأضافت الدراسة أن طموحات الأسواق الناشئة المشروعة، كما في حالة الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية وماليزيا، لاستخدام الذكاء الاصطناعي في تحقيق التنويع الاقتصادي والتحول إلى مراكز تكنولوجية إقليمية، تصطدم بعقبات هيكلية جسيمة تتمثل في محدودية رأس المال الاستثماري مقارنة بالاستثمارات الأمريكية الخاصة الهائلة. وأشار أحمد قاسم، أستاذ الاقتصاد الدولي في جامعة القاهرة إلى أن الاعتماد شبه الكلي على التكنولوجيا والبنى التحتية التي تتحكم بها القوى الكبرى يشكل تهديداً للسيادة الرقمية للدول النامية.

موضحاً أن الضغوط الجيوسياسية التي تفرض على هذه الدول مواءمة استراتيجياتها في خضم التنافس الأمريكي الصيني تضعها في مأزق استراتيجي يتطلب حنكة سياسية واقتصادية غير مسبوقة. فيما ذكرت سارة محمد من جامعة الملك عبدالله للعلوم والتقنية في ورقتها البحثية المنشورة في مجلة "العلوم والتقنية" أن التقنيات المحورية مثل التعلم الآلي الذي يسمح للأنظمة بالتحسن التلقائي من خلال التجربة دون برمجة صريحة، والتعلم العميق الذي يحاكي الشبكات العصبية البشرية لمعالجة البيانات المعقدة، تمثل عماد الثورة الحالية. موضحة أن هذه التقنيات لم تعد حبيسة المختبرات بل أصبحت أدوات فاعلة في إعادة صياغة الاقتصادات والمجتمعات. من جانب آخر، أشار الاقتصادي ديفيد ريكاردو في تحليله الحديث "الاقتصاد السياسي في عصر الذكاء الاصطناعي" إلى أن حقل الاقتصاد السياسي الدولي يقدم الإطار النظري الأمثل لتحليل هذا التنافس، مؤكداً أنه يدرس التفاعل المعقد بين السياسة والاقتصاد على المستوى العالمي. وأضاف أن هذا الحقل المعرفي يتيح فهم كيف تتحكم الدولة في آلية السوق لتحقيق أهداف القوة، وكيف تُستخدم الثروة التقنية الناشئة عن الذكاء الاصطناعي بدورها كوسيلة لتعزيز النفوذ والسيطرة.
▪︎ المشهد العالمي للاستثمار والفرص الاقتصادية
يشهد المشهد الاستثماري العالمي في مجال الذكاء الاصطناعي تحولات كبرى، حيث كشف التقرير السنوي لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية الصادر في كانون الثاني 2025 عن نمو هائل في الاستثمارات العالمية، حيث قفزت الاستثمارات الخاصة إلى 252.3 مليار دولار في عام 2024، مسجلة نمواً بنسبة 45% عن العام السابق. وأضاف التقرير أن الولايات المتحدة تتقدم هذا السباق بفارق كبير، حيث استأثرت وحدها بما يقارب 43% من إجمالي الاستثمارات العالمية. وأعلن جون ثورنتون، الرئيس التنفيذي لشركة "أوبن إيه آي" في المؤتمر الصحفي الذي عقد في ايلول 2024 عن خطة طموحة بالشراكة مع أوراكل وعدد من المستثمرين الاستراتيجيين لضخ 500 مليار دولار في مبادرة "Stargate"، مؤكداً أن الاستثمار تحول بشكل جذري من التطبيقات البرمجية إلى البنية التحتية المادية والرقمية الضخمة. وأضاف أن هذا التحول يمثل نقلة نوعية في فهم متطلبات بناء أنظمة الذكاء الاصطناعي المتقدمة.

▪︎ فقاعة الاستثمار !
من جهة أخرى، حذر لي مينغ، كبير مسؤولي الاستثمار في صندوق الثروة السيادي السنغافوري، في تصريحات خاصة لشبكة "بلومبيرغ" من مخاطر فقاعة استثمارية حقيقية في قطاع الذكاء الاصطناعي، مشيراً إلى أن التقييمات الحالية للشركات الناشئة في هذا المجال تفوق قيمتها الحقيقية بمعدلات تذكرنا بفقاعة الدوت كوم. وأضاف أن توقعات السوق المبالغ فيها ربما تكون أعلى بكثير مما يمكن أن تقدمه التكنولوجيا في المدى المنظور. وكشفت دراسة حديثة أجرتها مجموعة بوسطن الاستشارية عن أن الاستثمارات في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي شهدت قفزة غير مسبوقة، حيث ارتفعت استثمارات مراكز البيانات المتقدمة بنسبة 78% في عام 2024 مقارنة بالعام السابق. وأوضحت الدراسة أن هذا النمو يعكس الإدراك المتزايد لأهمية البنية التحتية الحاسوبية كعامل حاسم في سباق الذكاء الاصطناعي.
