
سدنة المعنى... مدونات عراقية في السيرة

غنوة فضة
11/11/2025، 11:26:47 ص
تعدّ سيرةُ المبدع الذاتية مخزناً للأسرار التي توثّقُ حياتهُ والأحداث الجارية في زمنه. إلا أن كثيراً من العلماء والمبدعين رحلوا قبل أن يُسجلوا سيرهم، وتُوثَّق إنجازاتهم.
لذا، تحضر "السيرة الغيرية" بوصفها سيرةً يكتبها شخصٌ عن آخرَ، وتقدم وثيقةً احترافية ولربما تحضر بوصفها عملاً أدبياً. وضمن هذا السياق يحضر كتابُ "سدَنة المعنى" (دار أهوار 2025) للكاتب والباحث العراقي جمال العتابي (1946) ليسلّط الضوء على سيرة العراق ومبدعيه، ويوثق وإياهم ظروفاً تاريخية عصيبة مرت بها البلاد، حيث كادت الكثير من الإنجازات الفكرية والثقافية أن تطوى في سجلّ النسيان. ليكون الكتاب بمثابة مدونةٍ عراقية في فن السيرة، وجهداً توثيقياً يستعيد نخبة من المثقفين والأدباء والسياسيين العراقيين الذين عملوا بوصفهم حراساً للفكر، وحافظين لنزاهته من الامحاء والتلاشي. ويُجسّدُ الكتابُ سجلاً توثيقياً هاماً، ليس لفنّ السيرة فحسب، بل للأفكار التي حملها هؤلاء الرواد، وإيمانهم بالعقل والمعرفة سبيلاً للتنوير. ويحلل الأبعاد الفكرية والمنهجية لآثارهم ساعياً إلى استكشاف دورهم، وموثقاً للذاكرة الجمعية للعراق من خلال رؤية تستلهم إشراقات الماضي وتدفعها إلى المستقبل. ومن العنوان "سدنة المعنى" نلتمس دلالات عميقة؛ فاستخدام مفردة "سدنة" في اللغة تحمل معنى حراس المعابد الذين يحافظون على المقدسات. وبالتالي فإن العنوان يقترح مقاربة جمالية تتعلق في النظر إلى هؤلاء المثقفين بوصفهم حراساً لعمق العراق الحضاري وسُعاةً لحماية قيمه الفكرية والأخلاقية. وعلى الرغم من أن الكتاب لا يميل إلى شخصياتٍ دون غيرها، بل يركز على الأفكار الجامعة للبصمة التي تُركت واضحةً في المشهد الثقافي العراقي، ومنها المثقفون والأدباء والأكاديميون والسياسيون... إلا أن القاسم المشترك بينهم؛ أنهم يجسدون رمزاً لوثيقة فكرية لا تنعزل عن سياقاتها؛ أي أن الكتابة عن إنجازاتهم ومسيرتهم الفكرية ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالتحولات التاريخية الكبرى التي مرّ بها العراق خلال القرن السالف. ومن خلال هذه الاستعادة الفكرية لروح العراق الحضارية. نطّلع إلى ذلك المنعطف الكبير الذي جسّدهُ صدور كتاب ثورة الزنج للدكتور فيصل السامر (1924-1982) وتلك الأسئلة التي تركها حول محاولات تزييف التي مارستها الطبقات السائدة، ومعارضته الدقيقة لما أوردهُ الطبريّ في تأريخه لحادثة ثورة الزنج (869-883) وإخراجه أخبار انتفاضة العبيد المظلومين في ظل النظام الإقطاعي. إلا أنّ اللافت كما يوثق الباحث هو ميلُ الطبريّ لوصف ثورة المظلومين في مدينة البصرة بوساطة لغة تدنّت إلى مستوى الشتائم، وتبدّل سلوكه البحثي بشكل كلي فيما تعلق بسرد أحداثها، بينما جاء كتاب الدكتور السامر بصور دراسةٍ حيادية قدمت للحدث بعقلية تأريخية نزيهة وموضوعية. كما يوثق الكتاب دور السياسي العراقي مكرّم طالباني (1923-2025) بوصفه شخصية سياسية لعبت دورها في السياسة العراقية بعد انهيار النظام عام 2003، إلا أنه ثمة إشكالات واجهته في أثناء البحث في سيرته أولها أنه كان من أبرز المقربين للنظام السابق بعد عام 1968، لكن ذلك لم يمنعه من التأهل للتفاوض مع الأحزاب الكردية ونيلهِ قبول الجميع لما تمتع به من توازنٍ في الموقف وحصافة في الرأي. هذه المحاولات التي تمثّلها الكتابة السيرية، تتجه إلى إنقاذ ذاكرة العراق من الضياع. وتهدف لتوثيق المراحل التاريخية المرافقة بكل إنجازاتها وإخفاقاتها. وهي بذلك محاولة للوقوف في وجه القوى الرسمية التي خالفت توجّهات الرواد التنويريين. وقد تبدو محاولة رصد جميع الأسماء الواردة في الكتاب مستحيلة في مقال واحد، إلا أن ثمة سيراً تدفع مصائرها المؤلمة لاستعادتها والإتيان بما أفضت إليه الطرق التي أُتيحت لها. فالطريق الذي سلكهُ المفكر الاقتصادي محمد سلمان حسن (1928-1989) كان طريقاً محفوفاً بالآلام. إذ كان الوطن بالنسبة له بمثابة فخّ حاول الدخول إليه من أوسع