
بغداد بين واشنطن وتل أبيب... خمسة سيناريوهات إسرائيلية للتعامل مع العراق

مراصد
22/11/2025، 9:34:22 ص
بعد بدء التفكير العراقي باتخاذ خطوات دستورية لتشكيل الحكومة المقبلة، بدت المواقف الأمريكية والإسرائيلية "معلنة جدا"، وهذا ما انعكس في عدد من التقارير والدراسات التي نشرت قبل الانتخابات وبعدها
أبرزها تقرير موقع "أمواج ميديا" الذي حلل ما نشر عن تلك المحادثة الهاتفية بين وزير الدفاع الأمريكي ووزير الدفاع العراقي، وتبعه تحليل موسع نشره معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى بقلم أحد أبرز خبرائه "ديفيد شينكر" وهو دبلوماسي سابق، ثم ما أورده معهد الأمن القومي الإسرائيلي في دوريته الفصلية عن المواقف التي يقدمها المعهد لصانعي القرار الإسرائيلي في التعامل مع المستقبل المنظور مع العراق. التفكير المتعمق في السياسات البديلة، يبدأ في قراءة مخرجات ما ينشر في المواقع الأمريكية والأوروبية والإسرائيلية والتوقف عندها، وهذا ما تسعى "مراصد" إليه في ترجمة وتحليل هذه التقارير.
▪︎ مكالمة هاتفية!!
بناءً على التقرير المفصل الذي نشرته "أمواج ميديا"، يمكن تحليل الموقف الرسمي الأمريكي تجاه التطورات في العراق من خلال عدة محاور أساسية تعكس رؤية استراتيجية واضحة تجاه ما تعتبره واشنطن تهديدات لمصالحها في المنطقة. كشف التقرير أن البنتاغون وجه "إنذارا نهائيا" للعراق عبر وزير الدفاع العراقي، مما يعكس تحولا في الاستراتيجية الأمريكية من الدبلوماسية إلى لغة التهديد المباشر. هذا الإنذار لم يأت من فراغ، بل يمثل ذروة تراكم الإحباط الأمريكي من عدم قدرة أو عدم رغبة الحكومة العراقية في كبح جماح الميليشيات الموالية لإيران. الموقف الأمريكي هنا يعتبر أن بغداد إما عاجزة عن السيطرة على هذه الميليشيات، أو غير راغبة في ذلك، مما يستدعي تحميلها مسؤولية عواقب أي عمل تقوم به هذه الميليشيات. الخطاب الأمريكي الرسمي، كما ينقله التقرير، يربط بشكل منهجي بين "الجماعات الإرهابية" و"الميليشيات المدعومة من إيران"، مما يعكس سعياً لتحقيق هدفين: أولا، تسليط الضوء على الدور الإيراني المزعوم في زعزعة استقرار العراق، وثانيا، تحويل الصراع من كونه مشكلة أمنية داخلية إلى جزء من المواجهة الإقليمية الأوسع مع إيران. هذا التصنيف يمنح واشنطن مبرراً للتصعيد ضد هذه الميليشيات تحت ذريعة مكافحة الإرهاب.
التوقيت كأداة ضغط سياسي. إصدار هذا الإنذار قبل أيام قليلة من الانتخابات البرلمانية العراقية ليس صدفة، بل هو رسالة موجهة للنخب السياسية العراقية مفادها أن واشنطن لن تتقبل نتائج انتخابية تعزز من نفوذ الكتل الموالية لإيران. الموقف الأمريكي هنا يستخدم التوقيت كأداة ضغط لتحقيق عدة أهداف: التأثير على التحالفات السياسية ما بعد الانتخابات، ودفعها نحو تشكيل حكومة معتدلة قادرة على "ترويض" الحشد الشعبي، وإرسال تحذير مسبق بأن الدعم الأمريكي المستقبلي مرتبط بموقف الحكومة العراقية من هذه الميليشيات.

