
التنمية البشرية في العراق... الأمم المتحدة تشيد بتقليص فجوة الفقر وإرتفاع معدل الإعمار

مراصد
24/12/2025، 11:11:03 ص
اصدر برنامج الأمم المتحدة الإنمائي "تقرير التنمية البشرية 2025" في العراق: "المواطنة وصياغة عقد اجتماعي جديد" في الثامن من كانون الأول 2025، وتم إعلانه رسمياً في بغداد بالتعاون بين وزارة التخطيط العراقية
انطلق التقرير من فرضية أساسية" لم تعد ازمة العراق، ازمة مرحلة انتقالية، بل بنيوية طويلة الأمد" ولم يستعرض التاريخ القريب بوصفه تسلسل احداث، بل بوصفه تراكم أزمات ما بين دولة سلطوية ريعية قبل 2003، ثم دولة ضعيفة متنازعة بعده. هذا التحليل يضعنا امام اعادة تعريف للمشكلة التنموية في العراق، كونها ليست في غياب الدولة، بل في تعدد صور الدولة وتناقض أدوارها. جدلية بين الممكن والمستحيل ربما تنتهي الى ان التشخيص الجريء الوارد في التقرير وتشريح دقيق للاسباب الهيكلية، الا ان الرؤية الطموحة تتمثل في مشروع تحول جذري.
▪︎ ترحيب حكومي
رحب رئيس مجلس الوزراء محمد شياع السوداني بنتائج هذا التقرير، واشار في كلمة نشرت على صفحات التقرير الاولى، ان ما تصدى له هذا التقرير من "طروحات بالجرأة والواقعية وبالحيادية والموضوعية" ، فرصة مهمة لتجديد مضامين المواطنة واحترام بنود عقد اجتماعي، موكدا "نعي جميعا ان تجديده في ضوء مستجدات الحياة والارتقاء بمتطلباتها اصبح ضرورة لاغنى عنها وهو ما نجح التقرير في طرحه". في كلمة برنامج الامم المتحدة الانمائي، اعتبر البيانات التي اوردها هذا التقرير ليست مجرد سجل للمكاسب او تحديد الفجوات، بل مرآة تعكس الخيارات التي اتخذت وخريطة للخيارات التي لا تزال مطروحة. من جانبه، شدد رئيس اللجنة الاستشارية والوكيل الفني لوزارة التخطيط ماهر حماد جوهان، على استقلالية العمل البحثي والمنهجي للتقرير مؤكدا أن المبدأ الذي تم الحرص على الالتزام به هو أن التقرير "يُكتب إلى الحكومة وليس من الحكومة"، معربا عن فخره بهذا الإنجاز الكبير الذي شكّل سبقاً على الصعيد الدولي، خاصة في "الأدلة المبتكرة لقياس مضامين موضوع الدراسة في المواطنة والعقد الاجتماعي". يُفتتح التقرير بخطاب تأسيسي يعيد صياغة الهوية العراقية عبر استدعاء بلاغي مقصود للدكتور حسين علي محفوظ: اوصيكم بأهل العراق، اهل المودة والادعاء، اهل الصفاء والوفاء، هذه المقدمة لم تكن زخرفة ادبية، بل استراتيجية سردية تهدف الى الربط بين عظمة الماضي وامكانية نهضة المستقبل، وتجاوز سردية الضحية السائدة في الخطاب العراقي المعاصر من اجل بناء شرعية اخلاقية لمشروع التحول الاجتماعي المقترح.

