
اقتصاد اللامساواة... الأثرياء يلتهمون العالم مقابل تزايد معدلات الفقر

مراصد
28/11/2025، 12:27:23 م
في عالم ما بعد جائحة كورونا، تكشف التقارير الدولية عن مفارقة صادمة، بينما تتصاعد ثروات الأقلية إلى مستويات قياسية، يتردّى وضع الأغلبية في هاوية الفقر.
وتشير أحدث بيانات أوكسفام إلى أن أغنى 1% من البشر استحوذوا على ثلثي الثروة العالمية الجديدة منذ عام 2020، بينما يعاني 828 مليون شخص من الجوع وفق منظمة الفاو. لم يعد هذا التفاوت مجرد قضية اقتصادية، بل تحوّل إلى أزمة إنسانية تهدّد الاستقرار العالمي. ويحذّر البنك الدولي من أن العالم ليس على المسار الصحيح لتحقيق أهداف التنمية المستدامة 2030، في وقت تزداد فيه الهوّة بين الدول الغنية والفقيرة. وتكشف تقارير المنظمات الدولية أن النظام الاقتصادي العالمي الحالي يكافئ الثراء على حساب العدالة، مما يستدعي تحليلاً شاملاً للآليات المولّدة لهذا التفاوت وتداعياته المستقبلية. تكشف تقارير المنظمات الدولية صورة مروّعة للتفاوت العالمي. فأوكسفام، وهي منظمة دولية غير حكومية تأسست عام 1942 في بريطانيا، وتعمل كمؤسسة خيرية مستقلة تركز على محاربة الفقر والظلم حول العالم، وتتكون من تحالف من 21 منظمة تعمل في أكثر من 90 دولة، توثّق أن ثروة المليارديرات زادت 2.7 مليار دولار يومياً منذ 2020، بينما خسر 1.7 مليار عامل بسبب تضخم تجاوز أجورهم. وُلِد ملياردير جديد كل 30 ساعة، بينما سقط مليون شخص في براثن الفقر المدقع في الفترة نفسها. ويظهر البنك الدولي أن مجموعة الدول السبع (10% من سكان العالم) تتحكم في 60% من الناتج المحلي العالمي، بينما لا يتجاوز ناتج أفقر 10 دول 50 مليار دولار، وهو أقل من ثروة أغنى ثلاثة أشخاص في العالم.

▪︎ تضخم الثروات الفردية
حقّق مليارديرات الطاقة والغذاء مليار دولار إضافي كل يومين، كما زادت ثروات أصحاب المستحضرات الصيدلانية بشكل قياسي، مقابل الاتجاه التصاعدي للفقر، حيث سقط مليون شخص في الفقر المدقع مقابل كل ملياردير جديد، وخسر 1.7 مليار عامل بسبب التضخم الذي تجاوز أجورهم، بينما يعيش 828 مليون شخص في جوع مزمن. وفي مقاربة هذا التفاوت التاريخي، يظهر أنه في عام 2010 كانت ثروة 43 شخصاً تساوي ثروة أفقر 50% من البشر، بينما أصبحت في 2016 ثروة ثمانية أشخاص فقط تساوي ما يملكه 3.6 مليار إنسان.
تشمل الآليات المسببة للتفاوت نماذج متعددة، مثل النظام الضريبي المجحف، حيث يؤدي التهرب الضريبي إلى خسائر بقيمة 500 مليار دولار سنوياً عبر الملاذات الضريبية، كما تدفع الشركات متعددة الجنسية ضرائب بمتوسط 15% فقط. يُضاف إلى ذلك خصخصة الخدمات الأساسية بعد تحويل الصحة والتعليم من حقوق إلى امتيازات، إثر بيع المرافق العامة مثل تصنيع اللقاحات للقطاع الخاص. وبسبب سياسات الاستجابة للجائحة عامي 2019 و2020، ضخت البنوك المركزية أموالاً ضخمة انتهت في جيوب الأثرياء، مستفيدة من الأزمة على حساب العمال. ويخلص التقرير إلى أن "البقاء للأغنى" ليس قانونا طبيعيا، بل هو نتيجة نظام اقتصادي يحتاج لإصلاح جذري لتحقيق العدالة والمساواة. تكشف منظمة الفاو أن 828 مليون شخص يعانون من الجوع المزمن، بينما يهدر 1.3 مليار طن من الغذاء سنوياً. والمفارقة أن إنفاق الأسر الغنية على الطعام الفاخر يتجاوز ما تنفقه الأسر الفقيرة على الغذاء الأساسي بمئات المرات. والأكثر صدمة أن ثروة ثمانية أشخاص فقط تعادل ما يملكه 3.6 مليار شخص من أفقر سكان العالم. أما تقرير منظمة الفاو "حالة الأمن الغذائي والتغذية 2024" فقد أبرز النتائج الصادمة لاتساع نطاق الجوع، حيث يعاني 828 مليون شخص من الجوع المزمن (زيادة 150 مليوناً منذ 2019)، وهناك 2.3 مليار شخص يعانون من انعدام الأمن الغذائي المتوسط أو الشديد، كما يشير التقرير إلى أن 3.1 مليار شخص غير قادرين على تحمّل تكلفة نظام غذائي صحي.