▪︎ الغموض الاستراتيجي
صيغة "وأنتم تعرفون جيدا كيف ستستجيب هذه الإدارة" التي اختتم بها الإنذار الأمريكي، تمثل أسلوباً نفسياً يهدف إلى تحقيق أقصى قدر من التأثير. هذه الصيغة غير المحددة تترك مجالاً للتخمين وتبقي الخيارات الأمريكية مفتوحة: سواء كانت ضربات عسكرية مباشرة، أو فرض عقوبات اقتصادية، أو سحب الدعم السياسي، أو أي إجراءات أخرى. هذا الغموض المتعمد يزيد من الضغط على بغداد ويجبرها على حساب جميع السيناريوهات المحتملة. ونشر "معهد واشنطن" - وهو مركز أبحاث مؤثر له صلات قوية بصنع القرار الأمريكي - تحليلاً يعطيه مصداقية خاصة ووزناً استراتيجياً. فهي ليست مجرد آراء أكاديمية، بل تمثل تياراً فاعلاً في دوائر صنع القرار الأمريكي، وقد تتحول إلى سياسات رسمية، خاصة في إدارة الرئيس ترامب، كون أن الكاتب ديفيد شينكر عمل في إدارته السابقة.
مثل تحليل شينكر، خارطة طريق للسياسة الأمريكية تجاه العراق، وتكشف عن رؤية استراتيجية ستؤثر حتماً على عملية تشكيل الحكومة العراقية المقبلة بطرق بالغة التعقيد. يصنف شينكر "الميليشيات العراقية" المدعومة من إيران كـ"جماعات إرهابية" يجب مواجهتها وليس التفاوض معها. هذا التوصيف ليس مجرد تصنيف أمني، بل هو إطار سياسي سيفرض قيوداً صارمة على أي حكومة عراقية قادمة. فالحكومة التي قد تضم في تحالفها البرلماني أحزاباً مرتبطة بهذه الميليشيات ستواجه رفضاً أمريكياً مباشراً، مما يضعها أمام خيارين أحلاهما مر: إما تصفية تحالفاتها السياسية لاسترضاء واشنطن، أو خسارة الدعم الأمريكي الحيوي في المجالات الأمنية والاقتصادية. حدد شينكر الأدوات الأمريكية لمعاقبة بغداد في حال استمرار دعمها للميليشيات، وأبرزها:
- الانسحاب العسكري المتسارع: سحب القوات الأمريكية قبل الجدول الزمني المتفق عليه، مما سيخلق فراغاً أمنياً قد تملؤه الميليشيات، لكنه أيضاً يحرم الحكومة العراقية من الغطاء الأمني الحيوي في مواجهة تنظيم داعش وغيره.
- العزلة الدبلوماسية: حرمان رئيس الوزراء القادم من زيارة واشنطن، وهي صفعة سياسية ستقلل من شرعيته محلياً ودولياً، خاصة في لحظة تاريخية يحتاج فيها إلى قدرته على بناء تحالفات دولية.
- العقوبات الاقتصادية: تحذير الشركات الأمريكية من الاستثمار في العراق، مما يضعف الاقتصاد العراقي الذي يعاني أساساً من أزمات هيكلية، ويزيد من معدلات البطالة والفقر، وهي بيئة خصبة لتنمية نفوذ الميليشيات.
ربما يكون تحليل شينكر دليلاً للمسؤولين الأمريكيين، لاسيما المبعوث الرئاسي "مارك سافايا"، في تقييمهم للتحالفات السياسية العراقية الناشئة بعد الانتخابات. فالكيانات السياسية التي تساوم على مشاركتها في الحكومة القادمة ستواجه معايير أمريكية صارمة، حيث ستخضع لـ"اختبار الولاء" بناءً على موقفها من قانون الحشد الشعبي ودرجة علاقتها بإيران، ومدى استعدادها لخوض مواجهة مع الميليشيات المسلحة.
