
الفقاعة في الذكاء الاصطناعي... إعادة رسم خرائط التنافس الإقتصادي بين واشنطن وبكين

مراصد
26/11/2025، 12:52:32 م
تمثل "الفقاعة الاقتصادية" ظاهرة مالية معقدة، تنشأ عندما ترتفع قيمة الأصول بسرعة تفوق قيمتها الجوهرية، مدفوعة بمضاربات السوق وثقة المستثمرين المفرطة، في حالة الذكاء الاصطناعي، يتفاعل هذا المفهوم مع تسارع الابتكار التكنولوجي وزيادة الاعتماد على النماذج التوليدية مثل ChatGPT وGPT-4، التي جذبت مئات الملايين من المستخدمين خلال أشهر قليلة، مما يشير إلى سرعات اعتماد غير مسبوقة مقارنةً بتقنيات تاريخية مثل الكهرباء أو الإنترنت.
تتجلى الفقاعة الحالية في عدة أبعاد متداخلة: مالية، وتقنية، وسياسية. على المستوى المالي، تشير جولات التمويل للشركات الناشئة في مجال الذكاء الاصطناعي إلى وصول استثماراتها إلى مليارات الدولارات دون وجود إيرادات فعلية، مع الاعتماد فقط على جودة الفريق أو قوة النموذج الأولي. على المستوى الجيوسياسي، يؤدي هذا التركيز المالي إلى صراعات استراتيجية بين الولايات المتحدة، التي تحتضن وادي السيليكون كمركز استثماري ضخم، والصين، التي تراقب التطورات عن كثب وتوجه الاستثمارات نحو تطبيقات عملية مثل المراقبة والتشخيص الطبي، في محاولة لتقليل المخاطر الاقتصادية الداخلية.
▪︎ مقارنة تاريخية
تاريخيا، يمكن مقارنة الفقاعة الحالية بفقاعة طريق السكك الحديدية في القرن التاسع عشر وفقاعة الدوت كوم في التسعينيات. في كلتا الحالتين، كانت التقنية الأساسية حقيقية ومحوّلة، لكن التوقعات المبالغ فيها حول الأرباح الفورية فاقمت المضاربة وسرّعت الانهيار. اليوم، يُشبه تسارع تبني تطبيقات الذكاء الاصطناعي هذه الظواهر، مع تفاقم التوقعات المضاربة التي تستند إلى احتمالات مستقبلية بعيدة أكثر من الواقع الفعلي. ولعل أبرز الأمثلة الحية، استثمارات "NVIDIA" في منصات الحوسبة، واستحواذ "Microsoft" و "Meta" على شركات ناشئة في مجالات التعلم الآلي والتوليد اللغوي، تُظهر تركيز رأس المال على اللاعبين الكبار، بينما تترك الشركات الأصغر لمخاطر عالية، وهو ما قد يؤدي إلى تصحيح انتقائي يفرز الفائزين من الخاسرين. فقد استبعد الرئيس التنفيذي لشركة "NVIDIA"، جينسن هوانج، الآراء المحذرة من خطر الفقاعة المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، والتي أثارت مؤخرًا تقلبات في سوق الأسهم وقلقًا بين المستثمرين. على مدار الأسابيع الماضية، وقبل نشر نتائج أعمال "NVIDIA" في وقت مبكر من صباح اليوم، كانت هناك تحذيرات متزايدة بشأن فقاعة الذكاء الاصطناعي، وسط قلق من المستثمرين إزاء الإنفاق الضخم على مراكز البيانات والعائد طويل الأجل على ذلك النشاط. وفي مؤتمر لمناقشة نتائج الأعمال - التي جاءت أقوى من التوقعات وهدأت المخاوف - قال هوانج : "لقد كثر الحديث عن فقاعة الذكاء الاصطناعي، من وجهة نظرنا، نرى شيئًا مختلفًا تمامًا". بالتالي، فإن الفقاعة الاقتصادية للذكاء الاصطناعي ليست مجرد ظاهرة محلية، بل هي شبكة معقدة من التفاعلات المالية، والتقنية، والجيوسياسية.