▪︎ المفارقة الغذائية
هناك إهدار لـ 1.3 مليار طن من الغذاء سنوياً (ثلث الإنتاج العالمي)، بينما ترتفع أسعار الغذاء العالمية بنسبة 30% منذ 2020، ما أدى إلى مضاعفة أرباح شركات الأغذية الكبرى خلال الجائحة. يُضاف إلى ذلك الأسباب الهيكلية المتمثلة في الصراعات والاضطرابات السياسية (التي تسبب 60% من حالات الجوع)، فضلاً عن تغير المناخ وتأثيره على المحاصيل، وأنظمة الغذاء غير العادلة والمشوّهة.
ويحدد التقرير الفئات الأكثر تضرراً، وتشمل النساء والأطفال الذين يتأثرون بشكل غير متناسب؛ فهناك 45% من وفيات الأطفال مرتبطة بسوء التغذية، و200 مليون طفل دون سن الخامسة يعانون من سوء التغذية.
▪︎ آليات توليد الثراء والفقر
تعمل آليات ممنهجة على تركيز الثراء وتوليد الفقر في آن واحد. فأصحاب الثروات يستفيدون من نظام ضريبي مجحف، حيث تخسر الحكومات 500 مليار دولار سنوياً عبر الملاذات الضريبية. وتدفع الشركات متعددة الجنسية ضرائب بمتوسط 15% فقط، بينما يتحمل الأفراد والفقراء عبئاً أكبر عبر الضرائب غير المباشرة. ويسمح هذا النظام لأغنى 1% بتجنب دفع ضرائب تصل إلى 200 مليار دولار سنوياً. كما يغذي التحول من الاقتصاد الإنتاجي إلى الريع والمضاربة هذه الآلية، إذ يجنـي الأثرياء أرباحا من مضاربات مالية وعقارية، بينما يخسر العمال والمنتجون الصغار. وخلال الجائحة، ضخت البنوك المركزية 25 تريليون دولار في الأسواق المالية، انتهت بزيادة ثروات الأغنياء بنسبة 45%. وفي المقابل، خسر العمال 3.7 تريليون دولار من الدخل. ويؤدي احتكار المعرفة عبر أنظمة الملكية الفكرية المقيدة إلى حرمان الفقراء من التقنيات الأساسية، حيث تسجل الدول المتقدمة 95% من براءات الاختراع. وهذا يخلق احتكارات تدر أرباحاً طائلة لأصحابها، بينما يمنع نقل التكنولوجيا للدول النامية. وحققت شركات الأدوية أرباحاً قياسية من لقاحات كورونا، بينما حُرمت دول فقيرة من الوصول إليها. وفي المقابل، تخلق سياسات تحرير الأسواق وخصخصة الخدمات الأساسية بيئة خصبة للفقر. فإطلاق الأسواق المالية يزيد من تقلبات الاقتصادات الهشة، بينما تحول الخصخصة الصحة والتعليم من حقوق إلى امتيازات. كما تفقر اتفاقيات التجارة غير العادلة المزارعين، حيث تدفع الشركات الكبرى أسعاراً بخسة للمنتجين. وتتعارض هذه الآليات مع أهداف التنمية المستدامة؛ فبينما يسعى الهدف 10 للحد من عدم المساواة، تزيد آليات تركيز الثراء الفجوة. وبينما يهدف الهدف 1 للقضاء على الفقر، تنتج السياسات الحالية فقراء جدداً. كما يتعارض الهدف 8 الخاص بالعمل اللائق مع اقتصاد المنصات الذي يحرم العمال من الحقوق الأساسية.

