
الذهب يتصدر المشهد... تفاقم أزمة الإغلاق في واشنطن يدفع المستثمرين نحو الملاذ الآمن

مراصد
30/10/2025، 12:40:06 م
مع بدء الإغلاق الحكومي الأميركي، صعدت أسعار الذهب إلى مستوى قياسي جديد مدعومة بضعف الدولار والطلب على أصول الملاذ الآمن، في حين عززت بيانات الوظائف الضعيفة التوقعات بأن يخفض مجلس الاحتياطي الفيدرالي "البنك المركزي الأميركي" أسعار الفائدة هذا الشهر.
وانخفض مؤشر الدولار، الذي يقيس أداء العملة الأميركية مقابل عملات رئيسية أخرى، مسجلاً أدنى مستوى منذ أكثر من أسبوع، مما يجعل الذهب المسعر بالدولار أقل تكلفة لحائزي العملات الأخرى.
▪︎ تباطؤ الاقتصاد
وقال إدوارد مير، المحلل لدى شركة "ماريكس": "تعرض الدولار لضغوط لأنه عادة ما يسبب الإغلاق الحكومي مزاجاً سلبياً للغاية تجاه الولايات المتحدة ويكون الدولار وأسواق الأسهم الأميركية من بين الضحايا". وأضاف، في حديث لقناة " BBC"، أن ضعف تقرير الوظائف الصادر عن "إيه.دي.بي"، "لن يساعد الدولار أيضاً، وهناك سبب آخر، وهو تباطؤ الاقتصاد، مما يعني انخفاض أسعار الفائدة، كل هذه الأمور تصب في صالح الذهب". وتراجعت وظائف القطاع الخاص الأميركي 32 ألف وظيفة في سبتمبر أيلول الماضي، بعد انخفاضها ثلاثة آلاف وظيفة في أغسطس آب، وكان اقتصاديون قد توقعوا خلال استطلاع للرأي، زيادة التوظيف في القطاع الخاص بمقدار 50 ألف وظيفة بعد زيادة بلغت 54 ألفاً في أغسطس آب الماضي. وأغلقت الحكومة الأميركية أجزاء كبيرة من عملياتها، مما قد يعرض آلاف الوظائف الفيدرالية للخطر، بعد أن حالت الانقسامات الحزبية دون توصل الكونجرس والبيت الأبيض إلى اتفاق تمويل. وبالنسبة للمعادن النفيسة الأخرى، ارتفعت الفضة في المعاملات الفورية 1.4% إلى 47.33 دولار للأونصة مسجلة أعلى مستوى خلال أكثر من 14 عاماً، وانخفض البلاتين 0.5% إلى 1566.30 دولار، وهبط البلاديوم 1.4% إلى 1239.97 دولار.

▪︎ خطوة غير مسبوقة
وكان أكثر من 250 ألف موظف فيدرالي أميركي لم يتلقوا رواتبهم لشهر أيلول سبتمبر الماضي، مع دخول الإغلاق الحكومي أسبوعه الثالث، وسط تصاعد الضغوط على الكونغرس لإنهاء الأزمة وتمرير موازنة تعيد فتح المؤسسات الفيدرالية، بحسب موقع "بلومبرغ". ويُتوقع أن يتجاوز عدد المتضررين مليوني موظف إذا استمر الجمود السياسي لأسبوع ثالث، بينما لوَّح البيت الأبيض بحرمان بعض العاملين من الرواتب المتأخرة بعد انتهاء الإغلاق، في خطوة تُعد سابقة منذ أربعة عقود. وقال الرئيس الأميركي دونالد ترامب : "إن الأمر يعتمد على من نتحدث عنه، فالبعض سيُعوَّض والآخرون لا"، ما أثار جدلًا واسعًا في واشنطن واتهامات للديمقراطيين والجمهوريين على حد سواء باستخدام الموظفين كـ "رهائن سياسية". ويحذر اقتصاديون من أن استمرار الأزمة قد يُخفض النمو الأميركي بنحو 0.1% أسبوعياً نتيجة تراجع إنفاق الأسر وتأثر قطاعات النقل والطيران، بينما تتزايد غيابات العاملين الأساسيين في هيئات مثل "TSA" و"FAA".