يمكن تحليلها من خلال ثلاث قنوات رئيسية: التقييم المبالغ فيه، و المضاربة في الأسواق العامة، و السباق الاستراتيجي بين العمالقة. مثال آخر : قصة شركة ناشئة باعت وهمًا باسم الذكاء الاصطناعي وجمعت مليار دولار تكشف عن ثقافة وادي السيليكون القائمة على الجشع والخوف من تفويت الفرص، وتثير الشكوك حول ما إذا كانت ثورة الذكاء الاصطناعي حقيقة أم مجرد فقاعة جديدة ستنفجر قريبًا. هناك حكاية تتداول اليوم تختصر ما يمكن وصفه بـ "فقاعة الذكاء الاصطناعي" بوضوح. إنها قصة شركة ناشئة روجت نفسها باعتبارها صاحبة ذكاء اصطناعي "عبقري" قادر على تسجيل اجتماعات الفيديو، وكتابة محاضر كاملة ترسل بعد دقائق من انتهاء الاجتماع. هذا ما زعمته الشركة، أما الحقيقة فكانت أبسط بكثير. ففي بدايات المشروع، لم يكن هناك ذكاء اصطناعي، بل مجرد رجلين ينضمان إلى الاجتماع ويشاركان فيه بصورة صامتة، ويجلسان ويدونان الملاحظات بخط اليد، ثم يرسلان محضرا "مُنشأ بالذكاء الاصطناعي" بعد 10 دقائق. لكن الحقيقة كانت أبسط من ذلك، إذ اعترف "سام أودوتونغ"، الشريك المؤسس لشركة "فاير فلايز إيه أي" (Fireflies AI) ، بذلك صراحة الأسبوع الماضي في منشور على موقع "لينكدإن": "أخبرنا العملاء بأن هناك ذكاء اصطناعي سيحضر الاجتماع. في الواقع، كنت أنا وشريكي فقط، نشارك في المكالمة بصمت ونسجل الملاحظات يدويًا".
ويضيف: "بعد كتابة محاضر أكثر من 100 اجتماع - غفونا في كثير منها - تمكنا أخيرًا من دفع إيجار غرفة صغيرة في سان فرانسيسكو بقيمة 750 دولارًا، عند هذه النقطة قلنا : ’يكفي، حان وقت الأتمتة‘".
▪︎ محركات الفقاعة
أدى تراجع متقاطع في الأسواق، ناتج عن مخاوف الإفراط في الاستثمار في الذكاء الاصطناعي، وتأثير البيانات الأمريكية المؤجلة على السياسة النقدية، إلى انخفاض الأسهم العالمية بنسبة 3% هذا الشهر، مما أثر على كل شيء من "البتكوين" إلى الذهب. ومع ذلك، فقد نجت السندات ذات التصنيف الاستثماري، التي توفر للمقترضين أرخص تكاليف تمويل منذ عقود، نسبيًا. لكن المستثمرين في مجموعات تدير أكثر من 10 تريليونات دولار من أصول العملاء، أبدوا قلقهم بشأن تسعير ديون التصنيف الاستثماري، أو أشاروا إلى أنهم يقللون التعرض للسندات الأعلى تصنيفًا، مع قيام بعضهم بالبيع أو البدء بالمراهنة بنشاط ضد هذه الفئة من الأصول. وبعد تحذير رئيس "J.P. Morgan"، جيمي ديمون، الشهر الماضي، بشأن "الصراصير" التي تظهر في أسواق الائتمان، بدأت شركات التكنولوجيا الكبرى في الاقتراض بكثافة لتمويل اندفاعها لبناء مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي.

