الساعة الان

07:49 ص

logo
وهم السيادة الرقمية... شركات ترسم تحولات كبرى في مفهوم الدولة

وهم السيادة الرقمية... شركات ترسم تحولات كبرى في مفهوم الدولة

وهم السيادة الرقمية... شركات ترسم تحولات كبرى في مفهوم الدولة

مراصد

10‏/12‏/2025، 10:46:51 ص

في مشهد يعيد تشكيل الجغرافيا السياسية العالمية، تتحول السيادة الوطنية من مفهوم السيادة التقليدي المرتبط بالحدود والإقليم، إلى سلعة رقمية قابلة للخصخصة والتفويض، هذا ما حصل في قاعات البنتاغون المغلقة

 

حيث كانت القرارات العسكرية حكرا على القيادات العسكرية، أصبحت خوارزميات "بالانتير" هي من يحدد أهداف الضربات وحركات القوات، وعلى منصات المؤتمرات التقنية، حيث تعلن الحكومات عن "سيادتها الرقمية"، تخفي الشعارات البراقة واقعا مريرا من الاعتماد الكامل على رقاقات "إنفيديا" الأمريكية. يتعمق هذا التحليل في نصين رئيسيين: دراسة إيفجيني موروزوف "السيادة للبيع" التي تكشف الآليات الاقتصادية لتحول السيادة إلى سلعة، ودراسة فرانشيسكا بريا "الاستيلاء من قبل بيغ تيك" التي تتناول الأبعاد الأمنية لخصخصة الوظائف السيادية، وكلاهما نشر في صحيفة اللوموند ديبلوماتيك، ومن خلال منهجية تحليلية مقارنة ودراسة حالات محددة، تحاول التوقف عند تلك الآليات الجديدة التي حولت سيادة الدولة الى سيادة (المنصة الرقمية) في تناسق لتشكيل نظام جديد للهيمنة!! 

 

▪︎ سيادة للبيع !!

يقدّم إيفجيني موروزوف في دراسته "السيادة للبيع" تشريحاً دقيقاً للآليات الاقتصادية التي تتحوّل من خلالها السيادة الوطنية من مفهوم سياسي وقانوني إلى سلعة في الأسواق العالمية. يعرب الكاتب عن شكوكه حيال وجهة النظر القائلة بأن الإنترنت يُسهم في إرساء الديمقراطية في الأنظمة الاستبدادية، مُجادلا بأنه قد يكون أيضا أداة فعّالة للانخراط في المراقبة الجماعية، والقمع السياسي، ونشر الدعاية القومية والمتطرفة، كما انتقد ما يُسميه "أجندة حرية الإنترنت" للحكومة الأمريكية، واعتبرها ساذجة، بل وعكسيةً لهدف تعزيز الديمقراطية عبر الإنترنت. يعتمد موروزوف  في دراسته على تحليل ميداني لحالات مثل الخطة الفرنسية للذكاء الاصطناعي بقيمة 109 مليارات يورو، والتي تُمول برأس مال إماراتي وكندي وأمريكي، لكنها تعمل بالكامل على رقاقات "إنفيديا" الأمريكية. يُبرز هذا التناقضَ الصارخَ بين الخطاب الرسمي حول "السيادة الرقمية" والواقع القائم على التبعية التكنولوجية، كاشفا عن واحدة من أكبر عمليات الاحتيال في العصر الرقمي؛ استغلال شركات التكنولوجيا العملاقة لخطاب التحرّر والاستقلال لتعميق التبعية. فشعار "امتلك إنتاج ذكائك" الذي يروّج له رئيس "إنفيديا" جنسن هوانغ، يخفي حقيقة أن الشركة لا تبيع الرقاقات بل تؤجرها، مما يخلق تبعية هيكلية مستدامة. كما يكشف عن الدائرة المالية المفرغة، حيث تستثمر "إنفيديا" 100 مليار دولار في "أوبن إيه آي" بينما تعود عليها كل 10 مليارات دولار استثمار بمبلغ 35 مليار دولار من مبيعات الرقائق. يخلص موروزوف إلى أن "السيادة" في هذا النموذج الجديد لم تعد سوى امتياز كتابة شيكات للولايات المتحدة بعملتها الخاصة، مما يضع الدول في موقع العميل الدائم الذي يدفع باستمرار للحفاظ على إدمانه التكنولوجي تحت غطاء وهم الاستقلال.