▪︎ اغلاق يربك الأسواق
وفي سياق متصل.. قال الخبير الإقتصادي جلال قناص، إن الإغلاق الحكومي الأميركي أضاف مزيداً من التعقيد إلى المشهد الاقتصادي، مشيراً إلى أنه زاد من حالة عدم اليقين والضبابية في الأسواق العالمية، ولا سيما في الولايات المتحدة، في ظل القرارات الأخيرة المتعلقة بالرسوم الكمركية واستقلالية الفيدرالي الأميركي. وأشار في مقابلة مع قناة "العربية Business" إلى أن تهديد الرئيس الأميركي دونالد ترامب بإغلاق مؤسسات حكومية أو تسريح موظفين قد يضيف مزيداً من التعقيد إلى الوضع الاقتصادي، سواء في الاقتصاد الأميركي أو العالمي. وفي ما يتعلق بالسياسة النقدية، قال قناص إن خفض أسعار الفائدة أصبح ضرورة هيكلية للاقتصاد الأميركي، معتبراً أن الاحتياطي الفيدرالي بات أكثر تقبلاً لمستوى تضخم يدور حول 3%، رغم أنه أعلى من المستهدف الرسمي. وذكر أن استمرار ضعف سوق العمل والقطاع الخاص يعزز من التوجه نحو خفض الفائدة لدعم الأنشطة الاقتصادية، مشيراً إلى أن الخطوة قد تكون بديلاً عن زيادة الإنفاق الحكومي أو خفض الضرائب. ولفت إلى أن الفيدرالي الأميركي يحتاج إلى استراتيجية واضحة بعيدة المدى بشأن مسار أسعار الفائدة، بدلاً من التركيز على القرارات المعتمدة على البيانات قصيرة الأجل، خصوصاً في ظل غياب البيانات الحالية، معتبراً أن المرحلة الحالية تمثل فرصة ذهبية للفيدرالي لتحديد ملامح السياسة النقدية المستقبلية. وأوضح قناص، أن ارتفاع الدولار الأميركي في ظل الإغلاق الحكومي يعكس استمرار اعتباره الملاذ الآمن للمستثمرين، لافتاً إلى أن الطلب المتزايد على العملة الأميركية دعم أداءها محلياً وخارجياً. وأضاف أن الأسواق لا تزال تنظر إلى الإغلاق الحكومي على أنه وضع مؤقت ناتج عن خلافات سياسية، إلا أنه حذّر من أن استمراره لفترة طويلة قد يدفع الأسواق لتسعير مخاطره، خاصة في ظل غياب البيانات الاقتصادية الرسمية التي يعتمد عليها الاحتياطي الفيدرالي في اتخاذ قراراته، وهو ما قد يزيد من صعوبة رسم السياسات النقدية المقبلة.
![]()
▪︎ قفزة قياسية
وقال كبير محللي السوق لدى "أواندا" كيلفن وونغ: "لا تزال احتمالات خفض أسعار الفائدة في أكتوبر تشرين الأول وديسمبر كانون الأول المقبل تتجاوز 80 %، مما يدعم أسعار الذهب، التي تتلقى أيضاً دعماً من الإغلاق الحكومي، بالنظر لعدم التوصل لحل بين غرفتي الكونغرس الأميركي حتى الآن".
ووفقًا لأداة "فيد ووتش" التابعة لـ"سي إم إي"، لا تزال الأسواق تتوقع تخفيضات إضافية في أسعار الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس بين أكتوبر وديسمبر المقبل بنسبتي 93 و82 % على التوالي. وعادة ما ترتفع أسعار الذهب، الذي لا يدر عوائد، في بيئة أسعار الفائدة المنخفضة وخلال فترات عدم اليقين الاقتصادي. وقفزت أسعار الذهب 51 في المئة منذ بداية العام الجاري وحتى الآن، وسط عمليات شراء قوية من البنوك المركزية، وزيادة الطلب على صناديق المؤشرات المتداولة المدعومة بالذهب، وضعف الدولار، وتزايد إقبال المستثمرين الأفراد الساعين للتحوط في ظل تصاعد التوترات التجارية والجيوسياسية.
