
الانتخابات العراقية.. الاستحقاق الديمقراطي والاختبار الحقيقي للمستقبل المنظور

مراصد
18/11/2025، 11:20:56 ص
تعد الانتخابات العراقية لعام 2025 محطة فاصلة في مسار العملية الديمقراطية في العراق، حيث تتداخل فيها الديناميات السياسية والاجتماعية، ويبرز فيها دور الفواعل التقليدية والجديدة على حد سواء.
شكّلت هذه الانتخابات اختبارًا حقيقيًا لقدرة النظام السياسي على الصمود أمام تحديات القوى المسلحة خارج سلطة الدولة، والصراعات الداخلية، وضغوط القوى الإقليمية والدولية. وفي الوقت نفسه، تُعد مقياسًا لمقدرة الشباب والمرأة على تحويل المطالب الشعبية السابقة إلى تأثير ملموس في العملية السياسية. اتسم المشهد الانتخابي في العراق بتعدد مستويات الرمزية: رسمية داخل مراكز السلطة مثل المنطقة الخضراء، وشعبية خارجها، بما يعكس استراتيجيات القيادات السياسية في إدارة صورها أمام الجمهور وبناء شرعية سياسية تتجاوز الإطار القانوني البحت. وقد أسهمت التكنولوجيا والإعلام الرقمي في تعزيز هذا التفاعل والتأثير على النقاش العام حول الإصلاحات السياسية والاجتماعية. من هنا يمكن استقصاء الانتخابات من خلال أربعة محاور رئيسية: الصور الذهنية للقيادات داخل وخارج المنطقة الخضراء، وتقييم المشاركة الشبابية والنسائية وانعكاسها على الفواعل التقليدية، وآليات الرقابة المحلية والعربية والدولية وتحليلاتها، وتقدير الموقف الاستشرافي لما بعد الانتخابات. يستند التقرير إلى مراجعة منهجية للتقارير الصادرة عن المجلس الأطلسي، وتقارير المراقبة الدولية، والتحليلات الإعلامية الميدانية، مع التركيز على الربط بين الظاهرة الرمزية والنتائج السياسية المتوقعة، بما يتيح للقارئ فهمًا متعمقًا للمتغيرات المؤثرة على العملية الانتخابية ومستقبل الحكم في العراق.

▪︎ الصور الذهنية
شهدت لحظات الإدلاء بالأصوات في الانتخابات مشاهد رمزية متباينة، تعكس توظيف الرموز الاجتماعية والسياسية لبناء صورة عامة أمام الناخبين. داخل المنطقة الخضراء، التي تضم المؤسسات الحكومية والسفارات الأجنبية، اعتمدت قيادات التحالفات الكبرى على الرمزية الرسمية واللغة الجسدية المنضبطة لتأكيد الشرعية والمصداقية. فعلى سبيل المثال، ظهر رئيس الوزراء محمد شياع السوداني برفقة والدته على كرسي متحرك أمام مركز انتخابي خارج المنطقة الخضراء، في صورة تحمل رسائل مزدوجة: الإنسانية والتواضع من جهة، والالتزام بالقيم العائلية والأصالة من جهة أخرى. صُمّم هذا المشهد لتعزيز الثقة الشعبية في شخصه كقائد قادر على الجمع بين السلطة والمسؤولية الأخلاقية. في المقابل، اختار نوري المالكي الظهور بهيئة رسمية داخل مراكز الاقتراع، مؤكدًا صلابة موقفه السياسي وتجذره في السلطة، بما يعكس استراتيجيات التواصل الرمزي مع قواعده التقليدية. فيما اتسمت الصور الرمزية للقيادات خارج المنطقة الخضراء بالمرونة والانفتاح على الرموز الشعبية والاجتماعية. استثمر المرشحون القرب الجغرافي والاجتماعي لإظهار القرب من المواطن العادي. فمثلاً، رافق مثنى السامرائي عائلته لتسليط الضوء على الانتماء الأسري والاستقرار الاجتماعي، بينما اعتمد خميس الخنجر لغة جسدية متزنة لتعزيز صورته كزعيم معتدل يعكس استقرارًا قياديًا. كذلك حاول المرشحون جذب قطاعات الشباب والمستقلين من خلال ممارسات بسيطة وصادقة مثل الحضور مع الأسرة أو التفاعل المباشر مع الناخبين، كما ظهر رائد فهمي بلغة جسد عفوية مع زوجته، مبرزا قيم المساواة والتقارب الإنساني.
تجمع هذه المشاهد بين الرمزية الرسمية داخل المنطقة الخضراء والرمزية الشعبية خارجها، لتشكل لوحة متكاملة تعكس وسائل القوى السياسية في إدارة صورها العامة. ويمكن القول إن هذه الانتخابات أصبحت ساحة لصراع الرموز والصور الذهنية، حيث تلعب لغة الجسد والاختيارات الرمزية للقيادات دورا محوريا في التأثير على انطباعات الناخبين.