▪︎ الرؤية الأمنية الإسرائيلية
في هذا الإطار، نشر معهد الأمن القومي الإسرائيلي دراسة موسعة بعنوان "من خدمة الميليشيات للدولة إلى خدمة الدولة للميليشيات: ماذا حدث للعراق؟" في عدد تشرين الثاني من مجلة التحليلات الاستراتيجية للمعهد كتبها "يارون شنايدر" وخلص إلى أن "قوات الحشد الشعبي، وهي منظمة مظلة لعشرات الميليشيات الشيعية الموالية لإيران في الغالب، تشكل قوة عاملة في العراق منذ عام 2014، تركز هذه الدراسة على العلاقات التي نشأت بين الحشد الشعبي والحكومة، وتحلل سبب تثبيت الدولة للمنظمة في القانون وتعزيزها، على الرغم من أن الميليشيات الرائدة في الحشد الشعبي تقوض سيادة العراق". وتستعرض الأسباب الخلفية ومظاهر وتداعيات هذه الظاهرة، ثم تقيّم فرضيتين محتملتين. الفرضية الأولى، تُعزِي موقف الدولة إلى حاجتها لرد عسكري على الطوارئ التي خلقتها صعود داعش وفشل الجيش العراقي في إيقافها في عام 2014. والفرضية الثانية، تتعلق بشبكة الروابط التي تطورت بين إيران والميليشيات الشيعية والحكومة العراقية على مر السنين، والتي اتبعت ترتيبا تصاعديا من نوع "الراعي - العميل". وتضيف الدراسة "مكنت هذه الروابط إيران من التدخل وممارسة نفوذها من أجل تعزيز وضع الحشد الشعبي المدعوم إيرانيًا. يتناول هذا التحليل أيضًا أهمية هذه العلاقات لإسرائيل، التي أصبحت هدفًا لهجمات هذه الميليشيات في العراق خلال حرب "سيوف الحديد".
وبناءً على تحليلات معهد الأمن القومي الإسرائيلي، في هذه الدراسة التي ضمت 19 صفحة، يمكن استشراف عدة سيناريوهات مستقبلية للتعامل مع العراق.
السيناريو الأول: الردع عبر التهديد غير المباشر
يعتمد هذا السيناريو على استراتيجية "التهديد بالوكالة". حيث تعلن إسرائيل أنها ستعامل أي هجوم من الأراضي العراقية كهجوم إيراني مباشر، وتوجه ردها نحو المنشآت النووية أو البنى التحتية الحيوية في إيران. هذا النهج يهدف إلى تحميل طهران ثمن هجمات الميليشيات العراقية، مع تجنب الدخول في مواجهة مباشرة مع بغداد. تعتبر إسرائيل أن هذا الأسلوب قد يكون فعالا في كبح جماح الميليشيات، لأنه يضرب مصالح إيران مباشرة دون جر إسرائيل إلى حرب مفتوحة على جبهة جديدة.

السيناريو الثاني: الضربات الجراحية المتفرقة
في هذا السيناريو. تحتفظ إسرائيل بحق الرد المباشر على الهجمات الصاروخية القادمة من العراق، لكن عبر ضربات جراحية محدودة تستهدف قواعد الميليشيات ومستودعات الأسلحة في المناطق النائية. التركيز سيكون على تجنب الإصابات المدنية ومنع التصعيد مع الحكومة العراقية المركزية. هذا النهج يسمح لإسرائيل بالحفاظ على سياسة الردع، مع تقليل خطر التصعيد الإقليمي. المعهد يرى أن هذا الخيار عملي من الناحية العسكرية، لكنه يحمل خطراً يتمثل في احتمالية تطور هذه الضربات إلى مواجهة أوسع.