▪︎ تصعيد إقتصادي
وأثرت الحرب التجارية بين الصين والولايات المتحدة على معنويات المستثمرين بعد تراجع الدولار، كما أثرت التكهنات بخفض أسعار الفائدة هذا العام على العملة الأميركية. وارتفع اليورو " 0.14%" إلى 1.1664 دولار في التعاملات المبكرة، مسجلاً أعلى مستوى له في أسبوع، وصعد الين إلى أعلى مستوى في أسبوع عند 150.52 للدولار.
وينصب تركيز المستثمرين على الخلاف التجاري بين أكبر اقتصادين في العالم وفيه انتقد المسؤولون الأميركيون توسيع الصين لقيود تصدير المعادن الأرضية النادرة ووصفوها بأنها تهديد لسلاسل التوريد العالمية. ودافعت وزارة التجارة الصينية عن الضوابط مشيرة إلى الإجراءات الأميركية على السلع والشركات الصينية ووصفت الانتقادات الأميركية بالنفاق. ورغم الإجراءات المتبادلة، لا يزال الرئيس الأميركي دونالد ترامب يتوقع لقاء الرئيس الصيني شي جين بينغ في كوريا الجنوبية هذا الشهر، حسبما قال وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت. وواصل الجانبان فرض رسوم جمركية منخفضة وتدفقات المعادن الأرضية النادرة بموجب هدنة تجارية مدتها ستة أشهر تم تمديدها 90 يوماً لعدة مرات، وأشار بيسنت إلى إمكانية تمديدها لفترة أطول.

▪︎ ارتفاع نسبة البطالة
وتراجع الدولار الأسترالي 0.4% إلى 0.6485 دولار أميركي بعد أن أظهرت البيانات أن البطالة بلغت أعلى مستوى لها في أربع سنوات تقريباً في سبتمبر أيلول الماضي، مما يعزز من توقعات خفض أسعار الفائدة. ومع دخول الإغلاق الحكومي الأميركي أسبوعه الثالث، يركز المستثمرون على تعليقات صُنّاع السياسات لمعرفة مسار "مجلس الاحتياطي الاتحادي" في الأجل القريب. ويتوقع المتعاملون تيسيراً نقدياً بواقع 48 نقطة أساس هذا العام، مما يشير إلى زيادة الثقة في خفضين آخرين لأسعار الفائدة في 2025. وقال البنك المركزي الأميركي إن النشاط الاقتصادي في البلاد لم يشهد تغيراً يذكر، كما أن التوظيف كان مستقراً إلى حد كبير في الأسابيع الماضية، ومع ذلك توجد مؤشرات على ضعف سوق العمل وتراجع طفيف في الإنفاق.
▪︎ التطورات في اليابان
في غضون ذلك، تتجه الأنظار أيضاً إلى التطورات السياسية في اليابان بعد فشل البرلمان في تحديد موعد للتصويت من أجل اختيار رئيس وزراء جديد.
واختار الحزب الديمقراطي الحر الحاكم ساناي تاكايتشي رئيسة له، لكن الطريق لتكون أول رئيسة وزراء لليابان أصبح أكثر صعوبة بعد أن قرر حزب "كوميتو" إنهاء التحالف. وانخفض مؤشر الدولار، الذي يقيس أداء العملة الأميركية مقابل ست عملات أخرى، بنسبة 0.16% عند 98.512 متجهاً إلى انخفاض أسبوعي 0.33%، وفقاً لخبراء اقتصاديين.
ويُعَدّ الاقتصاد الياباني خامس أكبر اقتصاد عالمياً من حيث الناتج المحلي الإجمالي الاسمي، إذ بلغ نحو 4.2 تريليونات دولار في عام 2025، وفق تقديرات صندوق النقد الدولي ومنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية. ورغم هذه المكانة، ظل النمو ضعيفاً طوال العقد الأخير، متأرجحاً بين التباطؤ والانكماش، بسبب شيخوخة السكان، وتراجع الإنتاجية، والاعتماد الكبير على الطلب الخارجي، مما يجعل اليابان قوة اقتصادية ضخمة الحجم، لكنها محدودة الدينامية، وهو ما يفرض ضغوطا مباشرة على هيكل الإيرادات الحكومية.