▪︎ التحديات الاقتصادية والمخاطر المالية
تمتد تداعيات الانتشار السريع للذكاء الاصطناعي لتشكل تحدياً هيكلياً يهدد استقرار النظم الاقتصادية العالمية، حيث أكدت دراسة حديثة لمنظمة العمل الدولية صدرت في مارس 2025 أن الأتمتة الشاملة للمهام المعرفية والروتينية تشكل خطراً حقيقياً على قطاعات وظيفية واسعة. وأضافت الدراسة أن ما يقارب 40% من الوظائف الإدارية و35% من الوظائف الخدمية معرضة للأتمتة خلال العقد القادم.
وكشف التقرير السنوي لبنك يو بي إس الصادر في فبراير 2025 عن مخاطر مالية جسيمة في أسواق الذكاء الاصطناعي، مشيراً إلى أن التقييمات الحالية لأسهم الشركات المتخصصة في هذا المجال "تضيء باللون الأحمر" وتنذر بتصحيح حاد في القريب العاجل. وأضاف التقرير أن مؤشرات التضخم في تقييمات هذه الشركات تجاوزت المستويات المسجلة خلال فقاعة الدوت كوم. وأيد هذا الرأي عدد من كبار المستثمرين في وول ستريت حيث أشار مايكل نوفوغراتز، الرئيس التنفيذي لشركة كالاكسي للاستثمار الرقمي في مقابلة مع قناة CNBC إلى أن الأسهم الحالية في قطاع الذكاء الاصطناعي أعلى تقييماً بنسبة 30% من أسهم شركات الإنترنت في ذروة فقاعة عام 1999. محذراً من أن أي تباطؤ في وتيرة الابتكار أو تحقيق الأرباح المتوقعة قد يؤدي إلى انهيار السوق. وأضاف ريتشارد بالدوين، الخبير الاقتصادي في معهد الدراسات العليا في جنيف في تحليله لمخاطر النظام المالي أن الاعتماد المتزايد للبنوك والمؤسسات المالية على أنظمة الذكاء الاصطناعي في إدارة المحافظ الاستثمارية وتقييم المخاطر يخلق نقطة ضعف جديدة. موضحاً أن أي خلل في هذه الأنظمة أو هجوم إلكتروني موجه قد يتسبب في أضرار جسيمة تتجاوز القدرات الاحتوائية للجهات الرقابية.
▪︎ التفاعل الجيوسياسي واستراتيجيات الدول
يشكل التنافس الجيوسياسي حول الذكاء الاصطناعي مشهداً معقداً متعدد الأبعاد، حيث وصف هنري كيسنجر في آخر تحليل له بمجلة "فورين أفيرز" هذا التنافس بأنه "أحد أبرز محددات الخريطة الجيوسياسية في القرن الحادي والعشرين". وأضاف أن الصراع تحول جذرياً من النفوذ الإقليمي التقليدي إلى سباق محموم للهيمنة التكنولوجية التي أصبحت مصدراً حاسماً للقوة الاقتصادية والعسكرية. وأعلن البنتاغون في وثيقته الاستراتيجية الصادرة في تشرين الاول2024 أن الولايات المتحدة تتبنى استراتيجية شاملة تضع المنافسة مع الصين في صلب أولوياتها الأمنية القومية. وكشف التقرير عن إنشاء فرقة عمل خاصة بالذكاء الاصطناعي ضمن قيادة الفضاء السيبراني، موضحاً أن التعامل مع تقنيات الذكاء الاصطناعي يتم باعتباره "قضية أمن قومي بالدرجة الأولى وليس مجرد تطور تكنولوجي". من جهتها، أكدت الوثائق الصادرة عن اللجنة المركزية للحزب الشيوعي الصيني في جلستها الأخيرة أن بكين تعمل على ترسيخ موقعها كقوة عالمية رائدة من خلال استثمارات ضخمة ومخططة في مجال الابتكار والتكنولوجيا المتقدمة. وأشار التقرير الصادر عن أكاديمية العلوم الصينية إلى أن حجم الاستثمارات الصينية في بحوث الذكاء الاصطناعي الأساسية سجل نمواً بنسبة 35% خلال العام الماضي، مما يعكس الأولوية القصوى التي توليها القيادة