
تشكيل الحكومة المقبلة... مناقشات ما بعد الانتخابات في ظل المواقف الخارجية

مراصد
17/12/2025، 11:44:06 ص
منذ إعلان نتائج الانتخابات التشريعية العراقية في دورتها السادسة، واصلت التصريحات والتحليلات الأمريكية والإيرانية الرسمية وغير الرسمية تقديم رؤى متعددة حول تشكيل الحكومة المقبلة، في حين اقتصرت التصريحات الرسمية على الاعتراف بالمصالح المشتركة بين بغداد وواشنطن.
ويعد أبرز مؤشر على اهتمام واشنطن المباشر بالشأن العراقي تعيين مارك سافيا مبعوثًا رئاسيًا من قبل الرئيس الأمريكي، إضافة إلى زيارة المبعوث توماس باراك إلى سوريا ولبنان وتصريحاته حول العراق، وهو ما يعكس حرص الإدارة الأمريكية على متابعة التطورات السياسية والأمنية في البلاد بشكل مباشر. على الجانب الإيراني، تظهر المواقف والتحليلات حول الحكومة المقبلة تفاوتًا ملحوظا ، بينما ما تزال وسائل الإعلام العراقية بانتظار التوافق السياسي الذي يحسم تسمية الرئاسات الثلاث، من هنا يمكن توثيق أبرز المواقف وعرضها للتحليل الاستقصائي بين ما يتم تداوله في وسائل الإعلام الأمريكية والإيرانية والعراقية.
▪︎ تحذيرات أمريكية
يلفت الانتباه تقرير كتب من بغداد من قبل مديرة مبادرة العراق في المجلس الأطلسي الأمريكي، رصدت تحركاتها "الحرة" في شارع المتنبي وخروجها من مطار بغداد إلى المنطقة الخضراء بسيارة نقل غير مدرعة، بعد أن اعتادت السفارة الأمريكية نقل الزوار بطائرات الهيلكوبتر، ما يعكس مدى تأثير التجربة الميدانية في فهم الواقع العراقي أكثر من النقل السمعي عبر المراسلات الرسمية، وقد نشرت فكتوريا تايلور هذا التقرير في 10 كانون الأول 2025 على موقع المجلس الأطلسي، مؤكدة أن تحولات الشارع العراقي تتقدم أسرع من قدرة النظام السياسي على الاستجابة، وأن الانتخابات أسفرت عن تزامن رغبة العراقيين في التغيير العميق مع استمرار السياسة التقليدية، بما في ذلك خلافات بين الكتل الشيعية والانقسامات السنية والكردية، وارتفاع نفوذ الفصائل المسلحة داخل البرلمان. وأوضح التقرير أن تحالف "الإعمار والتنمية" بقيادة رئيس الوزراء الحالي محمد شياع السوداني حقق أكبر عدد من المقاعد، لكنها لن تستطيع تشكيل حكومة مستقرة دون تحالفات واسعة، فيما تبقى العلاقة مع الولايات المتحدة محورًا مهما رغم النفوذ الإيراني. من جانبه، أكد جيمس جيفري، السفير الأمريكي الأسبق، وديفيد شنكير من معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى، أن تشكيل الحكومة العراقية ليس محكومًا فقط بنتائج الانتخابات، بل أيضًا بتوازنات ما بعد الانتخابات، خاصة دور الإطار التنسيقي والتحالفات مع الكرد والسنة، ما قد يطيل فترة استقرار الحكومة ويكشف هشاشة المنظومة السياسية. وتعتبر الولايات المتحدة دعم الحكومة القادرة على التوازن بين مختلف القوى والسيطرة على الفصائل المسلحة الموالية لإيران مصلحة استراتيجية مشتركة مع العراق.

دبلوماسيًا، شدد نائب وزير الخارجية الأمريكي لشؤون الطاقة والموارد على أهمية الحوار لمنع الصراعات ومساءلة منتهكي القانون، ودعا إلى تفكيك الميليشيات الموالية لإيران وتقويض نفوذها. كما أكد بيان لقاء مستشار الأمن القومي العراقي، قاسم الأعرجي، مع القائم بأعمال السفارة الأمريكية على تعزيز التعاون والشراكة بين البلدين بما يدعم الأمن والاستقرار وحماية الاستثمار. وأشار المبعوث الأمريكي مارك سافيا في تغريدة على منصة "اكس" إلى أن المسؤولية المباشرة تقع على القادة السياسيين العراقيين، محذرًا من أن الانقسام بين الدولة والجماعات المسلحة يضعف مكانة العراق الدولية ويقيد قدرته على حماية مصالحه. ودعا إلى قيادة مسؤولة ووحدة هدف لتعزيز الدولة ومؤسساتها، مضيفًا أن اختيارًا موحدًا وعقلانيًا سيبعث رسالة واضحة إلى الولايات المتحدة والمجتمع الدولي عن استعداد العراق للعب دور دولة مستقرة، بينما البديل سيكون تدهورا اقتصاديا وسياسيا وعزلة دولية. وفي ذات الإطار، أقر المبعوث توماس باراك بفشل التدخل الأمريكي السابق في العراق، مؤكداً أن توسع نفوذ الميليشيات المدعومة من إيران داخل البرلمان والائتلافات الحاكمة أدى إلى فوضى مؤسساتية، وتوقع إمكانية انزلاق العراق نحو تقسيم يشبه نمط دول البلقان، في ظل تجارب فيدرالية غير مستقرة بين بغداد وأربيل. كما أكد غابرييل صوما، مستشار الرئيس الأمريكي، أن واشنطن لن تسمح بأي تدخل خارجي يعرقل إرادة العراقيين أو يفرض خيارات لا تعبّر عن توجهاتهم، مشددًا على أن الاستقلال السياسي شرط أساسي لاستمرار الاستقرار الأمني والتقدم الاقتصادي الذي تحقق بدعم التحالف الدولي، وأن أي تدخل خارجي في تشكيل الحكومة سيقابل بموقف أمريكي صارم وواضح.