أبوابه،، ولم يشفع له بحثه بوصفه مفكراً عن حلول لمشكلات العراق الاقتصادية، ومن غير أن يتوقف عن مواصلة نشاطه الفكري بعد سجنه بتهمة الانتماء إلى الحزب الشيوعي، ولم ينقذه إغناؤه المكتبة العربية بعشرات الكتب والترجمات. بل اقتيد إلى مستشفى المجانين في مدينة (الرشاد) في بغداد، واغتيال نجله وابنته حتى توفي في بغداد، لتجسد حياته محنة تدفعنا للتساؤل حيال وطن بيعَ نفطاً ودماً، ونُحرَ حتى خرجت سير رواده بصورة مآسٍ عظيمة. هذا الدور التنويري للرواد في بناء مؤسسات الدولة، جعل من عملية البحث في سيرهم جهداً بالغ الأهمية بفهم الجذور الفكرية والتاريخية لمؤسسات العراق الحديث، وكيفية بنائها على أسس معرفية رصينة. ومن غير أن نغفل ما ذكره الدكتور جليل العطية في مقدمة الكتاب عن الوفاء الذي حملهُ الدكتور العتابي للحياة التي عاشها، وللكتابة ذاتها بوصفها وسيلة لإنقاذ الذاكرة من النسيان، وبمعزلٍ عن إغفال الصبغة الأكاديمية الموضوعية، فإنّ كتاب "سدنة المعنى" يمثل استمراراً لمشروع ثقافي متكامل سعى الباحث من خلاله إلى الحفاظ على الذاكرة الثقافية للعراق، إذ يأتي البحث في سياق المقاومة الثقافية ضد الصور النمطية والسلبية التي روّجت عن العراق في العقود الأخيرة، بل يستعيد الوجه الحضاري له عبر سير رواد التنوير فيه. والكشف عن أنه لم يكن أرضاً للصراع والحروب، بل كان ومنذ القدم أرضاً للفكر والتنوير. وهو ما يجعل من الكتاب إضافة نوعية للمكتبة العربية، ومرجعاً هاماً للباحثين والدارسين المهتمّين بالتاريخ الثقافي للعراق، ويملأ في الوقت ذاته فراغاً في التوثيق الثقافي لمرحلة مهمة من تاريخ العراق الحديث. وعلى الرغم من صعوبة الإحاطة بكل منجزات الرواد الواردة أسماؤهم في الكتاب، إلا أن البعد الأخلاقي للكتابة جليّ، فالباحث يتحدث عن ضرورة الكتابة عن كل من أسهم في دفع عجلة العراق الثقافية، من أولئك (العمال) الذين وقفوا في الظل، ووفاء لهم، ولأنهم تعرضوا للتجاهل؛ فلم يتناول الرواة سيرتهم، ولم يكتب عنهم الشعراء، ومنهم (أبو شمخي) حارس مطبعة الرواد. وعلى الرغم من عمله فلاحاً، إلا أن الظروف التي دعته للعمل حارساً للمطبعة، لم يمنعهُ من التشبّع بتعاليم العلم وحفظ ما كان يسمعه في الاجتماعات وما ردده التنويريون آنذاك. مؤمناً بأنّ الوهم الذي ابتدعه أبو شمخي لما سُمي (سر الليل) كان كافياً لردع من يتجرأ على اقتحام المبنى، وكأنه وصيّ على حياة العمال فيها، وحارساً للمعنى في مهنةٍ لا يمكن سوى لحرفٍ ناصع أن يُنصف تاريخها. هكذا تُرجمت حياته، كما نقل الدكتور العتابي عن طريق الشواهد والوثائق، مساحاتٍ معرفيةً ورحلاتٍ لمبدعي العراق بنوع من الكتابة التي تلتقي بالذاكرة الوطنية، وتجعل من راصدها شاهداً يعيد بناء الماضي بلغةٍ أدبيةٍ، ودقة ثقافية وتاريخية. لذا فإن الجهد التوثيقي الذي بذله الكاتب هو جهد ملهم يستحق القراءة، ليس لأهميته في توثيق الماضي فحسب، بل أيضاً لدوره في استشراف المستقبل. حيث يذكّر الأجيال الجديدة بأن بناء العراق يحتاج إلى استلهام روح الرواد وإصرارهم على البناء رغم التحديات. وبذلك فإن كتاب "سدنة المعنى" يحضر كما لو أنه خطاب مقاومة ضد النسيان والضياع، وشاهد على أن المعنى لا يموت ما دام له سدنةٌ يحمونه، وما دامت هناك عقولٌ تواصل السير في درب التنوير. وهو في الوقت ذاته خطاب تفاؤل بأن العراق، على الرغم من كل ما مرّ به، سيظلّ أرضاً خصبة للإبداع والفكر، طالما أن هناك من يحمل شعلة المعنى فيه ويحرسها من الانطفاء.
اخترنا لكم

التفسير مرآة لعصر المفسِّر
28/8/2024، 11:38:59 م

مهمة سافايا
4/12/2025، 9:57:00 ص

إغراق السفن... تكتيك حوثي يربك الملاحة في البحر ال...
21/7/2025، 11:21:33 ص

أتمتة العقل السياسي
8/2/2026، 11:28:56 م

الفردوس بين الأسطورة والحداثة
21/7/2025، 12:38:24 ص

هندسة العقول
3/12/2025، 11:16:10 ص

قرن المنازلة
10/12/2024، 3:21:00 م

مستقبل الأموال العامة في ظل حكم مجهول المالك -2-
8/12/2024، 9:09:09 م

طيران فوق عش الوقواق
8/12/2024، 8:55:57 م