الصينية لهذا الملف. وكشف التقرير السنوي للمفوضية الأوروبية الصادر في تشرين الثاني 2024 عن سعي الاتحاد الأوربي لتحقيق "سيادة رقمية" تمكنه من الحفاظ على الاستقلالية الاستراتيجية في مواجهة التنافس الأمريكي الصيني. وأضاف التقرير أن المفوضية خصصت ميزانية إضافية قدرها 15 مليار يورو لدعم مشاريع البنية التحتية الرقمية الأوروبية، مؤكداً أن هذا الاستثمار يمثل "خطوة حاسمة نحو تقليل الاعتماد على التكنولوجيا الخارجية". بينما أشارت دراسة مفصلة لمجموعة الأزمات الدولية إلى بروز دول مثل الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية وتركيا كـ"دول متأرجحة" تسعى لتحقيق توازن استراتيجي في هذا التنافس. ونوهت الدراسة إلى أن هذه الدول تتبنى استراتيجيات مرنة تمكنها من التعاون مع جميع الأطراف مع الحفاظ على مساحة للمناورة تحمي مصالحها الوطنية.

▪︎ التحديات والفرص
تمثل التحديات والفرص التي يطرحها الذكاء الاصطناعي منعطفاً تاريخياً حاسماً، حيث خلصت دراسة مشتركة بين مركز بيلفر للعلوم والشؤون الدولية بجامعة هارفارد ومركز الأبحاث الخليجي إلى أن العالم يقف على أعتاب تحول جيوسياسي واقتصادي غير مسبوق. وأكدت الدراسة أن النظام الدولي الحالي يشهد تحولاً من نموذج القطبية الأحادية إلى تعددية قطبية أكثر تعقيداً، مع بروز قوى تكنولوجية جديدة تعيد ترتيب تحالفات القوى التقليدية. وأوصت اللجنة الاقتصادية لغرب آسيا التابعة للأمم المتحدة في تقريرها الأخير بأن نجاح الدول النامية والأسواق الناشئة في هذا المضمار سيعتمد بشكل حاسم على قدرتها في تطوير استراتيجيات وطنية شاملة ومتكاملة. وشدد التقرير على ضرورة أن تركز هذه الاستراتيجيات على ثلاثة محاور رئيسية: بناء القدرات البشرية المتخصصة، وتطوير البنية التحتية الرقمية المتقدمة، وخلق بيئة تشريعية داعمة للابتكار. من جانبه، قدم المنتدى الاقتصادي العالمي في تقرير الآفاق التكنولوجية 2025 مجموعة من التوصيات العملية للدول النامية، مؤكداً على أهمية الاستثمار في التعليم التقني المتخصص وبناء الشراكات الدولية الذكية التي تحقق التوازن بين المصالح المتضاربة للقوى الكبرى. وحذر التقرير من مخاطر الانغماس في مشاريع طموحة دون وجود أساس تقني وبشري متين يمكنها من تحقيق الاستدامة. وقال كلاوس شواب، المؤسس والرئيس التنفيذي للمنتدى الاقتصادي العالمي في كلمته الختامية بمنتدى دافوس 2025 أن "التحدي الأكبر الذي يواجه العالم اليوم ليس تقنياً بل تنظيمياً وأخلاقياً". موضحاً أن القدرة على تطوير أطر حوكمة عالمية فاعلة للذكاء الاصطناعي ستكون المحك الحقيقي لنجاح الثورة التكنولوجية الحالية. وختم الخبراء تقريرهم المشترك بالتأكيد على أن المستقبل سيكون لأولئك الذين يستطيعون توظيف الذكاء الاصطناعي ليس فقط كأداة للنمو الاقتصادي، ولكن كرافعة للاستقلال الاستراتيجي والكرامة الوطنية في نظام عالمي جديد تتشكل معالمه أمام أعيننا. مؤكدين أن الدول التي تستطيع تحقيق التوازن بين الانفتاح على التكنولوجيا العالمية والحفاظ على الخصوصية الثقافية والهوية الوطنية ستكون الأكثر قدرة على تحقيق الازدهار في العصر الرقمي.