▪︎ المواقف الإيراني
قدّم مستشار قائد الثورة الإسلامية للشؤون الدولية، علي أكبر ولايتي، التهاني للعراق حكومة وشعبًا بمناسبة نجاح الانتخابات البرلمانية، مؤكدًا قدرة الشعب العراقي على تقرير مصيره والمساهمة في مستقبل بلاده والمنطقة، ومبرزا مكانة العراق التاريخية كأحد أركان الحضارة الإنسانية منذ أكثر من خمسة آلاف سنة، والدور الحضاري للعراقيين في الحضارة الإسلامية، وارتباطهم العميق بمبادئ أهل البيت عليهم السلام، وحماية المراقد الطاهرة لجميع المكونات الطائفية والعرقية. وأشار ولايتي إلى أن الانتخابات تحمل رسالة واضحة مفادها أن أي تدخل خارجي لا يمكن أن يفرض إرادته على العراق، مشددًا على أن العلاقات بين إيران والعراق قائمة على أسس تاريخية وثقافية ودينية وحضارية متجذرة، ما يجعل التعاون بين الشعبين مستقبلا واعدا وزاهرا.
ونشر موقع "فرارو" الإخباري التحليلي تقريرا بعنوان "سياسة العراق الخارجية بعد الانتخابات... لا إيران ولا أميركا" بقلم محسن صالحي خواه، قال التقرير: "إن نتائج الانتخابات البرلمانية في العراق وحصول الشيعة على الأكثرية حظيت بكثير من الاهتمام والتحليل من الزوايا المتعددة في إيران. واحتفلت بعض التيارات في البلاد بالفوز غير أنه ينبغي الإشارة إلى أن الشيعة يشكلون غالبية سكان العراق وأن القوى السياسية الشيعية البارزة تختلف في رؤيتها حول العلاقات بين بغداد وطهران.

من منظور تحليلي، يرى محمد هادي ملكي، محلل الشؤون السياسية والدولية في وكالة مهر الإيرانية، أن التحركات الدبلوماسية والأمنية المحيطة بالعراق تكشف عن مسار خفي تسعى من خلاله القوى الدولية لإعادة رسم التوازنات الأمنية والسياسية، بما قد يؤثر على حدود الدولة واستقلالها. وقد برزت خلال الأسابيع الأخيرة مبادرات تحت عنوان "السلام الإقليمي" و "خفض التوتر" من الولايات المتحدة وإسرائيل، إلا أن مضمونها الفعلي يتجاوز إدارة الأزمات، ويمثل محاولة لتقليص وزن الدول المستقلة وزيادة النفوذ الخارجي، والانزلاق نحو تفتيت ناعم للدول. كما أشارت وكالة مهر للأنباء إلى أن نتائج الانتخابات العراقية فاجأت واشنطن وحليفها الإسرائيلي، إذ لم تحقق الجهود السابقة أهدافها المرجوة، ما دفع الولايات المتحدة لممارسة ضغوط أكبر على بغداد، وفق ما أكده مارك سافيا، الذي شدد على ضرورة حل ملف السلاح خارج سيطرة الدولة والحفاظ على هيبة المؤسسات الرسمية لضمان دور العراق الفاعل في المنطقة. من جهته، يحلل جلال جراغي، خبير في الشؤون الإقليمية، أن بعض الجماعات والأحزاب العراقية تحاول فصل العراق عن محور المقاومة لصالح تقارب مع واشنطن وإسرائيل، مستفيدين من المناخ السياسي العام، بما يشمل نشر الجدل حول نسب المشاركة الشيعية بعد مقاطعة التيار الصدري، بهدف تقويض الدعم الشعبي لإيران ومحور المقاومة، وتهيئة العراق لمسار سياسي جديد قد يمهّد لاحقا للتطبيع مع إسرائيل ، على حد قوله.