▪︎ تحليلات أمريكية من ميدان الانتخابات
نشر المجلس الأطلسي للأبحاث تقارير مبعوثيه “فكتوريا تايلور"، و"ن. بيشكتاش" و"د. جراح". أشارت تقاريرهم إلى أن الانتخابات، رغم كونها الإطار الرسمي للممارسة الديمقراطية، تحولت عمليًا إلى آلية لإعادة توزيع السلطة داخل النخب التقليدية أكثر من كونها وسيلة لتجديد الشرعية أو تمثيل الإرادة الشعبية. فالتجارب السابقة أظهرت أن جوهر العملية السياسية يعتمد على “توازن النخب”، حيث تُستبدل الإصلاحات الحقيقية بـ "صفقات الاستقرار" غير المعلنة، والتي تحافظ على بقاء النظام السياسي وتعزز الفساد والمحاصصة. كما أشارت هذه التقارير إلى دور الإعلام الرقمي كعامل مزدوج: فهو منصة لتعزيز حضور الشباب والمستقلين سياسيًا، لكنه يُستغل أحيانًا لتأجيج الانقسامات الطائفية والقومية، ما يزيد التوترات الاجتماعية ويؤثر سلبًا على المناخ الانتخابي. ويقترح المجلس الأطلسي اعتماد ميثاق إعلامي وطني وضوابط على المحتوى الرقمي للحد من التحريض وتعزيز الحوار الموضوعي بين المرشحين. وفقًا لهذه التقارير، لن تفرز انتخابات 2025 فائزا واضحا، بل تنتج خريطة سياسية تعتمد على تفاهمات فوقية بين القوى التقليدية والكتل الشيعية والسنية والكردية، مع اتساع الفجوة بين الدولة والمجتمع وتآكل الثقة الشعبية، ما يجعل الشرعية المستقبلية للحكومة محصورة ضمن النخب وليس الإرادة العامة. ويشير المجلس إلى المخاطر الإقليمية والدولية المحتملة، بما في ذلك استمرار عسكرة السياسة وصراعات الفصائل، إذا لم تُستثمر فترة ما بعد الانتخابات في بناء مؤسسات مستقلة وشفافة.
▪︎ مشاركة الشباب والمرأة في الانتخابات
يبرز أحد التقارير صعود الشباب كقوة سياسية ملموسة، انعكاسًا لمظاهرات 2019، حيث يشكل الشباب نحو 40% من المرشحين، منهم نسبة كبيرة تحت سن 35 عامًا. وهذا يعكس إرادة الجيل الجديد في تحويل الاحتجاجات إلى مشاركة سياسية منظمة، مع التركيز على الكفاءة والنزاهة والمواطنة بدل الانتماءات الطائفية والمذهبية. ومع ذلك، يظل تأثيرهم محدودًا بسبب الهيمنة التقليدية للكتل الكبرى والفصائل المسلحة، ونظام الدوائر الانتخابية الموسع الذي يمنح الأفضلية للقوى التقليدية على حساب الأصوات الاحتجاجية والمستقلين. يشير التقرير إلى أن الشباب يمثلون القوة الديمغرافية الأكبر في العراق، إذ يشكلون أكثر من 65% من السكان دون سن الثلاثين. ومن بين نحو 8 آلاف مرشح على 329 مقعدًا في البرلمان، يشكل الشباب نحو 40%، بينهم نسبة ملحوظة تحت سن 35 عامًا. هذه المشاركة الواسعة تعكس إرادة جيل سبق أن خرج إلى الشوارع في احتجاجات 2019 لتحويل طاقاته الاحتجاجية إلى مشاركة سياسية منظمة.
في هذا الإطار، تمثل المرأة العراقية، رغم التحديات الاجتماعية والثقافية، عنصرًا مهمًا في الانتخابات، مع نسبة حضور بارزة ضمن قوائم المرشحين، لا سيما في الدوائر الحضرية. تشير التحليلات إلى أن النساء يسعين إلى رفع صوت الكفاءة والمواطنة، بعيدًا عن الانتماءات الطائفية، مع التركيز على قضايا التعليم، الصحة، وتمكين المرأة. وجود المرأة كمرشحة وكناخبة يفرض على الأحزاب التقليدية تعديل استراتيجياتها ودمج وجوه نسائية ضمن قوائمها لإضفاء مصداقية حديثة وعصرية. في هذه المقاربة، يُبرز صعود الشباب والمرأة تحديًا مباشرًا للأحزاب والكتل الكبرى التي اعتمدت على الشبكات التقليدية والمحاصصة الطائفية والمناطقية لضمان الولاءات. ولن يظهر تأثيرهم بشكل كامل على تشكيل الحكومة، لكن حضورهم يعيد تشكيل النقاش العام ويجبر الأحزاب على إعادة حساباتها حول السياسات والأجندات، خصوصًا في الإعلام الرقمي ومنصات التواصل الاجتماعي.