▪︎ عمق حضاري
قدم الفصل الاول تشخيصا زمنيا ما بين الماضي التأسيسي في عمقه الحضاري والتاريخي، مقارنة بما وصفه بالحاضر المنكسر ما بعد 2003 وما صاحبه من تفكيك للدولة والمجتمع، ومقاربته مع المستقبل الممكن في رؤية 2035 والتحول نحو المواطنة الفاعلة. فيما تساءل الفصل الثاني في منهجية لماذا لا يكتفي التقرير بالارقام؟ شارحا كيف ولماذا اختار التقرير الابتعاد عن القراءة الرقمية الصرفة، يستخدم مؤشرات التنمية البشرية لكنه لا يمنحها سلطة تفسيرية مطلقة، اعتمد دمج البيانات الكمية، ابرزها التحليل المكاني المحافظات، استطلاعات الرأي، السرديات الاجتماعية في تحليل الوقائع المنهجية للتنمية البشرية، مؤكدا على ان المؤشرات قد تتحسن بينما الواقع الاجتماعي يزداد هشاشة، هذا موقف نقدي واضح من المؤشرات السائد في التقارير التنموية. لذلك وظف التقرير منهجية الابتكار المعرفي في تحويل المفاهيم الى مؤشرات احصائية، في نقلة منهجية جوهرية من خلال تحويل المفاهيم الفلسفية الى ادوات قياسية من خلال مواءمة المحلي والعالمي في استخدام منهجية الامم المتحدة مع تعديلها لتناسب السياق العراقي وابتكار مؤشرات نوعية ترصد الخصوصية العراقية.
▪︎ المواطنة والعقد الاجتماعي
يمثل هذا الفصل العمود الفقري للتقرير ناقش مفهوم المواطنة ليس كشعار دستوري، بل كعلاقة عملية، في تحليل كيف انتقل العراق نظريا من نموذج الطاعة مقابل الحماية الى نموذج الحقوق مقابل المشاركة، لكن دون ان تعاد صياغة مؤسسات الدولة بما ينسجم مع هذا التحول. لا يكتف الفصل بعرض المؤشرات بل يكشف عن التناقضات الكامنة فيها، مثال المفارقة العراقية الكبرى في ارتفاع موقعه على دليل التنمية البشرية على المستوى العالمي من 0.623 الى 0.712 عام 2024 مع استمرار الازمة الاجتماعية، باعتبارها اول مرة ترتقي قيمة الدليل الى مصاف الدول عالية التنمية كإنجاز احصائي لا يعكس تحسنا نوعيا. اظهرت النتائج ما يعرف بجغرافيا التفاوت في خريطة التنمية البشرية التي كشفت انقساما مكانيا صارخا، فمثلا حصلت اربيل 0.751 ضمن هذا المؤشر لعام 2025 مقابل المثنى 0.673، تعكس تفاوتا هيكليا، يضاف الى ذلك نموذج الاختلاف في الجندر، حيث عدت المرأة العراقية متخلفة عن الرجل ب12 % في التنمية البشرية، وهناك فجوة 28 % بين الجنسين. قدم هذا الفصل تحليلا مجتمعيا للمواطنة عبر استطلاع رأي يكشف التوازن المفاهيمي ما بين المواطنين الذين يوزعون اولوياتهم بالتساوي 25 %. مثال ذلك المواطنة كأداء يومي من خلال تحويل المفهوم من وضع قانوني الى ممارسة حياتية والتركيز على التفاعل الايجابي بدلا من الطاعة العمياء، وايضا الصراع بين الروايات، رواية الدولة: المواطنة كولاء مقابل رواية المجتمع: المواطنة كشراكة.
▪︎ لغة الارقام
تداول التقرير مقارنة في الارقام الاحصائية ما بين عامي 2025 وارقامه معتمدة على نتائج احصاء 2024، وارقام التقرير السابق في 2018، فمثلا كانت نسبة الفقر عام 2018 20.5 % من اجمالي السكان، عام 2025 انخفضت النسبة الى 17.5 %، بانخفاض قدره 3 نقاط مئوية، تعليل هذا الانخفاض يعكس تحسنا طفيفا لكنه لا يزال مرتفعا مقارنة بالمعايير الدولية، يرتبط التحسن جزئيا بارتفاع اسعار النفط وزيادة الانفاق الحكومي، وليس بالضرورة نتيجة سياسات تنموية هيكلية مستدامة.