السيناريو الثالث: التعاون الأمني مع الأطراف العراقية المعتدلة. يقترح المعهد خيارا دبلوماسيا خفيا يتمثل في بناء تحالفات أمنية مع القوى العراقية المعارضة للنفوذ الإيراني، خاصة في إقليم كردستان، هذا التعاون قد يشمل تبادل المعلومات الاستخباراتية، وتدريب القوات الخاصة، وربما تقديم دعم لوجستي. الهدف هو تعزيز قدرة هذه الأطراف على مواجهة الميليشيات الموالية لإيران من الداخل، مما يخفف العبء عن إسرائيل. هذا السيناريو يعتبر الأكثر تعقيداً بسبب حساسية العلاقات مع حكومة بغداد المركزية.
السيناريو الرابع: التصعيد المحدود ضد البنى التحتية
في حال استمرار الهجمات من العراق. يدرس المعهد خيارا أكثر جرأة يتمثل في استهداف البنى التحتية المرتبطة بالميليشيات، مثل شبكات الاتصالات التي تستخدمها، أو مراكز القيادة والسيطرة، أو حتى المنشآت الاقتصادية التابعة لها. هذا النهج يهدف إلى تقويض القدرات التشغيلية للميليشيات بدلاً من مجرد الرد على هجماتها. الخطر هنا هو احتمال إلحاق أضرار بالاقتصاد العراقي العام، مما قد يولد غضباً شعبياً حتى بين العراقيين المعادين للميليشيات.

السيناريو الخامس: التنسيق مع الحلفاء الإقليميين والدوليين. يرى المعهد أن التعاون مع الولايات المتحدة والدول العربية مثل السعودية والإمارات يمثل ركيزة أساسية للتعامل مع التهديد القادم من العراق. هذا التنسيق قد يتخذ شكل ضغط دبلوماسي مشترك على بغداد، أو تبادل معلومات استخباراتية، أو حتى عمليات مشتركة لمراقبة تحركات الميليشيات. الميزة في هذا السيناريو أنه يوزع المخاطر ويوفر غطاءً دولياً لأي إجراءات قد تتخذها إسرائيل.
▪︎ التحديات والاعتبارات الاستراتيجية
يوضح المعهد الإسرائيلي في دراسته، أن أي من هذه السيناريوهات يحمل تحديات جسيمة :
- الخوف من تداعي التحالفات: أي هجوم إسرائيلي على العراق قد يدفع بغداد إلى الانضمام الرسمي إلى محور المقاومة.
- المخاطر الجيوسياسية: الضربات الإسرائيلية قد تدفع إيران إلى زيادة وجودها في العراق كرد فعل.
- التكاليف الدبلوماسية: المواجهة مع العراق قد تؤثر على جهود إسرائيل لتطبيع العلاقات مع دول عربية أخرى.
استنادًا إلى تحليل هذه النصوص، يمكن استشراف عدة سيناريوهات مستقبلية خلال وبعد تشكيل الحكومة المقبلة، أبرزها :
- تصعيد عسكري واسع: إسرائيل تشن ضربات بحرية أو جوية كبيرة داخل العراق، والفصائل الحزبية الفائزة في الانتخابات يمكن أن ترد بدعم إيراني، ويشهد العراق مواجهة غير مسبوقة.
- تهدئة مشروطة: اتفاقات ضمنية بين القوى تتضمن التزامًا بعدم استخدام الأراضي العراقية كمنصة لاستهداف الأطراف، مع استمرار ضغوط اقتصادية لتقويض النفوذ الإيراني.
- نفوذ إيراني متصاعد: تواصل إيران بناء قدراتها داخل العراق، وتصبح بعض الميليشيات عناصر فاعلة في الحكومة، ويزداد تكاملها مع مؤسسات الدولة.
- إعادة بناء الدولة: دعم دولي وشعبي لإصلاح المؤسسات العراقية، نزع سلاح جزئي من الميليشيات، وإعادة بناء جيش وأمن وطني موثوق.