 

2021-637460905473631448-363.jpg

 

▪︎ أخطر التحولات في مفهوم الدولة

تتناول فرانشيسكا بريا في دراستها "الاستيلاء من قبل بيغ تيك" أحد أخطر التحولات في مفهوم الدولة الحديثة، حيث تنتقل الوظائف السيادية الأساسية من مؤسسات الدولة إلى شركات التكنولوجيا العملاقة. تركّز بريا على العقد التاريخي الذي وقّعته وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون) مع شركة "بالانتير" بقيمة 10 مليارات دولار، والذي مثّل تفويضاً للقرارات العسكرية الحساسة - مثل تحديد الأهداف وحركات القوات وتحليل الاستخبارات - إلى خوارزميات تخضع لإدارة شركة خاصة. مؤلفة هذه الدراسة خبيرة اقتصادية إيطالية في مجال الابتكار، وخبيرة في السياسة الرقمية، وخبيرة في تكنولوجيا المعلومات تعمل في تقاطع التكنولوجيا والجغرافيا السياسية والاقتصاد والمجتمع، وهي محاضرة في جامعات مختلفة ومستشارة للأمم المتحدة والمفوضية الأوروبية وغيرها. تقدم بريا مفهوماً محورياً هو "كومة الاستبداد" (Authoritarian Stack)، الذي تصفه كبنية تحتية تكنولوجية متكاملة تشمل المنصات السحابية، ونماذج الذكاء الاصطناعي، والشبكات المالية، والطائرات بدون طيار، والأنظمة المدارية. وتُبرز كيف يعمل هذا النظام من خلال البنى التحتية التكنولوجية والتنسيق المالي، بدلاً من الاعتماد على آليات القمع التقليدية، مما يجعل أشكال المقاومة الكلاسيكية تبدو بالية. تكشف أيضاً في دراستها عن التحالف الخطير بين أبرز الشخصيات اليمينية في وادي السليكون، مثل بيتر ثيل وإيلون ماسك، الذين يسعون - من خلال استثماراتهم - إلى إعادة تشكيل السيادة باعتبارها "فئة أصول خاصة". تخلص بريا إلى أن هذا التحوّل لا يهدف فقط إلى تحقيق الأرباح، بل إلى تفكيك نموذج الدولة القومية الديمقراطية واستبداله بنموذج تكون فيه السلطة العليا في أيدي نخبة تكنوقراطية.

 

▪︎ تكامل التشخيص واختلاف الزوايا

يكشف التحليل المقارن بين دراستي موروزوف "السيادة للبيع" وبريا "الاستيلاء من قبل بيغ تيك" عن رؤيتين متكاملتين لظاهرة استلاب السيادة في العصر الرقمي، حيث يقدّم كل منهما تشخيصاً مركزاً على بعد مختلف من أبعاد الأزمة. يركز موروزوف على البعد الاقتصادي لتحول السيادة إلى سلعة، مُبرزا آليات السوق التي تدفع الدول لشراء وهم الاستقلال الرقمي. فهو يحلل دائرة التبعية المالية المفرغة، حيث تتحوّل السيادة إلى "امتياز كتابة شيكات للولايات المتحدة". بينما تركز بريا على البعد الأمني والسياسي، فتكشف كيف تنتقل الوظائف السيادية الأساسية - مثل القرارات العسكرية والاستخباراتية - من مؤسسات الدولة إلى خوارزميات الشركات الخاصة. يتكامل النصان في كشفهما لآليتي هيمنة مختلفتين لكنهما متزامنتان : الهيمنة عبر الاعتماد الاقتصادي (موروزوف) والهيمنة عبر تفويض السلطة (بريا). فبينما يحذر موروزوف من تحول الدول إلى "عملاء دائمين" لشركات التكنولوجيا، تكشف بريا عن تحوّلها إلى "منصات خاضعة" لنفس هذه الشركات. مما يبدو أن كلا الباحثين يتفقان على حقيقة أساسية: السيادة في العصر الرقمي لم تعد مجرد مفهوم سياسي، بل أصبحت ساحة جديدة للهيمنة تعيد تشكيل موازين القوى العالمية، حيث تنتقل السلطة من الحكومات إلى الشركات التكنولوجية العملاقة عبر آليات اقتصادية وسياسية معقدة.

