الساعة الان

12:13 م

logo
الإفلات من المصيدة !

الإفلات من المصيدة !

الإفلات من المصيدة !

دعد ديب

27‏/10‏/2025، 11:01:22 ص

تكتسح الثورة الرقمية العالم كأخطبوط ضخم، لا مناص من الوقوع في شباكه، ولا طاقة للفرد بتجاهله أو الانفكاك من أحضانه المتعددة، ورغم الفوائد الجلية التي يلمسها الإنسان من خلال الوصول السريع إلى كمّ هائل من المعلومات في مجالات الصحة والتعليم والأمن - وهو ما يظن معه أنه يجني خيرًا عميمًا - إلا أن الحقيقة على النقيض من ذلك.

 

 لعل أحد أبرز الأوهام سلاسةً هو وهم الحصول على كل شيء مجانًا، مما يدفعنا إلى التساؤل عن المغزى الحقيقي من جعل آلاف التطبيقات والخدمات متاحة دون مقابل، ما لا يدركه معظم مستهلكي التكنولوجيا أن "البيانات الضخمة" (Big Data) تسيطر على العالم بأسره عبر المعطيات التجميعية، وهي كل الأثر الرقمي الذي يخلفه المستخدمون أثناء تجوالهم في فضاء الإنترنت عبر منصات مثل فيسبوك وغوغل وآبل وأمازون وتويتر، هذه البيانات تُجمع لاحقا وتُنقل إلى مؤسسات استخباراتية أو شركات تجارية، لتباع مرارا وتكرارا وفقا لحاجة الجهة المستفيدة. لا يُدرك الفرد أنه بانسياقه اللامُبالي في التعامل مع العالم الافتراضي، يفرط طوعا في حميمية خصوصيته، ولا ينتبه إلى كيف تُسحب حريته على مهل وبطريقة لا يشعر بها، من خلال تعريضه لمؤثرات تصوغ وعيه ورأيه وذائقته، فعندما يتحكم "غوغل" في تيار المعلومات المقدمة للبشر، بوصفه مختزنا ومحتكرا للحقيقة - أو ما يمكن تسميته "أرشيف الحقيقة" - فإن قوة "البيانات الضخمة" تتعاظم عبر آلاف الرسائل والتغريدات التي تُجمع من كل حدب وصوب، ناهيك عن معطياتنا الشخصية التي تجمعها تلك الشركات العملاقة المسيطرة على العالم الرقمي، والتي تتجه جميعها نحو المسار ذاته. إن إغراق الفرد في العالم الافتراضي يقلص من مساحة عالمه الواقعي، هذه السيطرة الشاملة على الفضاء الرقمي تهدف إلى خلق كيانات عائمة خارج نطاق سلطة الدولة، مما يمهد الطريق لتحقيق رؤية "مارك زوكربيرغ" القائمة على أولوية الخاص على العام، وتعزيز الريبة من الدولة. لا شك أن هذا الأمر يهدد بانهيار العقد الاجتماعي بين الدولة ومواطنيها، الذين قدموا بياناتهم طوعا مقابل خدمات مجانية، في صفقة تجعل الشركات التكنولوجية تسيطر سيطرة مطلقة، والهدف النهائي هو الوصول إلى عولمة بلا حدود، حيث يُباع جزء كبير من معلومات المستهلكين علنا لجهات قد لا يدري الفرد إن كانت تعمل لصالحه أم ضده. وانطلاقًا من تقنية "Contact Chaining" أو "ربط الاتصالات"، التي طورتها "ناسا" - الوكالة المستقلة التابعة للحكومة الفيدرالية الأمريكية والمسؤولة عن برنامج الفضاء المدني وأبحاث الطيران والفضاء - ستتمكن الوكالة، بناءً على المعطيات المتقدمة للهواتف الحديثة، من التعرف بدقة على موقع كل شخص، وتحديد توقيت المكالمة ومدتها، بل وبناء ملف نفسي للمستخدمين يحلل عاداتهم وأهوائهم الدينية والفكرية وحتى أصولهم العرقية. وعندما يتجسس المحيط علينا من خلال بطاقاتنا البنكية أو بطاقات المواصلات أو غيرها من البطاقات الضرورية في الحياة اليومية - وجميعها ذات وظيفة مزدوجة - تصبح الديمقراطية ومفهوم المواطنة والحرية موضة قديمة لا مكان لها في عرف القائمين على "البيانات الضخمة". يبرز اليوم تعبير "وادي السيليكون" كرمز عالمي للابتكار وريادة الأعمال، وموطن لأكبر شركات التكنولوجيا في العالم مثل آبل وغوغل. تستثمر