
هجوم سيدني... تعدد دوافع الإنتقام يفند السردية الإسرائيلية

مراصد
25/12/2025، 11:22:12 ص
في الرابع عشر من كانون الأول 2025، حول هجوم مسلح استهدف احتفالا يهوديا على شاطئ بوندي في سيدني الأنظار العالمية إلى أستراليا، خلف أرقام الضحايا والجرحى، تكشفت قصة معقدة جمعت بين تحقيقات أمنية متشعبة وروابط عابرة للحدود وتداعيات مجتمعية وسياسية
كما أشارت مجلة الإيكونوميست، نحن أمام "أسئلة صعبة بشأن التطرف" تتخطى الإطار المحلي لتصبح استعارة لأزمات العولمة المعاصرة. لم تأت حادثة شاطئ بوندي في سيدني بوصفها فعلا عنيفا معزولا أو نتاج خلل أمني عابر، بل مثلت نقطة تقاطع كثيفة بين مسارات عالمية متشابكة: تحولات الإرهاب بعد انهيار "الدولة المكانية"، وتصاعد حروب السرديات والهوية في الغرب، وهشاشة التماسك المجتمعي في الديمقراطيات الليبرالية، وتدويل الصراع في الشرق الأوسط خارج حدوده الجغرافية. هذا التقرير قراءة لما جرى في أستراليا كحدث كاشف عن بنية أوسع تعيد تعريف الأمن، والسياسة، والوعي الاجتماعي في آن واحد، موظفا تلك التساؤلات عما تمثلة جرائم الانتقام بدافع الكراهية التي طرحت في دراسة موسعة لمركز الدراسات الدولية والاستراتيجية في واشطن.
▪︎ التداعيات الأمنية
اكد رئيس الوزراء الأسترالي أنتوني ألبانيزي أن الهجوم "كان مدفوعا بأيديولوجية تنظيم الدولة الإسلامية" وملمحا في تصريح منفصل نقله موقع الجزيرة إلى أن المنفذين "جُنّدا قبل ارتكاب 'مذبحة جماعية'". هذا التصريح نقل النقاش من دائرة الجريمة العادية إلى فضاء التطرف المنظم. تتضح طبيعة الهجوم في بوندي كعملية إرهابية شبه منظمة، تجمع بين دوافع أيديولوجية في ارتباطها بأيديولوجية تنظيم داعش، وتحضير لوجستي شمل السفر المشبوه للفلبين وتدريبا وحيازة رموز ومتفجرات تابعة للتنظيم، ومعرفة مسبقة لأحد المنفذين من قبل وكالة الاستخبارات الداخلية دون تصنيفه كتهديد فوري دفع الهجوم الحكومة الأسترالية إلى مراجعة أمنية قاسية طالت ركيزتين أساسيتين، الركيزة التشريعية، حيث باتت قوانين الأسلحة الصارمة نفسها تحت المجهر بعد ثغرة سمحت بترسانة اسلحة شخصية، فيما برز فشل وكالة الاستخبارات الداخلية في تحويل "معلومات مسبقة" عن مشتبه به إلى عمل وقائي، مما عرضها لانتقادات مباشرة من المجتمع اليهودي والحلفاء الدوليين، فضلا عن الركيزة التعاونية بعد أن أبرزت رحلة الفلبين الطبيعة العابرة للحدود للتهديد، مما يتطلب تعاونا دوليا أكثر فعالية. في مواجهة هذه الضغوط، حاولت الأجهزة الرسمية طمأنة الرأي العام، فقد أكد مفوض شرطة نيو ساوث ويلز، مال لانيون، في مؤتمر صحفي، أن "التحقيقات مستمرة"، وتعهد بالعمل "عن كثب مع المجتمع" وتقديم "تحديثات متواصلة". هذا الوعد هو محاولة لاستعادة الثقة وإظهار أن الجهاز الأمني في حالة تأهب ويخضع للمساءلة.