▪︎ تفاوت مقلق
تقدم منطقة الشرق الأوسط لوحة مصغرة للتفاوت العالمي، فدول الخليج تحتل مراكز متقدمة في ثروة الفرد، حيث يتصدر دخل الفرد في دولة قطر العالم بـ 68,000 دولار سنوياً، بينما يعاني اليمن من أسوأ أزمة إنسانية، حيث يعيش 80% من سكانه تحت خط الفقر. وزادت ثروات الأثرياء العرب عشرة مليارات دولار منذ الجائحة، بينما زاد عدد الفقراء 15 مليون شخص. وفي السعودية، تستثمر رؤية 2030 مليارات الدولارات في مشاريع عملاقة مثل نيوم والقدية، بينما انهار اقتصاد اليمن وانخفض ناتجه إلى 21 مليار دولار فقط، وهو أقل من ميزانية مشروع نيوم. وتبرز الفجوات التنموية بوضوح : فالعمر المتوقع في قطر 80 عاماً مقابل 64 في اليمن، ونسبة التعليم في الإمارات 95% مقابل 70% في اليمن. وتظهر الفجوة الرقمية أيضاً: إذ يبلغ انتشار الإنترنت في الإمارات 99% مقابل 30% في مناطق يمنية ريفية. وحتى داخل الدول الغنية، يتضح التفاوت: ففي قطر، يعتمد الاقتصاد على عمالة وافدة ذات ظروف صعبة، بينما تبلغ بطالة الشباب في السعودية 27% رغم الثروات الهائلة. كما يعيش 40% من سكان دول الخليج من العمالة الوافدة في ظروف صعبة. وزادت الصراعات الوضع سوءاً؛ ففي سوريا، انخفض الناتج 70% منذ 2011، وتحول 80% من السكان إلى ما دون خط الفقر. وفي ليبيا، تحولت الثروة النفطية إلى نقمة مع تفتت الدولة. وتظهر المنطقة أن الثروة وحدها لا تصنع تنمية، فغياب العدالة يولد عدم استقرار، كما أن الاقتصادات الريعية تخلق تبعية وهشاشة. وللتفاوت في الشرق الأوسط طابع خاص، فثروات النفط خلقت نخباً مترفة، بينما ظلت المجتمعات تعاني من البطالة وضعف الخدمات. وأسهمت التحالفات بين النخب الحاكمة ورجال الأعمال في تعميق هذا التفاوت، حيث تستفيد فئة قليلة من العقود الحكومية والامتيازات. وفي مصر، يعيش 30% من السكان تحت خط الفقر رغم برامج الإصلاح.

▪︎ مصفوفة توقعات 2026
تشير التحليلات إلى ثلاثة سيناريوهات محتملة للتفاوت الاقتصادي عالمياً بحلول 2026 :
- السيناريو الكارثي : وصول ثروة أغنى 1% إلى 50% من الثروة العالمية، مع ارتفاع عدد الفقراء إلى أكثر من 828 مليون شخص. وانهيار أنظمة الصحة والتعليم في 30 دولة، وتجاوز الهجرة القسرية 250 مليون شخص. وتضاعف أزمات الديون في 54 دولة، وتعمق الأزمات الإنسانية في مناطق الصراع، ووصول الدين العالمي إلى 96.8% من الناتج المحلي الإجمالي. وفي هذا السيناريو، ستشهد المنطقة العربية تدهوراً إضافياً؛ إذ ستعاني دول مثل اليمن والصومال من مجاعات واسعة، بينما ستواصل دول الخليج استثماراتها العملاقة مع استمرار التفاوت الداخلي. وستضرب الأزمة المناخية الدول الفقيرة بقوة، بينما تستطيع الدول الغنية التكيف مع آثارها. كما ستنخفض المساعدات الإنسانية بنسبة 30% مع زيادة الاحتياجات بنسبة 50%.
- السيناريو الوسيط : استمرار الاتجاهات الحالية مع وصول ثروة الـ1% إلى 49%، وانخفاض عدد الفقراء إلى 650 مليوناً. وسيكون هناك نجاح محدود في بعض أهداف التنمية المستدامة، مع تحسن طفيف في 15 دولة فقط. كما سيستمر تفاوت النمو الرقمي، حيث يستفيد الأغنياء من الذكاء الاصطناعي بينما يتخلف الفقراء. وسيصل الناتج العالمي إلى 123.6 تريليون دولار مع استمرار ارتفاع الديون. وفي المنطقة العربية، سيشهد هذا السيناريو تحسناً محدوداً في بعض الدول مثل مصر والمغرب، بينما ستستمر الأزمات في اليمن وسوريا. وستواصل دول الخليج مشاريع التحديث، مع تحسن طفيف في ظروف العمالة الوافدة. وستزداد المساعدات الخليجية بنسبة 20% لكنها ستتركز على مشاريع البنية التحتية الكبرى.
- السيناريو الإصلاحي : تطبيق إصلاحات ضريبية في 40 دولة، مع انخفاض ثروة الـ1% إلى 45%، وانحسار الفقراء إلى 550 مليوناً. وتحسن أنظمة الصحة والتعليم في 50 دولة، وتقليص الفجوة الرقمية بنسبة 20%. ونجاح مبادرات إعادة هيكلة الديون في إنعاش 30 اقتصاداً نامياً، وتحقيق 1.7 تريليون دولار من الضرائب التصاعدية سنوياً. وفي الشرق الأوسط، سيشهد هذا السيناريو تحسناً في التعاون الإقليمي، مع زيادة المساعدات التنموية من دول الخليج لجيرانها. كما ستتوسع برامج الحماية الاجتماعية في مصر والأردن، بينما سيشهد اليمن وسوريا بداية التعافي. وسيُنشأ صندوق إقليمي للمساعدات برأس مال 10 مليارات دولار.








