
من السوداء الى اللاتينية... تجدد صراع القارات لإعادة بسط النفوذ الإقتصادي

مراصد
13/12/2025، 11:37:21 ص
صراع النفوذ الإقتصادي بات يتجدد يوما بعد آخر ، وهاهو ينتقل من القارة السوداء الى امريكا اللاتينية، وسط إحتدام التنافس بين واشنطن وبكين ودول الإتحاد الأوربي، حيث تستمر أوروبا وتكتل التجارة "ميركوسور MERCOSUR"
الذي يتكون من الأرجنتين والبرازيل وباراغواي وأوروغواي، في التفاوض، فيما تصنع الولايات المتحدة لنفسها مجالات جديدة من خلال اتفاقيات جديدة في المنطقة. ولو كان الأمر متروكاً للرئيس البرازيلي لويس إيناسيو لولا دا سيلفا، فلن يقف أي شيء في طريق توقيع اتفاقية التجارة الحرة بين الاتحاد الأوروبي وتكتل "ميركوسور" الاقتصادي في 20 كانون الأول ديسمبر الحالي، بالعاصمة البرازيلة ريو دي جانيرو. وستكون هذه الاتفاقية نهاية ناجحة لأكثر من عقدين من المفاوضات، وكذلك "أكبر اتفاقية" في التجارة العالمية، كما قال الرئيس سيلفا على هامش قمة العشرين في جنوب أفريقيا.
▪︎ تعزيز الوجود الأمريكي
في الأسابيع الأخيرة تم الإعلان عن اتفاقيات ومعاهدات والتفاوض عليها مع عدد من دول أمريكا اللاتينية، مثل الأرجنتين وغواتيمالا والسلفادور والإكوادور، وهدفها هو إحداث تحول في الموازين التجارية، والأهم من ذلك التغلب على الصين. و"تعزز هذه الاتفاقيات على المستوى الجيوسياسي الوجود الأمريكي في ظل تزايد المنافسة مع الصين في مجالات البنية التحتية والتكنولوجيا والمعادن الحرجة"، كما قال الخبير السياسي فلاديمير روفينسكي من جامعة ICESI" " بمدينة كالي في كولومبيا، في حديثه مع قناة "DW" الالمانية. وهذا لا يعتبر تطوراً سيئاً بالنسبة للشركاء في أمريكا اللاتينية، كما يقول خبير العلاقات الدولية روفينسكي: "من خلال تعميق التعاون الاقتصادي بآليات ملموسة تكسب البلدان في أمريكا اللاتينية مجالاً أكبر للمناورة والوصول إلى التعاون التقني وفرصاً لتنويع إنتاجها". وهذه الاتفاقيات ستساهم بشكل عام في ترسيخ المنطقة ضمن الأولويات الاقتصادية الجديدة في نصف الكرة الأرضية وتحسين وضعها في النظام الاستراتيجي العالمي الجديد.

▪︎ البحث عن شراكة
تبحث الولايات المتحدة الأمريكية الآن عن شركاء من أجل تحسين موقعها في المنطقة وتعتمد في ذلك على تكتيك معروف منذ زمن قديم، كما تقول ديانا لونا من مؤسسة فريدريش إيبرت في حديث مع قناة " DW" الالمانية: "يظهر في أمريكا اللاتينية أسلوب "العصا والجزرة" التقليدي الذي تتبعه الولايات المتحدة الأمريكية في سياستها التجارية، والدول التي تقدم لها خدمات في مجالي الهجرة والأمن "مثل غواتيمالا والسلفادور والإكوادور" وكذلك الدول ذات التوجهات المماثلة "مثل الأرجنتين" يتم تفضيلها بشكل ملحوظ".
▪︎ مسار سريع
في المنافسة الثلاثية على كسب ود أمريكا اللاتينية بين الصين والولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا، تتقدّم بكين حالياً، وتظهر ذلك الأرقام الخاصة بالأرجنتين، حيث نجحت الصين أيضاً في أن تصبح الشريك التجاري الأكثر أهمية في الأرجنتين وتتجاوز البرازيل. وتمكنت الصين في تشرين الأول أكتوبر الماضي، من تعزيز مكانتها الرائدة بصادرات بلغت قيمتها 1.166 مليار دولار أمريكي "زيادة نسبتها 241.4 بالمائة مقارنة بالعام السابق"، وبوارداتها بلغت قيمتها الإجمالية 1.862 مليار دولار أمريكي "زيادة نسبتها 33.7 بالمائة". بينما تراجعت الولايات المتحدة الأمريكية خلال الفترة نفسها إلى المركز الرابع وقد تجاوزتها البرازيل والاتحاد الأوروبي، وهذا يفسر أيضاً اهتمام واشنطن بعقد اتفاقية تجارية مع الأرجنتين.