على مستوى التعليم، متوسط سنوات الدراسة، عام 2018 لم تذكر قيمة رقمية محددة، لكن التقرير يشير الى تحسن بعد هذا العام، عام 2025 وصل الى 9.1 سنوات، مما يعكس تحسنا في معدلات الالتحاق والاستمرارية في التعليم الاساسي. اما سنوات الدراسة المتوقعة، عام 2025 بلغت 12.0 سنة، مما يدل على تحسن في فرص الوصول الى التعليم على المدى الطويل. في قطاع الصحة، لم تذكر قيمة محددة عام 2018، ارتفع متوسط العمر المتوقع الى 74.1 سنة عام 2025، وهو تحسن كبير نسبيا، ويربط التقرير هذا التحسن بانخفاض واضح في معدلات وفيات الاطفال دون الخامسة فضلا عن تحسن في الخدمات الصحية الوقائية والعلاجية.
في مؤشرات تنموية اضافية، اشار التقرير الى ان الدخل الفردي بمعادل القوة الشرائية قدر عام 2025 ب9092 دولار امريكي، علق هذا الارتفاع مرتبطا بشكل رئيسي بتحسن اسعار النفط الدولية، وليس بتنوع في القاعدة الاقتصادية.

▪︎ التمكين والعدالة
وسع الفصل الخامس مفهوم التنمية من تحسين الظروف الى توسيع الخيارات، حلل التقرير لماذا لا تتحول الشهادة الدراسية الى وظيفة ثم الى امان والتعليم الى تمكين، وكشف ان المشكلة ليست في نقص البرامج، بل في نظام توزيع الفرص. النساء والشباب يظهرون كحالات نموذجية لفشل التمكين البنيوي، لا كفئات تحتاج مساعدات اضافية فقط.
لذلك عالج الفصل العقد الاجتماعي ليس كوثيقة قانونية بل كنظام علاقات سلطة، من خلال اعتبار النفط اداة تفكيك سياسي، بعد ان سهل ارساء عقد اجتماعي هو في جوهره صفقة سياسية، تحول الدولة من كيان سياسي الى ماكينة توزيع عوائد.
في المقارنة بين النماذج في المعيار الدولي، هناك العقد التقليدي 0.529 قائم على الاذعان الى السلطة لقاء حماية امنهم، والعقد الجديد 0.867 قائم على التفاعل الايجابي والمساءلة، وايضا الفارق الرقمي 0.338 نقطة يعكس رغبة مجتمعية في التغيير الجذري.
▪︎ الدولة والسياسات العامة
يمكن اعتبار الفصل السادس من اكثر الفصول صراحة في عرض هيمنة "الانفاق التشغيلي" مقابل ضعف "الاستثمار في رأس المال البشري" وغياب "التخطيط القائم على الأدلة" مقابل "تشظي السياسات"، مقدما نقدا غير مباشرٍ للنموذج الريعي، الدولة توزع اموالا لكنها لا تبني، تنفق لكنها لا تنتج ثقة او استدامة، فالسياسات العامة للدولة ليست فاشلة تقنيا فقط، بل منفصلة عن مشروع وطني واضح. وفقا لهذا القياس كشف الفصل عن تحولات بنيوية لا تقاس بالارقام فقط، من بينها انخفاض حصة الغذاء من اكثر من 50 % الى 31.7 % ليس تغييرا اقتصاديا فقط، انما تحول قيمي من ثقافة البقاء الى ثقافة التحسين. كما اعتبر جيل ما بعد 2003، لم يعاصروا ايديولوجيا النظام الدكتاتوري، هذه القطيعة التاريخية تخلق فجوة قيمية بين الاجيال، ادى كل ذلك الى انماط من التحول الطبقي في صعود طبقة وسطى جديدة ذات اولويات مختلفة، اظهرت تغيرا في هرم ماسلو الاجتماعي من الحاجات الاساسية الى تحقيق الذات.