▪︎ ماذا يعني الإغلاق ؟
يُعدُّ الإغلاقُ الحكوميُّ الأمريكيُّ حدثاً سياسياً يُثيرُ قلقَ الأسواقِ الماليةِ، خصوصاً إذا طال أمده، وهو يَحدثُ عندما يَفشلُ الكونغرسُ الأمريكيُّ في تمرير مخصصات الميزانية الضرورية لتشغيل بعض أجهزة الحكومة. في مثل هذه الحالات، تتوقفُ بعضُ الخدماتِ الفيدراليةِ، وقد تُؤخرُ بياناتٌ اقتصاديةٌ أو يُقلّصُ الإنفاقُ الحكوميُّ، مما يَزيدُ حالةَ عدمِ اليقينِ في الأسواق. وهناك آليات لتأثير الاغلاق الحكومي على أسعار الذهب ومنها :
- الطلب على الملاذ الآمنSafe Haven" Demand" عند ارتفاع القلق السياسي أو المالي، يَتجهُ المستثمرون إلى الأصولِ التي تُعدُّ أكثرَ أماناً، والذهب من أبرزها، والإغلاق الحكومي يُعززُ حالةَ عدمِ اليقينِ، وقد يَدفعُ بعضَ المستثمرينَ إلى تحويل جزء من استثماراتهم نحو الذهب.
- ضعف الدولار الأمريكي: بما أن الذهب يُسعّرُ غالباً بالدولار، فحين يَضعفُ الدولارُ ، سواء بفعل تراجع الثقة أو توقعات تيسير نقدي، يزدادُ جاذبيةُ الذهبِ للمشترين بعملات أخرى. وفي الأوقات التي يُنظرُ فيها إلى الإغلاق على أنه عامل ضغط على الاقتصاد الأمريكي، قد يَضعفُ الدولارُ بالفعل، في الأوقات الأخيرة، ولُوحظَ نمطُ ارتفاعِ أسعارِ الذهبِ مدفوعًا بقلّة قوة الدولار "Investing.com".
- تأثير على السياسات النقدية "توقعات الفائدة": إذا أدَّى الإغلاقُ إلى تباطؤٍ اقتصاديٍّ، قد تَزدادُ التوقعاتُ بأن الاحتياطي الفيدرالي سيُخفّضُ أسعارَ الفائدةِ أو يَكونُ أكثرَ مرونةٍ في سياسته. ومع أن الذهب لا يُدِرُّ فوائدَ، فإن خفض الفائدة يُقللُ تكلفةَ الفرصةِ البديلةِ للاحتفاظ بالذهب، مما يُدعمُ الطلبَ عليه. في الواقع، في الأخبار الحالية، يُشيرُ بعضُ المتداولينَ إلى أن المخاطر المتزايدة على الاقتصاد تُدعمُ آمالَ خفضِ الفائدةِ لاحقًا.
- تأخير البيانات الاقتصادية وتقليل الشفافية: قد يُؤدّي الإغلاق إلى تأجيل إصدار بيانات مثل الوظائف "Non-Farm Payroll" أو التقارير الاقتصادية الأخرى التي يَعتمدُ عليها المستثمرون لتقييم صحة الاقتصاد، وهذا النقص في المعلومات يَزيدُ من الضبابيةِ، ويَدفعُ البعضَ نحو الذهب كأداة للتحوط.
- التأثيرات المحدودة على الطلب الفعلي: من جهة أخرى، الإغلاق لا يُوقفُ النشاطَ الاقتصاديَّ الأساسيَّ بالكامل، ولا يُغيّرُ فجأةً من إنتاج المصارف أو الشركات الكبرى. لذا، الأثر الحقيقي على الطلب الصناعي أو الطلب في الاستخدامات الحقيقية للذهب "مثل المجوهرات أو الصناعة" قد يكونُ محدوداً.