▪︎ مراقبة محلية وعربية ودولية
تُعتبر الرقابة الانتخابية عنصرا حيويا لضمان نزاهة وشفافية الانتخابات في بيئات سياسية معقدة مثل العراق. جرت انتخابات 2025 تحت إشراف المفوضية العليا المستقلة للانتخابات التي أشرفت على تسجيل الناخبين والمرشحين وإدارة صناديق الاقتراع وفرز الأصوات، مع تعزيز آليات المراقبة التقنية مثل الكاميرات والبرمجيات لمراجعة قوائم الناخبين. فيما شاركت عدة بعثات عربية ودولية، مثل بعثة جامعة الدول العربية، التي ركزت على تقييم التزام العراق بالمعايير الديمقراطية، بما يشمل حرية الوصول إلى صناديق الاقتراع وضمان مشاركة الشباب والمرأة. كذلك البعثات الدولية مثل بعثة الاتحاد الأوروبي ومراكز دراسات أمريكية وأوروبية، ركزت على الشفافية والاستقلالية والمصداقية العملية، ورصد التمويل السياسي، والتحريض الطائفي في الإعلام الرقمي. وتشير التحليلات إلى أن التنسيق بين الرقابة المحلية والعربية والدولية يعزز نزاهة الانتخابات، لكن التحديات البنيوية، لاسيما هيمنة الأحزاب الكبرى، وضعف الشفافية المالية، تصعب تحقيق رقابة كاملة. إذ إن نجاح الرقابة يقاس بمدى تعزيز ثقة المواطنين بالمشاركة، وليس فقط برصد الانتهاكات. في هذا السياق، وسعت المؤسسات الرسمية لعرض صورة إيجابية للعملية الانتخابية؛ فقد أكد السفير فائد مصطفى، رئيس بعثة جامعة الدول العربية لمراقبة الانتخابات، أن البعثة "تتابع الاقتراع بكل حيادية وتجرد"، وفقًا لتقرير نشرته وكالات الأنباء. من جهة أخرى، أعلنت المفوضية العليا المستقلة للانتخابات عن "حل مشكلة عدم ظهور بعض البصمات باستخدام الكاميرا البايومترية". كما نقلت الوكالة الرسمية عن عماد جميل، رئيس الفريق الإعلامي للمفوضية، قوله إن "حركة الناخبين في الأطراف والمناطق الريفية تشهد إقبالاً مفرحًا". الأكثر لفتا للانتباه كان مشاهد المقاطعة الواسعة في معاقل التيار الصدري. فنقل مراسلون عرب عن شهود عيان أن "معاقل التيار الصدري في بغداد، مثل مدينة الصدر والشعلة، بدت فارغة من المارة، وقد أغلقت معظم المحلات أبوابها، كأن حظر تجوال قد فُرض فيها". وأشارت المصادر إلى أن ذلك جاء "استجابةً لاتباع التيار لأوامر الصدر بعدم الخروج يوم الانتخابات".

▪︎ ما بعد يوم الانتخابات ؟
مع اختتام الانتخابات، يبرز السؤال عن اليوم التالي باعتباره لحظة فاصلة تحدد مسار الحكومة القادمة وطبيعة التوافقات السياسية ومكانة الشباب والمرأة في العملية السياسية، ومن بين أبرز المؤشرات :
- صعود الدور الشبابي: الشباب يمثلون نسبة كبيرة من الناخبين والمرشحين، ويضغطون على القوى التقليدية لإعادة تعريف قواعد اللعبة السياسية.
- القيود البنيوية: التحالفات التقليدية والفصائل المسلحة تحد من استقلالية الحكومة الجديدة، ما يؤدي إلى توازن هش بين الاستقرار الظاهري وإمكانيات الإصلاح.
- النشاط الرقابي والمراقبة السياسية: متابعة المراقبين المحليين والدوليين للفرز النهائي ورصد أي محاولات للتلاعب بالنتائج.
- الإعلام الرقمي والاجتماعي: استمرار الشباب والمواطنين في التعبير عن تطلعاتهم، بينما يشكل التحريض الطائفي تحديًا للمناخ الاجتماعي.
- التفاوض على المناصب السيادية: جولات تفاوضية مكثفة بين الكتل لتوزيع الرئاسات والوزارات الرئيسة، وسط ضغط مستمر من الشباب والمرأة والمستقلين.
من منظور استشرافي لما بعد الانتخابات، يشير اليوم التالي للانتخاب إلى مرحلة حساسة من التفاوض والمراقبة والضغط المجتمعي، حيث سيكون للشباب والمرأة دور محوري في الدفع نحو إصلاحات ملموسة، بينما ستظل قدرة الحكومة محدودة بسبب القيود البنيوية والتحالفات الفصائلية. إن نجاح العراق المستقبلي يعتمد على قدرة الحكومة الجديدة والمجتمع المدني والإعلام على تحويل هذه المرحلة إلى منصة لإعادة صياغة العلاقة بين السلطة والمواطنين، وتعزيز الحوكمة الشفافة بعيدًا عن المحاصصة والتهديدات المسلحة، بما يتيح فرصة حقيقية لتحقيق تطلعات الشعب العراقي نحو دولة ديمقراطية مستقرة وعادلة.