وأثارت أصول بديلة مثل "بي دبليو إل إن" قلقًا واسعًا في سوق الائتمان الخاص البالغ 3 تريليونات دولار، بعد أن قررت الحد من عمليات سحب الأموال من الصناديق، بينما قال مديرو الأموال إن ديون التصنيف الاستثماري لا تعكس المخاطر بشكل كافٍ حتى الآن. قال رئيس شركة Alphabet - الشركة الأم لـ "غوغل" - لـ "BBC" إن كل شركة ستتأثر في حال انفجرت فقاعة الذكاء الاصطناعي. وفي حديث خاص لـ "BBC News"، قال "سوندار بيتشاي" إنه في الوقت الذي كان نمو الاستثمار في الذكاء الاصطناعي "لحظة استثنائية"، إلا أنه كان هناك بعض "اللاعقلانية" في طفرة الذكاء الاصطناعي الحالية. ويأتي ذلك، وسط مخاوف في وادي سيليكون وخارجه، من وجود فقاعة، مع ارتفاع قيمة شركات الذكاء الاصطناعي بشكل كبير في الأشهر الأخيرة، وإنفاق الشركات بشكل كبير على هذه الصناعة الناشئة. وعند سؤال "بيتشاي" حول ما إذا كانت شركة غوغل محصّنة ضد انفجار فقاعة الذكاء الاصطناعي، فأجاب بأن عملاق التكنولوجيا (غوغل) قد يتجاوز تلك العاصفة المحتملة لكنّه حذّر قائلاً: "أعتقد أنه لن تكون هناك أي شركة بمأمن عن ذلك، بما في ذلك نحن".
▪︎ محركات رئيسية
في هذه اللحظة التاريخية، تتقاطع - وفق آراء الخبراء - ستة محركات رئيسية تدفع بفقاعة الذكاء الاصطناعي إلى مستويات غير مسبوقة، مما يخلق عاصفة كاملة من التضخم والتوقعات المبالغ فيها.
- المحرك الأول: الجوع العالمي للنمو في اقتصاد متباطئ... يواجه الاقتصاد العالمي حالة من الركود الهيكلي، حيث انخفض متوسط نمو الناتج المحلي الإجمالي العالمي من 4.2% في 2021 إلى 2.8% في 2024 وفق تقارير صندوق النقد الدولي. هذا التباطؤ دفع المستثمرين إلى البحث يائسين عن محركات نمو جديدة. الذكاء الاصطناعي يظهر كـ"منقذ" وحيد في أفق اقتصادي قاتم، حيث توقع المحللون أن يساهم الذكاء الاصطناعي بنسبة 40% من نمو الإنتاجية العالمية خلال العقد المقبل كما يحلل معهد ماكينزي العالمي.
- المحرك الثاني: السيولة المالية غير المسبوقة...
خلقت سنوات من السياسات النقدية التوسعية فائضًا نقديًا هائلاً. تشير بيانات البنك التسويات الدولية إلى أن حجم السيولة العالمية زاد بنسبة 35% منذ الجائحة، ليصل إلى 180 تريليون دولار. هذه الأموال تبحث عن عوائد في بيئة معدلات فائدة منخفضة، فتنطلق نحو أي أصل واعد بعوائد عالية.

- المحرك الثالث: القفزة التقنية والضجيج الإعلامي
شهدت السنوات الثلاث الماضية قفزات تقنية مذهلة، لكن الإعلام ضخمها خارج حدود الواقع. بينما حققت النماذج اللغوية الكبيرة تقدماً حقيقياً، إلا أن 70% من "الاختراقات" المعلنة كانت في الواقع تحسينات تدريجية وفق مؤشر ستانفورد للذكاء الاصطناعي. ومع ذلك، خلقت وسائل الإعلام والشركات الناشئة حالة من "الوهم التقني" جعلت المستثمرين العاديين يعتقدون أن الذكاء العام الاصطناعي أصبح على بعد أشهر.