 

▪︎ دراسة الحالة الأولى

العقد الأمريكي مع بالانتير - نموذج لتفويض السيادة
يمثّل العقد الذي وقعته وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون) مع شركة "بالانتير" في تموز 2025 بقيمة 10 مليارات دولار نموذجا صارخا حيث شمل العقد دمج 75 نظاما عسكريا منفصلا في منصة واحدة، مما يعني نقل مسؤولية تحليل البيانات الاستخباراتية واتخاذ القرارات التكتيكية إلى خوارزميات تخضع لإدارة شركة خاصة. يكشف تحليل بنود العقد أن البنتاغون تنازل عن حق مراقبة بعض الخوارزميات الأساسية، كما منح الشركة حق تعديل النماذج دون إشعار مسبق، الأكثر إثارة للقلق أن البيانات تبقى ملكاً للشركة حتى بعد انتهاء العقد، مما يخلق تبعية دائمة ويُضعف القدرة على الانتقال إلى منصات بديلة في المستقبل. تظهر دراسة هذه الحالة تطابقاً مع تحليل بريا حول "كومة الاستبداد"، حيث تتحول القرارات العسكرية الحساسة - التي كانت تخضع للمساءلة الديمقراطية - إلى مخرجات خوارزميات مغلقة. كما تؤكد تحليل موروزوف حول النماذج الاقتصادية القائمة على التأجير بدلا من التملك، حيث تتحول الدولة من مالك للتقنيات إلى مستأجر دائم. هذه الحالة تظهر كيف تتفاعل الآليات الاقتصادية والأمنية لخلق شكل جديد من أشكال التبعية السيادية في العصر الرقمي.

 

The-Pentagon-AI-Bing-Image-Creator.jpg

 

▪︎ دراسة الحالة الثانية

تمثّل الخطة الفرنسية للذكاء الاصطناعي التي أطلقها الرئيس إيمانويل ماكرون في شباط 2024، والبالغة 109 مليارات يورو، نموذجا صارخا للتناقض بين الخطاب الرسمي حول "السيادة الرقمية" والواقع القائم على التبعية التكنولوجية، فعلى الرغم من الشعارات البراقة حول الاستقلال الرقمي، تكشف دراسة متعمقة للمشروع أن 92% من البنية التحتية المعتمدة تعمل على رقاقات وأنظمة "إنفيديا" الأمريكية. يحقق هذا النموذج ما يطرحه تحليل موروزوف الدقيق للدائرة المالية المفرغة، حيث تدفع فرنسا المليارات لشركة أمريكية تحت شعار التحرر من الهيمنة الأمريكية، والمشروع يعتمد فقط على نموذج التأجير بدلا من التملك، مما يخلق تبعية هيكلية مستدامة ويحول فرنسا من دولة مالكة للتقنيات إلى مستأجرة دائمة. كما تكشف الدراسة أن 78% من التمويل موجّه لشراء خدمات ورقاقات أجنبية، بينما يذهب فقط 22% لتطوير قدرات محلية،تعكس هذه النسبة فجوة استثمارية خطيرة تهدد بترسيخ التبعية التكنولوجية على المدى الطويل. وتظهر الحالة الفرنسية كيف يمكن لخطاب السيادة الرقمية أن يخفي واقعاً مريراً من الاعتماد على التقنيات الأجنبية، حيث تتحول السيادة من مفهوم سياسي إلى مجرد سلعة في سوق التكنولوجيا العالمية، مما يعزز تحليل موروزوف حول "السيادة المُباعة" في العصر الرقمي.

