
إيران وحرب الفضاء !!

مازن صاحب الشمري
21/12/2025، 10:08:23 ص
تختتم إيران عام 2025 لتنقل الصراع إلى الفضاء الخارجي عبر قدرات متجددة في صناعة الأقمار الصناعية ونشرها، ويرجح أن تصل عام 2028 إلى إجراء "أكثر من عشر عمليات إطلاق شهريا"، بهذه الجملة رسم حسين شهرابي، الرئيس التنفيذي لشركة "أمل فضا" إحدى شركات الفضاء الجوي الخاصة الإيرانية، الرؤية الأكثر طموحا على الإطلاق في دولة كانت قبل عقد من الزمن تكافح لوضع أقمار صناعية صغيرة في المدار، تبدو توقعات شهرابي لنظام إطلاق أقمار صناعية مذهلة.
لكن ثمة مصادر أخرى للذهول، في المقارنة بين وقائع تداعيات تقدمها التسليحي في الصواريخ والطائرات المسيرة، فضلا عن ملفها النووي، تبدو إيران ماضية قدما في الانتقال إلى تحويل برنامج حكومي استراتيجي كالبرنامج الفضائي إلى صناعة تجارية قادرة على المنافسة، على الأقل، مع شركاء عبر دول مجموعة بريكس ومنظمة شانغهاي للتعاون والاتحاد الاقتصادي الأوراسي. هذا ينعكس على تصدير طائرات "شاهد" المسيرة إلى موسكو في الحرب الأوكرانية، فضلا عن أنواع من الصواريخ أرض - أرض متوسطة المدى. السؤال: كيف يمكن لإيران أن تتفاعل مع انعكاسات واقع العقوبات الأمريكية والمخاوف الأوروبية من ملفها النووي، ناهيك عن تداعياته الإقليمية في الصراع مع إسرائيل. حسب تقرير لمركز الدراسات الدولية الإيطالي، إن تطور برنامج الفضاء الإيراني قد حمل ظل "الاستخدام المزدوج"، حيث تطور بالتوازي مع برنامج الصواريخ بعيدة المدى في البلاد. فقد كان الصاروخ "صافير" الذي وضع "أميد" في المدار نفسه معدلا من سلالة الصواريخ الباليستية الإيرانية، حيث شكل "شهاب-3" البنية الأساسية لأولى مركبات الإطلاق الفضائية الإيرانية. ويجادل النقاد بأن كل تقدم في قدرة الإطلاق الفضائية الإيرانية يقرب المسافة التكنولوجية فعليا إلى صاروخ باليستي عابر للقارات، مما يثير مخاوف دائمة بشأن الانتشار النووي ويجذب التدقيق بموجب قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2231. نمت قدرة الإطلاق الحديثة لإيران على مراحل، حيث وضع الأساس المبكر مركبة "صافير" التي وضعت بين عامي 2009 و2015 عدة أقمار صناعية صغيرة تجريبية في المدار، وبدأ عصر جديد في عام 2020 مع الأقمار الصناعية العسكرية "نور" التي أطلقها الصاروخ الهجين "قاصد" التابع للحرس الثوري، ممثلة أول سلسلة مستمرة للمهام المدارية الإيرانية، وبالتوازي معها وسعت طهران تعاونها مع موسكو، حيث أطلقت روسيا القمر الصناعي للتصوير "خيام" في عام 2022 ووضعت "بارس-1" في المدار في عام 2024، وقدمت خدمات إطلاق للعديد من الحمولات الفضائية الإيرانية المبنية حكوميا. في هذا السياق، ركزت إيران في السنوات الأخيرة على إنضاج عائلتين من الصواريخ الحاملة للأقمار أكبر وأكثر قدرة، فقد حقق صاروخ "سيمرغ" ذو الوقود السائل التابع لوزارة الدفاع نجاحا مداريا في عام 2024، حيث وضع أقمارا صناعية متعددة في مدار أرضي منخفض، كما وصل صاروخ "قائم-100" ذو الوقود الصلب التابع للحرس الثوري إلى المدار في اختباره الثالث وقام منذ ذلك الحين برحلات ناجحة إضافية. وتمثل هذه البرامج معا تحول إيران من عمليات الإطلاق التجريبية المتقطعة إلى أنظمة قابلة للتكرار والتوسع. الأكثر جدلا، أن الجدوى التجارية، وفق الدراسة الإيطالية، هي الهدف الدافع بشكل متزايد لبرنامج الفضاء الإيراني. يتجلى هذا التحول بشكل أكبر في الإطلاق المخطط لهذا الشتاء لثلاثة أقمار صناعية: "ظفر" و"بایا" والقمر الثاني من "كوسر"، التي بنيت من قبل وكالة حكومية وفريق جامعي وشركة خاصة. ويصف المسؤولون الإيرانيون هذا التنوع بأنه بداية مرحلة التصنيع التي تنتقل فيها البلاد من أقمار صناعية تجريبية إلى الإنتاج المستقر المطلوب للأبراج الفضائية. يقول حسين شهرابي من "أمل فضا" دفع القطاع الخاص، مجادلا بأن على إيران تصميم أبراج أقمار صناعية للأسواق العالمية بدلا من الاحتياجات المحلية، ومستشهدا بسبيس إكس كمثال للتوسع. فبرجه المقترح "دوناما" يتصور نحو 200 قمر صناعي خلال ثلاث سنوات، إلى جانب مشاريع مثل برج "الشهيد سليماني" الذي يقوده القطاع الخاص. والهدف المعلن لشهرابي هو الوصول إلى عشر إطلاقات للأقمار الصناعية شهريا بحلول عام 2029، المستوى الذي يعتقد أنه مطلوب لكي تعمل إيران كمشغل تجاري حقيقي. في ضوء ما تقدم، يبدو من الممكن القول :
أولا، تمثل إيران حالة فريدة لـ"اقتصاديات الابتكار القسري"، فالعقوبات الشديدة، بدلا من شل القدرات، دفعت النظام نحو خلق حلول محلية بوتيرة متسارعة وبتكلفة منخفضة، عكس العراق الذي ما زال في خطواته الأولى نحو إعادة التصنيع العسكري بعد عقدين ونيف من التغيير.
