الساعة الان

07:34 ص

logo
معادلة الضغط والنفوذ ... حصر السلاح بيد الدولة على طاولة تشكيل الحكومة المقبلة

معادلة الضغط والنفوذ ... حصر السلاح بيد الدولة على طاولة تشكيل الحكومة المقبلة

معادلة الضغط والنفوذ ... حصر السلاح بيد الدولة على طاولة تشكيل الحكومة المقبلة

مراصد

22‏/12‏/2025، 11:15:08 ص

فيما تمضي العملية السياسية قدما نحو الانتهاء من الاستحقاقات الدستورية لتشكيل الحكومة المقبلة، وفق تطورات ملحوظة بعد تصريحات رئيس مجلس القضاء الأعلى بشأن الفصائل الحزبية المسلحة الموافقة على حصر السلاح بيد الدولة. 

 

سارعت وكالات الأنباء المحلية والدولية لنقل هذه التطورات، ومناقشتها من قبل أوساط واسعة من الخبراء والمحللين المهتمين بالشأن العراقي. وكالة الإنباء الفرنسية قالت، بإنه بعد الانتخابات العامة العراقية في تشرين الثاني، طالبت الولايات المتحدة الحكومة الجديدة باستبعاد ستة فصائل تصنفها "إرهابية"، والعمل على تفكيكها، حسبما أفاد مسؤولون عراقيون ودبلوماسيون في تصريحات نقلتها الوكالة. لكن بعض الفصائل عززت وجودها في البرلمان الجديد، وباتوا أعضاء في الإطار التنسيقي، التحالف الحاكم المشكل من أحزاب لها علاقات قوية مع إيران. فيما أعلن زعيم العصائب قيس الخزعلي "نحن نؤمن" بشعار "حصر السلاح بيد الدولة… باعتبار أننا الآن، بشكل أوضح وأقوى، جزء من الدولة". وقال فصيلان آخران، هما حركة أنصار الله الأوفياء وكتائب الإمام علي، إنه حان الوقت “لحصر السلاح بيد الدولة”. قادة الفصائل الثلاثة متحالفون ضمن قوى "الإطار التنسيقي" ومدرجون على لائحة الإرهاب في الولايات المتحدة التي ترفض مشاركة عناصر من الفصائل المسلحة ضمن التشكيلة الحكومية المقبلة. لكن التحولات لم تكن سلسة، فقد جددت كتائب "حزب الله" العراقية رفضها المطلق لمبدأ حصر السلاح إلا بعد خروج القوات الأجنبية من العراق، معتبرة السلاح "حقًا" للمقاتلين، وأن الحديث عن نزع السلاح بدون معالجة مسبقة لقضية الوجود الأجنبي غير وارد.

 

▪︎ تسريبات ونفي

الى ذلك نفى جهاز المخابرات تلقي الحكومة العراقية رسائل تحذير من دولة عربية وجهاز استخبارات غربي حول ضربة عسكرية وشيكة على مواقع داخل العراق. وشدد بيان للجهاز على أن الحكومة العراقية "لم تتلق أي رسالة من هذا النوع"، داعياً وسائل الإعلام إلى "توخي الدقة في التعاطي مع قضايا تمس الأمن القومي للدولة العراقية". وكانت صحيفة الشرق الأوسط قد نشرت تحليلاً موسعاً نقلته عن مصادر لم تسمها بأن الحكومة العراقية وجهات سياسية فاعلة تلقت رسالتي تحذير غير اعتياديتين من دولة عربية وجهاز استخبارات غربي، تضمنتا معلومات "جدية" عن اقتراب تنفيذ ضربات عسكرية واسعة في العراق. وأكد مسؤول عراقي أن "دولة صديقة" أبلغت بغداد بمضمون "التهديد"، قبل أن تسارع فصائل شيعية إلى تقديم تنازلات. وأشارت "الشرق الأوسط" إن مسؤولين في الحكومة تلقوا بعد أيام من وصول الرسالة العربية "ملفاً ضخماً" من جهاز استخبارات غربي، تضمن قوائم أعدها جهاز أمني إسرائيلي تتضمن معلومات غزيرة ومفصلة عن الفصائل العراقية المسلحة. وفق المصادر، فإن "حجم المعلومات ودقتها وشموليتها أذهل المسؤولين العراقيين"، وقال أحدهم لـ"الشرق الأوسط": "إن إبلاغ العراقيين بطبيعة المعلومات التي بحوزة إسرائيل جاء في توقيت حاسم"، وقالت المصادر إن القوائم التي نقلها الجهاز الاستخباري الغربي تضمنت معلومات مفصلة عن مسؤولي فصائل وأشخاص سريين ينشطون في دوائرهم المقربة، فضلاً عن أشخاص يديرون مصالح مالية وتجارية على صلة بالفصائل، كما تضمنت مؤسسات حكومية تمثل واجهات لنفوذ الفصائل المسلحة.