 

▪︎ الاستجابة والمقاومة 

في مواجهة استلاب السيادة الرقمية، تظهر ثلاثة نماذج رئيسية للمقاومة تعكس استراتيجيات مختلفة في التعامل مع هيمنة شركات التكنولوجيا العملاقة. يقدّم كل نموذج دروساً مهمة حول إمكانات وتحديات استعادة السيادة في العصر الرقمي.
فالنموذج الصيني يعتمد على "السيادة عبر العزلة"، من خلال بناء نظام تكنولوجي منفصل يعتمد على الشركات المحلية مثل "هواوي" و"علي بابا". ورغم تحقيق هذا النموذج درجة عالية من الاستقلالية، إلا أنه يدفع ثمناً باهظاً يتمثل في عزلة الابتكار وتأخر تقني يقدر بـ 3-7 سنوات عن التقنيات الغربية في مجالات حيوية. أما النموذج الأوروبي فيمثل محاولة لتحقيق "السيادة عبر التنظيم"، حيث يركز على تطوير تشريعات صارمة مثل الـ GDPR وقانون الأسواق الرقمية، ورغم نجاحه في فرض معايير عالمية وحماية جزئية للبيانات، إلا أنه يفشل في بناء بدائل تكنولوجية حقيقية، حيث تبقى 90% من البيانات الأوروبية مخزنة على منصات أمريكية.
في المقابل، يمثل النموذج الإماراتي محاولة لتحقيق "السيادة عبر الاستثمار"، من خلال الاستثمار في شركات التكنولوجيا العالمية وجذب الخبرات الدولية، لكن هذا النموذج يظل هشاً، حيث أن 85% من الكفاءات التقنية العليا تبقى أجنبية، مما يحد من بناء قدرات محلية حقيقية. تكشف هذه النماذج أن المقاومة الفعالة تتطلب استراتيجية شاملة تجمع بين الحماية الاستراتيجية للقطاعات الحرجة، والانفتاح المدروس على الابتكار العالمي، والاستثمار طويل الأمد في بناء القدرات المحلية، والتعاون الإقليمي لتعزيز القوة التفاوضية.

 

2853801703.jpeg

 

▪︎ نحو سيادة رقمية حقيقية !

لم تعد معركة السيادة في العصر الرقمي تدور حول الحماية من الاختراقات التقليدية، بل حول مواجهة نظام جديد للهيمنة يعمل عبر آليات اقتصادية وأمنية ومعرفية متداخلة، فالنموذج الذي تكشفه دراستي موروزوف وبريا، يظهر أن استلاب السيادة لم يعد مجرد تهديد خارجي، بل تحول إلى عملية منهجية تشارك فيها الدول طواعية عبر عقود الشراء والتفويض. تظهر الخلاصة أن تحقيق سيادة رقمية حقيقية يتطلب تجاوز الخطاب الشكلي إلى استراتيجيات عملية تعيد التوازن في خمسة مجالات أساسية : 
أولاً، الانتقال من نموذج التأجير إلى التملك الجماعي للتقنيات الأساسية.
ثانياً، بناء تحالفات إقليمية تزيد القوة التفاوضية للدول أمام شركات التكنولوجيا العملاقة. 
ثالثاً، استثمار طويل الأمد في التعليم والبحث العلمي لبناء كفاءات محلية مستقلة.
رابعاً، تطوير تشريعات ذكية توازن بين الانفتاح على الابتكار العالمي وحماية المصالح الوطنية. 
خامساً، تبني نماذج حوكمة رقمية تشاركية تضمن الشفافية والمساءلة.
الدرس الأهم أن السيادة الرقمية لم تعد رفاهية، بل أصبحت شرطا أساسيا للبقاء في نظام عالمي جديد حيث تتحكم الخوارزميات والبيانات بمفاصل الاقتصاد والأمن والقوة، الدول التي تدرك هذه الحقائق وتعمل على بناء "سيادة مرنة" - قادرة على التكيف مع المتغيرات التكنولوجية مع الحفاظ على الهوية الوطنية - ستكون الأكثر قدرة على حماية مصالحها في القرن الحادي والعشرين.

جميع الحقوق محفوظة | © 2024 مراصد

برمجة وتطويرID8 Media