▪︎ المجتمع المدني والقطاع الخاص
يعترف التقرير في الفصل السابع بدور المجتمع المدني والقطاع الخاص خصوصا في الازمات، لكنه في الوقت نفسه يحذر من تضخيم هذا الدور، ويرفض فكرة البدائل عن الدولة، فالشراكات لا تنجح دون دولة واضحة الوظيفة، وعد المجتمع المدني مكملا لا بديلا، والقطاع الخاص لا يمكن ان يقود التنمية في بيئة غير مستقرة قانونيا ومؤسسيا. وفي تحليله للبنى المقاومة للتغيير، قدم الفصل تصنيفا دقيقا للتحديات، من ابرزها الفساد البنيوي، بكونه ليس ظاهرة فردية بل مهدد للعدالة كنظام حكم مواز حينما يتحول الفساد من انتهاك للقانون الى اداة للحكم، النقطة الثانية في الريعية كنظام حياة، لان الاعتماد على النفط ليس سياسة اقتصادية بل بنية اجتماعية انتجت مجتمع استهلاكي غير منتج، مما ادى الى حالات من التفاوت المؤسسي، فهناك فجوة 0.078 بين المحافظات ليست حادثة بل نتيجة سياسات توزيعية حيث انتهى التفاوت المكاني الى انتاج هويات جهوية متنافسة.
▪︎ العدالة بين الأجيال
انتقل التقرير الى المستقبل عبر بوابة البيئة والمياه، لكنه لم يعالجها كقضايا تقنية، بل في طرح تساؤلات مثل من يحصل على الماء؟ من يتحمل الكلفة؟ كيف تدار الموارد النادرة؟،يربط هذا الفصل الاستدامة بالعدالة بين الاجيال، ويشير الى ان فشل الدولة في هذا الملف قد يعمق الهشاشة الاجتماعية. قدم الفصل خريطة طريق طموحة، مثل الهدف الكمي في 2035 كموعد للوصول الى التنمية البشرية العالية جدا، في تحقيق المسار" 0.712" 2024 -" 0.745" 2030 -" 0.808" 2035، كي يوازي العراق المعيار الدولي الافضل في الشرق الاوسط.
وحدد واضعو التقرير شروطاً للنجاح، كل شرط يمثل نقلة نوعية في بنية النظام، تبدأ في التركيز على التحول المؤسسي لا الاصلاح الجزئي، وتطبيق 13 بندا تغطي جميع مجالات الحياة في العقد الاجتماعي الجديد كمدونة سلوك في الانتقال من الولاء للسلطة الى الولاء للوطن.
▪︎ التنمية واصلاح الدولة
لم يقدم الفصل الختامي وصفات جاهزة، لكنه وضع حدودا واضحة، ان التنمية البشرية في العراق وصلت حدودها دون اعادة صياغة العقد الاجتماعي، وهذا لا يدعو الى الاضطرار لاي تغيير جذري مفاجئ، لكنه يعلن نهاية فاعلية النموذج القائم ويدعو الى مسار تفاوضي طويل لاعادة تعريف الدولة والمواطنة. قدم التقرير نموذجا بديلا للتفكير في العراق، المفارقة الاكبر، هذا التقرير الاكثر تشاؤما في تشخيصه هو الاكثر تفاؤلا في رؤيته، لم يكن ضعفا، بل قوة تحليلية ترفض الاستسلام للواقع رغم ادراكها لصعوبة تغييره. ولم يكن نهاية للنقاش، بل بدايته الجديدة، ليس حلا جاهزا، بل اطارا للتفكير في كيفية تحويل المستحيل الى ممكن، في هذا يكمن جوهر اهميته وتحديه في ان لا تنمية مستدامة بدون سلام اجتماعي، ولا سلام اجتماعي بدون عقد اجتماعي عادل، ولا عقد اجتماعي بدون انتقال من الريعية الى المشاركة، هذا الربط بين السياسي والتنموي يمثل اضافة نوعية للتقرير، تجعله وثيقة لا تقل اهمية عن الاهداف المستدامة عالميا، بل تكملها بفهم عميق لتعقيدات التنمية في الدول الخارجة من الصراع.