 

6098bad152dc1 (1).jpg

 

▪︎ بين الضغط والنفوذ

في ذات الإطار، نشر معهد الأمن القومي الإسرائيلي تحليلاً لنتائج الانتخابات العراقية، وقدم إطارًا أوسع لفهم ما يحدث في العراق، لا بوصفه قضية عراقية داخلية فحسب، بل بوصفه جزءًا من صراع أوسع بين الولايات المتحدة وإيران حول مستقبل الفصائل المسلحة المنضوية جزئيًا في النظام السياسي العراقي. وفق هذا التحليل، فإن نتائج الانتخابات العراقية جعلت الإطار التنسيقي ،الكتلة الأكبر في البرلمان، مع تنافس واضح بين شخصيات مثل محمد شياع السوداني ونوري المالكي، ما يخلق ضغطاً داخلياً لتحديد موضع الفصائل المسلحة ضمن الدولة. كما ترى الدراسة أن السوداني يسعى إلى فرض سلطة الدولة على الفصائل المسلحة التي تشكل تهديداً لاستقرار العراق وللمصالح الأمريكية فيه، في حين أن إيران تسعى إلى الحفاظ على هذه الميليشيات كجزء من “محور المقاومة” الإقليمي. هذا التصعيد يضع العراق في موقع محوري في الصراع الإقليمي بين واشنطن وطهران. بحسب مصادر تحليل الأمن الإسرائيلي، فإن الفصائل المسلحة الشيعية تشارك سياسيًا لكنها لا تفرط بسهولة في ترسانتها العسكرية، فالحفاظ على السلاح هو ضمان لمحورية دورها في العراق وعلى امتداد نفوذها في المنطقة. بهذا المعنى، فإن حصر السلاح بيد الدولة ليس مجرد مطلب محلي، ولكنه جزء من إعادة بناء توازن القوى في الشرق الأوسط.

 