- المحرك الرابع: السباق الجيوسياسي على الهيمنة التكنولوجية... تحول الذكاء الاصطناعي إلى ساحة معركة استراتيجية بين القوى العظمى. أنفقت الصين 150 مليار دولار على الذكاء الاصطناعي في 2024، بينما خصصت الولايات المتحدة 120 مليار دولار عبر حزمة حوافز الذكاء الاصطناعي وفق تحليلات مركز الأمن والتكنولوجيا الناشئة. هذا السباق يحول التكنولوجيا إلى قضية أمن قومي، حيث يتم ضخ الأموال بغض النظر عن الجدوى التجارية الفورية.
- المحرك الخامس: التحول البنيوي في أسواق رأس المال... شهدت السنوات الأخيرة تحولاً جذريًا في تخصيصات الأصول. زادت استثمارات صناديق التقاعد في أصول التكنولوجيا الناشئة من 8% إلى 22% خلال خمس سنوات فقط، كما أن صناديق الثروة السيادية ضاعفت استثماراتها في قطاع التكنولوجيا ثلاث مرات منذ 2020.
- المحرك السادس: السيكولوجيا الجماعية والقطيع الرقمي... تعمل وسائل التواصل الاجتماعي على تسريع وتضخيم دورة الهوس، فبينما استغرقت أخبار نجاحات شركات الدوت كوم أشهرا للانتشار في التسعينيات، تنتشر هذه الأيام قصص "النجاح المذهل" لشركات الذكاء الاصطناعي في ساعات وفق تحليل معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا. هذه السرعة تخلق ضغوطًا على المستثمرين للقفز إلى القطار قبل فوات الأوان.
▪︎ العاصفة المثالية
ما نراه اليوم هو نتيجة تقاطع نادر لهذه المحركات الستة، مما يخلق بيئة الحاجة للنمو + السيولة الوفيرة + التقدم التقني + المنافسة الجيوسياسية + التحول البنيوي + السيكولوجيا الجماعية = فقاعة غير مسبوقة. هذا التقاطع يفسر لماذا تصل التقييمات إلى مستويات تاريخية، ولماذا يبدو أن "هذه المرة تختلف" - لكن التاريخ يؤكد أن الفقاعات تنشأ دائمًا في مثل هذه اللحظات من التقاطع الاستثنائي للعوامل. من الناحية الجغرافية، تتركز الفقاعة في مناطق محددة: الولايات المتحدة (وادي السيليكون) كقلب نابض للاستثمار والمخاطرة، والصين كأكبر منافس استراتيجي مع رقابة مركزية على التمويل، والمراكز الثانوية مثل لندن وإسرائيل، حيث تركّز الاستثمارات على تطبيقات متخصصة مثل الذكاء الاصطناعي في الخدمات المالية (FinTech) والأمن السيبراني.

وفي هذا الإطار، ترتبط أسباب الفقاعة بتفاعل الجوع العالمي للنمو، ونضج البنية التحتية التكنولوجية، والوفرة في السيولة العالمية. يشير تقرير صندوق النقد الدولي إلى أن الاستثمار في الذكاء الاصطناعي يعكس تحولاً عالميًا نحو القطاعات عالية الإنتاجية نتيجة تباطؤ النمو في القطاعات التقليدية. في الوقت نفسه، تدفع بيئة التمويل السائل صناديق الثروة السيادية وصناديق المعاشات إلى التوجه نحو أصول محفوفة بالمخاطر، بما فيها الشركات الناشئة في الذكاء الاصطناعي، لزيادة العوائد. هذا الربط بين التحليل المالي والجيوسياسي يوضح أن الفقاعة ليست مجرد تهديد للسوق، بل عامل يؤثر على التوازن الاستراتيجي العالمي. أي تصحيح حاد قد يعيد ترتيب اللاعبين الماليين، ويضغط على الاستثمارات الكبرى، ويعيد رسم خريطة القوة بين الولايات المتحدة والصين، مما يجعل الفقاعة مسألة اقتصادية وجيوسياسية في آن واحد وتلك قصة أخرى توظف فقاعة اقتصاديات الذكاء الاصطناعي لأغراض التنافس الدولي .