هذه المنطقة - التي تقع شمال كاليفورنيا - مليارات الدولارات في تكنولوجيا المستقبل، وتعتبر المحرك الرئيسي للأفكار التي تغير العالم، ضمن نظام متكامل يشمل جامعات رائدة مثل ستانفورد وشركات ناشئة ورواد رأسمال مجازف. وفي المقابل، يظهر مصطلح "وادي السيليكون السوري"، الذي يصف رؤية مستقبلية لتحويل سوريا إلى مركز إقليمي للصناعات التكنولوجية القائمة على السيليكون. تشمل هذه الرؤية استخراج ومعالجة مادة السيليكا المتوفرة بغزارة في البلاد، لصناعة منتجات عالية التقنية مثل الرقائق الإلكترونية والألواح الشمسية. وقد نستطيع من خلال هذه الرؤية فهم خلفيات النزاعات التي لا تنتهي في سوريا وحولها، وتداعيات التدخلات الدولية فيها. يوضح "مارك دوغان" و"كريستوف لابي" في كتابهما "الإنسان العاري: الديكتاتورية الخفية للرقمية" أن "الشعب الذي يتنازل عن حريته في مقابل الأمن، لا يستحق أيًّا منهما وسيخسرهما معًا". ويستعرض المؤلفان نظرية الكهف لأفلاطون، التي تشبّه الناس بأسرى في كهف لا يرون سوى ظلال الأشياء على الجدار ويظنونها الحقيقة المطلقة، بينما الحياة الحقيقية تقبع خارج الكهف. اليوم، يمكن اعتبار شاشة الحاسوب والهاتف "جدار الكهف" الجديد؛ فظلال الأشياء المعروضة للمستخدمين المقيدين أصبحت هي الحقيقة ذاتها. عندما يقدم الخوارزم للمستخدم معلومات ضمن نطاق اهتمامه فقط، فإنه يغلق عليه أبوابًا شاسعة من المعرفة، عكس ما يزعم من أنه يلبي احتياجاته. في هذا العالم الجديد، لم تعد القيمة التجارية للشخص تكمن في ذاته أو في قوة عمله، بل في هويته الرقمية التي يمكن بيعها مرات عديدة.
فالمسؤولون عن (غوغل، آبل، فيسبوك، أمازون) يتقاسمون النفوذ للسيطرة على العالم، الذي يُختزل إلى مجرد خوارزميات وحسابات رقمية، من أصغر مسألة إلى أكبرها. وتحاول هذه المنظومة استثمار كل مناحي حياة الإنسان، من بطاقته البنكية إلى الأجهزة الإلكترونية في منزله، التي تتحول إلى جواسيس تجمع بيانات عن ميوله وأفكاره، وتتمتع بحرية التصرف بها وبيعها لأي جهة ترغب. وهكذا، في العالم الرقمي الجديد، تتداعى فكرة الحياة الخاصة والحرية الشخصية. فعلى سبيل المثال، يمكن أن تعرف وكالة الأمن القومي الأمريكية عن المواطنين الألمان أكثر مما يعرف جهاز الأمن في ألمانيا نفسها، لأن الأساليب الرقمية الجديدة عابرة للحدود والقارات. كما تتعزز العلاقة التكافلية بين الحكومات والشركات التكنولوجية المهيمنة؛ فالحكومات توفر الغطاء القانوني، بينما تقدم الشركات التكنولوجيا سيل البيانات المتدفق، مما ينتج عنه إمكانية المراقبة الشاملة والتحكم في وتيرة الحياة الرقمية وأنماط الاستهلاك وطرق العمل، عبر البيانات الفورية والأخبار العاجلة والإعلانات المبرمجة، وبالتالي السيطرة على العقول والأفكار. على الرغم من أن التطور التكنولوجي سلاح ذو حدين، فإن الأتمتة والذكاء الاصطناعي قد يجلبان في أعقابهما جيشًا من العاطلين عن العمل. وفي خضم هذا، يُلهى الفرد بالاستهلاك والألعاب الرقمية، غارقًا في متاهاتها وفاقدًا للمعنى الحقيقي للحياة، في عالم افتراضي يوحي له بالرفاهية ويبعده عن النقد، ويغرقه في مد جارف من التفاهة يؤدي إلى "العبودية الطوعية". وهنا يبرز السؤال الأهم: كيف يمكن لإنسان هذا العصر الإفلات من هذه المصيدة؟ سؤال صعب وشائك، ولكن ربما من بذرة السؤال والتفكير النقدي، قد يبزغ أمل في الحل.

جميع الحقوق محفوظة | © 2024 مراصد

برمجة وتطويرID8 Media