▪︎ سيناريوهات الحلول

يبدو أن عجلة تشكيل الحكومة المقبلة بمشاركة الفائزين فيها من أحزاب الفصائل المسلحة، المشمولين بنظامي العقوبات الأمريكي إما مالياً عبر قرارات وزارة الخزانة أو ما شملهم من إتهام بجرائم الإرهاب، أمام سيناريوهات حلول عراقية ربما تستجيب للمطالب الأمريكية ولكن على خط مواز لا يخرج من تحت العباءة الإيرانية لمحور المقاومة الإسلامية. في هذا المنظور، ثمة ملفات لابد من الاتفاق عليها قبل تشكيل الحكومة المقبلة، أبرزها إعادة تشكيل الحشد الشعبي والفصائل تحت عنوان قانوني، ما يستدعي إصدار قانون جديد للقوات المسلحة العراقية يضم الحشد الشعبي. وهذا يتطلب مناقشات موسعة لأساليب حصر السلاح بيد الدولة، والتحدي الآخر يتمثل في تجفيف منابع اقتصاد الظل الإيراني في العراق. وكلا الحالتين يتطلب تفاهمات متعددة الأطراف، تتجه ضمن هذه السيناريوهات :
- أولاً: الاقتصاد الموازي ... في العراق، يمثل الاقتصاد الموازي شبكة من الموارد والأنشطة الاقتصادية غير الرسمية التي تستفيد منها فصائل مسلحة وشبكاتها السياسية والاجتماعية، يتضمن عمليات تجارية، وامتيازات في العقود والاستثمارات، واجتذاب موارد مالية خارج النظام الضريبي والرقابي الرسمي. جزء من هذا الاقتصاد مدعوم أو متأثر بـ "التمويل الإيراني الذكي"، حيث تُستخدم موارد إقليمية أو علاقات تجارية مع شبكات مرتبطة بطهران لتمويل نشاطات فصائل في العراق، سواء لوجستيًا أو سياسيًا. غالبًا ما يتميز هذا التمويل عن التقليدي بعدم اعتماده فقط على تحويلات مالية مباشرة، بل على بنى اقتصادية غير رسمية مثل شركات واجهة، وشبكات خدمات، وتأثير غير مباشر على قطاعات الإنتاج والنقل وحتى التأثير داخل المناقصات الحكومية. هذا النوع من التمويل لا يقتصر على دعم عسكري فقط، بل يُسهم في إبقاء هذه الفصائل في مواقع نفوذ داخل الدولة نفسها. أشار تقرير سابق لصحيفة "وول ستريت جورنال" إلى اعتماد الفصائل الموالية لإيران على المصارف العراقية، حيث ارتفع حجم معاملاتها عبر البطاقات الائتمانية الدولية من 50 مليون دولار شهرياً مطلع 2023 إلى 1.5 مليار دولار في أبريل من العام نفسه. ورداً على ذلك، طلبت وزارة الخزانة الأمريكية من البنك المركزي العراقي، كما أفادت مصادر، بحظر 200 ألف بطاقة ائتمان يستخدمها عناصر الفصائل. وتتجاوز المعركة القطاع المصرفي، إذ كشف التقرير عن معلومات واسعة "تشمل الشبكات المالية، والواجهات الحكومية المرتبطة بهذه الجماعات". 