▪︎ المشهد العراقي
الى ذلك أكد خمسة مسؤولين وسياسيين عراقيين بارزين وصول تحذيرات أمريكية مفادها أن واشنطن لن تتعامل مع أي رئيس وزراء محسوب على القوى والفصائل المسلحة، بما يشمل الحقائب السيادية مثل الخارجية والدفاع والداخلية، والأجهزة الأمنية الرئيسة المرتبطة بالتحالف الدولي، كـرئاسة أركان الجيش وجهازي مكافحة الإرهاب والمخابرات. ونقلت صحيفة "العربي الجديد" في تقريرها من بغداد أن هذه التحذيرات وصلت إلى قيادات تحالف الإطار التنسيقي والحكومة الحالية، وأوضح دبلوماسي عراقي رفيع أن الإدارة الأمريكية تضغط على العراق اقتصادياً وسياسياً أكثر من أي وقت مضى، مشيراً إلى أن السياسة الرمادية السابقة لم تعد ممكنة، وأن تسريبات عن عقوبات اقتصادية وتقييد الوصول إلى الدولار جزء من عملية الضغط. وأشار احد المتحدثين للصحيفة إلى أن "التلويح بالعقوبات الأمريكية يعقد مهمة اختيار رئيس الحكومة الجديدة، مع احتمالية فرض عقوبات على شخصيات وجهات عراقية فاعلة، وقد تشمل مؤسسات حكومية"، على حد ما نشر في الصحيفة .
في الوجه الآخر من مقاربات المشهد العراقي، نقل مراسل إذاعة مونتي كارلو في بغداد إعادة طرح اسم محمد شياع السوداني لولاية ثانية لرئاسة الحكومة، ويعود ذلك إلى قبول الإطار التنسيقي بترشيح شخصية تقود ائتلافًا سياسيًا بعد منافسة، وثانيًا إلى التحديات العراقية - الأمريكية والإقليمية في لبنان وسوريا، حيث يعتبر السوداني شخصًا مناسبًا للتعامل مع هذه الظروف. يرى المراقبون أن هناك تأثيرا غربيا على إعادة ترشيحه، خصوصا أن موقفه في الحرب الأخيرة بين إسرائيل وإيران، ومنعه للفصائل العراقية من التدخل بما يخدم إيران، لاقى ارتياحًا أمريكيًا وغربيًا، في حين أن سياساته تجاه سوريا أعطت إشارات إيجابية مماثلة. لكن فرص السوداني تبقى محل مناقشات داخل الإطار، وسط قبول سني كردي. فيما تشير معلومات إلى أن المالكي يسعى لعقد صفقة مع الأمريكيين تعرقل فرص السوداني. مع ذلك ، تشهد الساحة السياسية تحركات متغيرة، يظل تحالف الإطار التنسيقي الأكبر في البرلمان لكنه منقسم داخليا حول مرشح رئاسة الوزراء، والكتل السنية والكردية تلعب دور الميزان، مع حرص على حصصها في المناصب السيادية وملفات رئاسة الجمهورية والميزانية. وهناك توقعات وترجيحات ان تقوم التفاهمات الحالية على حوارات غير مباشرة عبر وساطات كردية وسنية لتقريب وجهات النظر بين التيار الصدري والإطار التنسيقي.

فيما تظل العقبة الأكبر الاتفاق على مرشح توافقي بعيدا عن الأسماء المثيرة للجدل، وسط مخاطر استمرار الفراغ الحكومي، واحتمال عودة الاحتجاجات الشعبية، وتصاعد التدخلات الإقليمية من إيران والولايات المتحدة، مما قد يؤدي إلى مزيد من التعقيد الأمني والسياسي. وعلى الرغم من شيوع الاتفاق على ان العراق عند مفترق طرق حساس، تحدد القدرة على تجاوز الجمود الداخلي والوصول إلى صيغة توافقية ما إذا كانت البلاد ستدخل مرحلة استقرار جديدة أم ستغرق في دوامة صراعات سياسية وشعبية قد تكون عواقبها غير محمودة. ما زالت وقائع المضي قدما في تشكيل الحكومة المقبلة تكمن في خبرة القيادات الحالية وقدرتها على إدارة التحالفات البرلمانية، فيما تظهر حالة الضعف في الانقسامات الداخلية بالإطار التنسيقي والصراعات بين الفصائل الحزبية المسلحة، مما يعرقل اختيار مرشح توافقي وفق التوقيتات الدستورية، ومع ذلك تبقى الفرص ممكنة لتشكيل حكومة توافقية تحقق استقرارا سياسيا وتوازن علاقات العراق مع القوى الإقليمية والدولية وفق منهج "العراق أولًا"، أما التهديدات فتشمل التدخل الخارجي والضغوط الأمريكية والإيرانية، مما قد يؤدي إلى فراغ حكومي وتأزم أمني، وتبقى الأبواب مفتوحة للاحتمالات في الأيام المقبلة، من سيكون رئيس الورزاء العراقي المقبل ؟؟.