▪︎ فرص التحول
في المقابل استطاعت أمريكا اللاتينية زيادة صادراتها إلى الصين وإيراداتها بنسبة 7 بالمئة، ويعود ذلك في المقام الأول إلى ارتفاع مبيعات اللحوم وفول الصويا وارتفاع أسعار المعادن مثل النحاس، حسبما ورد في تقرير نشرته قبل أيام قليلة اللجنة الاقتصادية لأمريكا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي "ECLAC". وجاء في التقرير أيضاً أنَّ "الولايات المتحدة الأمريكية تفرض بشكل عام رسوماً جمركية أقل على دول أمريكا اللاتينية ومنطقة الكاريبي مما تفرضه على العديد من أهم شركائها التجاريين، وخاصة في آسيا". وهذا الوضع يتيح فرصاً لتحولات في اتجاه تجارة لصالح الصادرات من المنطقة في قطاعات مثل الملابس والأجهزة الطبية والصناعات الزراعية.

▪︎ سوق المستقبل
الاتفاقيات ستعزز مكانة هذه الدول كشركاء استراتيجيين للولايات المتحدة الأمريكية، وتشكل إشارة واضحة في ظل تزايد حضور الصين. وتقول ديانا لونا من مؤسسة فريدريش إيبرت، "تمثل الاتفاقيات في الأرجنتين أول إجراء ملموس بعد الالتزام المالي من إدارة ترامب، فهي تعزز بشكل خاص الاستثمارات في قطاع الأدوية، وترسل إشارة قوية إلى الأسواق مفادها أنَّ الاستثمار في الأرجنتين مربح، وهي إشارة مهمة لرؤساء يعتمدون على الاستثمارات الأجنبية لتنشيط الاقتصاد، مثل الرئيس الأرجنتيني خافير ميلي". وتعتبر الأرجنتين في هذا الصدد حالة مثيرة للاهتمام بشكل خاص: فهي تواجه تحديات معقدة، لأنَّ التوفيق بين أطر التجارة الأمريكية الجديدة وقواعد تكتل "ميركوسور" قد يكون صعباً للغاية. والأرجنتين تخاطر بالاضطرار إلى الاختيار بين الإطار الأمريكي وعضويتها في "ميركوسور"، مع احتمال أن يكون لذلك عواقب وخيمة على البرازيل والتجارة كلها داخل التكتل، بحسب ديانا لونا. من جهتها.. تقول مارسيلا فرانزوني، خبيرة العلاقات الدولية في جامعة "Ibmec" البرازيلية، لمجلة "فالور"، " يوجد تأثير مباشر للاتفاقية بين الأرجنتين والولايات المتحدة الأمريكية وهو احتمال خسارة الحصص السوقية بالنسبة للمنتجات البرازيلية، وذلك لأنَّ السلع الأمريكية الأرخص يمكن الآن أن تصل إلى هذه الدولة المجاورة".
▪︎ خلافات واعتراضات
منذ عام 2019، كان السبب في فشل إبرام الاتفاقية في المقام الأول، هو مطالب الاتحاد الأوروبي بمتطلبات بيئية أكثر صرامة، والتي سيتم تحديدها في بروتوكول إضافي، وفي بيان صحفي، أكدت المفوضية الأوروبية أن الاتفاقية التي تم التفاوض عليها الآن تحتوي على "التزامات واضحة وملموسة وقابلة للقياس لوقف إزالة الغابات". وتختلف الآراء حول الاتفاقية أيضاً داخل الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، ففرنسا من أشد المعارضين للاتفاقية، وقال قصر الإليزيه في بيان، إن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أوضح لرئيسة المفوضية الأوروبية "أورزولا فون دير لاين" أن الاتفاق بشكله الحالي "غير مقبول"، وسيستمر الدفاع عن "سيادة فرنسا الزراعية"، كما أعربت بولندا وإيطاليا عن شكوكهما بشأن الاتفاق. ومن ناحية أخرى تدعم ألمانيا وإسبانيا الاتفاق، وقد ضغطت ألمانيا مؤخرًا بشكل متزايد من أجل إبرام سريع للاتفاقية. وقد أدت الاتفاقية إلى احتجاجات شديدة من المزارعين في الأسابيع الأخيرة، لا سيما في فرنسا، ولكن أيضاً في بلجيكا، فهم يخشون من المنافسة غير العادلة من المنتجات الرخيصة من أمريكا الجنوبية ويشتكون من تدني لوائح الحماية والمتطلبات البيئية المطبقة هناك، كما تحدث اتحاد المزارعين الألمان أيضًا ضد الاتفاقية ودعا إلى إجراء مفاوضات جديدة. وترفض المنظمات البيئية مثل "منظمة السلام الأخضر" الاتفاقية، ومن بين أمور أخرى، يخشون من استمرار إزالة الغابات المطيرة من أجل إنتاج منتجات مثل لحوم الأبقار وفول الصويا لعلف الحيوانات.