- ثانياً: معركة "القانون 40" ... أبرز القضايا القانونية والسياسية التي تلعب دورًا في  الاتفاق السياسي لتشكيل الحكومة المقبلة ، قانون تنظيم الحشد الشعبي رقم (40) لسنة 2016، اتاح هذا القانون للحشد الشعبي، أن يمارس نشاطاً واسعاً، بما في ذلك تشغيل أذرع سياسية وتنظيمية ضمن مؤسسات الدولة، وتحصيل موارد مالية خاصة به، في موسم تشكيل الحكومة الحالية، برز تحالف برلماني عراقي يعتزم تقديم مشروع قانون لإلغاء القانون رقم 40 واستبداله بـ "قانون القوات المسلحة الموحدة"، يهدف إلى توحيد كل القوى المسلحة تحت هيكل الدولة الرسمي، وبالتالي إنهاء مزايا الفصائل في الحصول على التمويل غير الرسمي. في المقابل، هناك ضغوط أمريكية واضحة، حيث أفاد مسؤولون عراقيون ودبلوماسيون بأن واشنطن طالبت الحكومة العراقية بعد الانتخابات "باستبعاد 6 فصائل تصنفها 'إرهابية'". ويرى غازي فيصل ، رئيس مركز الدراسات الاستراتيجية أن الموقف الأمريكي "قد يضع فيتو غير معلن على شخصيات مرتبطة بفصائل مسلحة أو محسوبة بشكل مباشر على النفوذ الإيراني في الحكومة المقبلة". فيما تسعى الفصائل، التي دخلت البرلمان بقوة بعد الانتخابات الأخيرة، لتحصين وجودها، فقد أشار عضو تيار "الحكمة" فهد الجبوري إلى أن "التمثيل النيابي الذي حصل لفصائل المقاومة هو لأول مرة يكتسب هذا العدد من المقاعد في البرلمان وهذا إيجابي جداً بالنسبة للدولة"، معتبراً أن العمل السياسي مكمل للنشاط العسكري السابق. بيد أن هذا الدمج السياسي يثير مخاوف تحليلية، حيث يحذر فيصل من أن "إشراك هذه القوى في الحكومة، خاصة في مواقع حساسة، يُفسر دولياً على أنه تكريس لحكومة تديرها إيران عبر مؤسسات الدولة العراقية"، مما قد يعرض العراق لمواجهة مع المجتمع الدولي.
- ثالثاً: الابتكار في نزع السلاح ... في سياق تعزيز سيادة الدولة العراقية وقدرتها على حصر السلاح بيدها، بدأت بغداد في اعتماد منظومات تكنولوجية متقدمة تمثل تحولًا نوعيًا في أدوات المراقبة ونزع السلاح، يدمج بين الذكاء الاصطناعي، الأقمار الصناعية، والطائرات المسيرة، بحسب بيان رسمي صادر عن وزارة الاتصالات العراقية بتاريخ تشرين الاول 2025، تم إطلاق القمر الصناعي الخاص "الرافدين - 1"، المصمم لمراقبة التحركات العسكرية غير الرسمية، مع التركيز على المناطق التي تشهد نشاطًا مكثفًا للفصائل المسلحة. وتعتمد المنظومة، المسماة "الدرع الذكي" على خوارزميات ذكاء اصطناعي متقدمة قادرة على تحليل بيانات الأقمار الصناعية والطائرات المسيرة الحرارية، والتنبؤ بتحركات الأسلحة الثقيلة ومخازن الذخيرة، دون الحاجة إلى تدخل بشري مباشر في كل خطوة. هذه التقنية مكنت السلطات العراقية من كشف 17 مخبأ سريًا للأسلحة في محافظات بغداد والأنبار خلال شهرين فقط. يمثل هذا الابتكار نمطاً جديداً من أدوات نزع السلاح يطلق عليه "المراقبة الذكية والتحليل التنبؤي"، حيث لا يقتصر الدور على الكشف المباشر، بل يشمل تحليل البيانات لتحديد المخاطر المستقبلية ورفع كفاءة عمليات ضبط السلاح. كما أن النظام يوفر آلية مراقبة دائمة وموثوقة مقارنة بالأساليب التقليدية التي تعتمد على الدوريات الأرضية أو المصادر البشرية، وهو ما يقلل من احتمالية التسرب السياسي أو العسكري لمواقع الأسلحة.

 

حصر-السلاح-بيد-الدولة.jpg

 

▪︎ تحديات مرجحة 

تواجه جهود حصر السلاح عقبات عملية وسياسية كبيرة، فبعد عامين من إطلاق خطة الحكومة لشراء الأسلحة من المواطنين، وُصفت النتائج بأنها "محدودة قياساً بحجم التوقعات"، تتضمن التحديات "نفوذ الفصائل المسلحة"، و"التدخلات الإقليمية والدولية"، و"ضعف المؤسسات الأمنية"، بالإضافة إلى ذلك، يتم التفتيش غالباً "باستخدام العين المجردة، ولا يتم استخدام وسائل التفتيش العلمية والفنية بشكل كافٍ". تشير المعطيات إلى أن الحكومة العراقية المقبلة ستولد وهي تحمل بذور أزمتها الرئيسية. الصراع على السلاح هو في جوهره صراع على الهوية والولاء: هل العراق دولة ذات مؤسسات مركزية سيادية، أم أنه ساحة لتصفية حسابات إقليمية تُدار من خلال وكلاء مسلحين داخل مؤسساته؟ الضغوط الأمريكية الحالية، وإن عدلت بعض الفصائل خطابها، يبقى السؤال المركزي: هل ستتمكن الحكومة المقبلة، مهما كان تشكيلها، من تحويل خطاب "حصر السلاح" الذي ترفعه بعض الفصائل الآن إلى واقع ملموس عبر إصلاحات قانونية وكمركية ومالية جريئة، أم أن هذا الخطاب سيذوب في بحر المساومات السياسية ليعود السلاح المنفلت لاحقاً كأداة ضغط وابتزاز؟ الإجابة على هذا السؤال هي التي ستحدد مصير العراق كدولة في السنوات المقبلة.

جميع الحقوق محفوظة | © 2024 مراصد

برمجة وتطويرID8 Media