ثانيا، التمكين الصناعي في موارد محلية يمنح الصناعات العسكرية والفضائية أسواقا لمنتجات منخفضة التكاليف ومتوسطة التقنية في حروب مستقبلية هجينة، ومازال نموذج استخدام الطائرات المسيرة الإيرانية في الحرب الأوكرانية نموذجا يثير الجدل في التحليلات العسكرية لمراكز الأبحاث الأوروبية والأمريكية.
ثالثا، لا تقتصر الاستراتيجية الإيرانية على الربح المادي، بل تمتد إلى بناء شبكات تبعية تكنولوجية من خلال تقديم خدمات إطلاق وتصنيع أقمار بأسعار تفضيلية للدول الصديقة أو المحايدة في آسيا الوسطى وأفريقيا والعالم الإسلامي، يمكن لإيران ربط هذه الدول بشبكة نفوذها، حيث يخلق التحكم في إطلاق القمر وبياناته علاقة تأثير سياسي واستخباراتي طويلة الأمد، كما يقدم أداة لتخطي الحواجز، حيث يمكن لخدمات اتصال أو إنترنت فضائية رخيصة أن تكون وسيلة لدول أو جماعات تسعى لتجاوز أنظمة الرقابة، مما يعطي البرنامج بعدا أمنيا معلوماتيا عابرا للحدود. لكن تظل قضية الموثوقية طويلة الأمد هي العائق الأكبر أمام ثقة السوق التجاري العالمي الأوسع، يمثل مفترق الطرق الحاسم نجاح إيران في بناء وتشغيل برج أقمار صناعية فعال، فتحولها من "بائع خدمات إطلاق" إلى "مشغل لخدمات فضائية شاملة" هو الاختبار الحقيقي للقدرة الإدارية والتقنية.
رابعا، رد الفعل الدولي المضاد مقابل أي نجاح تجاري إيراني، ولو متواضع، قد يحفز ردود فعل مثل تطوير عروض منخفضة التكلفة تنافسية من قبل الشركات الغربية أو التابعة لحلفائها، وأيضا عقوبات أكثر ذكاء وتركيزا تستهدف شبكات التمويل الدولية وشركاء القطاع الخاص الإيراني الناشئ في محاولة لعزله اقتصاديا.
خامسا، في الجانب الآخر من هذه المقاربة، وفق تقديرات إسرائيلية، فإن التكنولوجيا التي تستخدم لإطلاق الأقمار يمكن توظيفها في تطوير صواريخ باليستية قادرة على حمولات نووية. وتعتبر تل أبيب البرنامج الفضائي مؤشرا على التقدم في القدرات الصاروخية، ولهذا تدمج مخاوف الفضاء مع مخاوف القدرات الصاروخية النووية في استراتيجيتها الأمنية.
وفي خضم العقوبات الأمريكية، فإن إعلانات تحول صناعة الأقمار الصناعية ونشرها عبر الفضاء إلى تجارة مدنية تنافس في دول سوق بريكس وبقية الشركات الكبرى قد تفتح صفحة جديدة من التحدي. فهل الإفصاح الإيراني عن قدرات صناعة فضائية تشمل الاتصال عبر الأقمار الصناعية ونشرها في صواريخ بمدى كبير مجرد إعلان تجاري أم تحدٍ متجدد ينقل مثالب العقوبات طيلة 45 عاما مضت إلى أرباح إقليمية على طاولة مفاوضاتها على الملف النووي؟ ربما تكون الإجابة واضحة في الأسابيع القليلة المقبلة بعد اجتماعات الربيع لوكالة الطاقة الذرية الدولية ومناقشة هذا الملف ما بين صفقة يجري الترتيب لها وبين إحالة الملف إلى العقوبات على الفصل السابع في مجلس الأمن الدولي.!!