▪︎ تكتل ميركوسور " MERCOSUR "
هو تكتل تجاري في أمريكا الجنوبية، تأسس عام 1991، يضم الأرجنتين والبرازيل وباراغواي وأوروغواي وفنزويلا "عضويتها معلقة منذ عام 2016" ويهدف إلى تعزيز التكامل الاقتصادي وحرية حركة السلع ورأس المال والخدمات والأشخاص بين الدول الأعضاء. أعضاؤه الملتزمون هم الأعضاء المؤسسون، بينما تتمتع دول أخرى مثل بوليفيا وتشيلي والإكوادور وغيانا وبيرو وسورينام بوضع الأعضاء المنتسبين. منذ نشأتها، ارتكزت السوق المشتركة لأمريكا الجنوبية "ميركوسور" على مبادئ الديمقراطية والتنمية الاقتصادية، التي تُشكل أساساً للقيم الأساسية للتكامل الإنساني، وتماشياً مع هذه المبادئ، أُبرمت اتفاقيات مختلفة تتعلق بقضايا الهجرة والعمل والثقافة والمجتمع، على سبيل المثال لا الحصر، وهي ذات أهمية بالغة لسكانها، وتضمنت هذه الاتفاقيات دمج أبعاد المواطن والتكامل الاجتماعي والإنتاجي. ولتحقيق ذلك، كان من الضروري تكييف هيكل المؤسسة وتوسيعه في جميع أنحاء المنطقة من خلال تلبية الاحتياجات الجديدة وتعميق المشاركة الفعالة للمواطنة. علاوة على ذلك، كان عليها أن تجهز نفسها بآليات تمويل خاصة بها، مثل صندوق ميركوسور للتقارب الهيكلي "FOCEM".

▪︎ هيكلية التكتل
يتكون الهيكل التنظيمي لـ"ميركوسور" من عدة أجهزة، هي :
- مجلس السوق المشتركة: وهو أعلى مستوى رئاسي للتكتل، ويتشكل من وزراء خارجية واقتصاد الدول الأعضاء، وتتناوب الدول الأعضاء على رئاسة المجلس كل ستة أشهر وفق الترتيب الأبجدي.
- مجموعة السوق المشتركة، وهي الجهاز التنفيذي لـ"ميركوسور"، وتتولى متابعة تنفيذ بنود معاهدة "أسونسيون"، واتخاذ إجراءات تنفيذية لتحرير التجارة وتنسيق السياسات الاقتصادية، وتتشكل من عضوية وزيري الخارجية والاقتصاد ومحافظ البنك المركزي.
- السكرتارية العامة، وتتولى إصدار البيانات الرسمية عن المجموعة، وكذلك الاتصال بمجموعة السوق المشتركة في اتخاذ القرارات وتطبيقها.
وهناك أيضا هياكل أخرى، منها المنتدى الاقتصادي والاجتماعي، ومجموعات عمل فردية، والمحكمة الدائمة لمراجعة سياسات "ميركوسور" ومقرها في أسونسيون، والمحكمة الإدارية لشؤون العمالة الخاصة بدول التكتل.
▪︎ الأهداف المعلنة
تهدف مجموعة "ميركوسور" إلى تحقيق نوع من التكامل الاقتصادي بين أعضائها من خلال تعزيز التجارة الحرة وتسهيل حركة الأشخاص والبضائع، وحققت منذ تأسيسها إنجازات ملحوظة، حيث زاد حجم التجارة البينية، وأصبحت ضمن أكبر القوى الاقتصادية في العالم. وعلى المستوى السياسي التزمت "ميركوسور" بالعمل على تثبيت دعائم الحكم الديمقراطي في أميركا اللاتينية، فقد لعبت على سبيل المثال دورا مهما عام 1999 في حماية النظام الديمقراطي البرلماني في باراغواي من المحاولات التي قام بها بعض السياسيين والعسكريين للاستيلاء على السلطة. ولا يقتصر التعاون بين دول المجموعة، فقد أبرمت ميركوسور اتفاقيات اقتصادية مع عدد من الدول بما فيها الاتحاد الأوروبي، إضافة إلى دول عربية على غرار مصر والمغرب ودول الخليج. وفي عام 2023، بلغ الناتج المحلي الإجمالي للدول الأربع المؤسسة ما يقارب 3 تريليونات دولار أمريكي، وفقًا لبيانات البنك الدولي ، مما يجعل ميركوسور أحد أكبر التكتلات الاقتصادية في العالم. وبالمقارنة، بلغ الناتج المحلي الإجمالي لثاني أكبر تجمع تجاري في أمريكا اللاتينية، تحالف المحيط الهادئ ، ما يقارب 2.8 تريليون دولار أمريكي، وهو أقل بقليل. ورغم أن جائحة كوفيد - 19 ألحقت أضرارًا اقتصادية جسيمة بأعضاء ميركوسور، إلا أن النمو الاقتصادي الجماعي للمجموعة انتعش إلى ما يقارب 6% في عام 2021 قبل أن يتباطأ إلى ما يزيد قليلاً عن 1% في عام 2022.