▪︎ إعادة تفعيل الدولة الوقائية
لم يكتف رئيس الوزراء أنتوني ألبانيزي بإدانة الاعتداء بوصفه "عملا إرهابيا مدفوعا بأيديولوجية تنظيم الدولة الإسلامية"، بل أعلن صراحة أن الإطار القانوني القائم لم يعد كافيا. هذا الاعتراف مهم، لأنه يعبر عن تحول من نموذج "الاستجابة اللاحقة" إلى محاولة إحياء نموذج "الوقاية الاستباقية"، وهو النموذج الذي تعثر في معظم الديمقراطيات الغربية بعد موجات الإرهاب في العقد الماضي. الإجراءات التي أعلنت - من تجريم "التشهير الخطير" القائم على العرق، إلى توسيع صلاحيات وزير الشؤون الداخلية لإلغاء التأشيرات، ووضع لوائح بالمنظمات والدعاة الذين يحرضون على الكراهية - تعكس توجها نحو أمننة الخطاب لا السلوك فقط، هذا تطور نوعي، لأن الدولة لم تعد تنتظر تحول الفكر المتطرف إلى فعل عنيف، بل تسعى إلى قطع السلسلة في مراحلها المبكرة. غير أن هذا التوجه يفتح، في العمق، سؤالا إشكاليا طالما واجهته الديمقراطيات الليبرالية: أين ينتهي خطاب الكراهية وأين تبدأ حرية التعبير؟ أستراليا، بخلاف دول أوروبية، تحاول تقديم إجابة وسطية لا تقوم على شيطنة جماعية، بل على استهداف أفراد وشبكات خطابية محددة.
▪︎ تهديد داعش
اللافت في الخطاب الأسترالي الرسمي أنه لم يتعامل مع "داعش" كتنظيم مهزوم عاد فجأة، بل كأيديولوجيا متكيفة. هذا يتقاطع مع تحليلات خبراء مكافحة الإرهاب الذين أكدوا أن التنظيم، رغم تفكك "خلافته"، ما زال يمتلك أخطر أدواته: الدعاية، والتحريض، والقدرة على إلهام "الذئاب المنفردة".
التركيز على سفر المنفذين إلى الفلبين، وعلى العثور على أعلام التنظيم داخل السيارة، لم يكن هدفه إثبات وجود شبكة عملياتية بقدر ما كان تأكيدا على فعالية القنوات الدعائية العابرة للحدود. أستراليا هنا تعيد تعريف التهديد: لم يعد الخطر في معسكر تدريب محدد، بل في فضاء رقمي - رمزي ينتج التطرف داخل المجتمعات نفسها. يفسرهذا الإدراك لماذا ترافقت الإجراءات الأمنية مع تشديد الرقابة على المحتوى المتطرف، ومع تحميل "الدعاة والقادة المحرضين" مسؤولية قانونية مباشرة. الدولة الأسترالية تتعامل مع الإرهاب بوصفه سلسلة اجتماعية - ثقافية - رقمية، لا مجرد ملف أمني تقليدي.

▪︎ إعادة السردية الإسرائيلية
تحول هجوم بوندي من مجرد حادثة أمنية إلى ساحة صراع محتدمة على الرواية بين الحكومة الأسترالية والقوى المجتمعية من جهة، وبين الحكومة الإسرائيلية بقيادة بنيامين نتنياهو من جهة أخرى، في معركة لتوظيف الدم سياسيا وتشكيل التصور العالمي. في رد الفعل الإسرائيلي، برز خطاب سياسي - أمني يربط بين الحدث الميداني وبين ما تعتبره إسرائيل حربا شاملة غير معلنة على الوعي والشرعية، وهي ما سمته الصحافة الإسرائيلية بـ "الجبهة الثامنة". وقالت صحيفة يديعوت أحرونوت "لا ينظر إلى الهجوم بوصفه عملا إرهابيا معزولا، بل كحلقة ضمن منظومة عالمية منسقة تستهدف إسرائيل واليهود عبر الحرب الإدراكية، والتأثير الإعلامي، وهندسة الرأي العام الغربي". سياسيا، عبر وزير شؤون الشتات "عميحاي شيكلي"، في تصريحات لصحيفة معاريف، عن موقف أكثر حدة، إذ اتهم الحكومة الأسترالية بـالتقصير غير المباشر في حماية الجالية اليهودية، وربط بين الهجوم وبين اعتراف كانبيرا بالدولة الفلسطينية، معتبرا ذلك إسهاما في خلق مناخ عدائي ضد إسرائيل. كما ركز شيكلي على ملف الهجرة والتطرف العابر للحدود، مشيرا إلى تحركات منفذي الهجوم خارج أستراليا، بوصفها ثغرة أمنية ينبغي التعامل معها بصرامة. وتعمق التحليل الذي نشرته "مجلة المجلة" في دوافع هذا الربط، مشيرة إلى أن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو حاول "استثمار الحادثة سياسيا، من خلال ربطها بالاحتجاجات المناهضة للحرب على غزة"، ووفقا للمجلة، فإن هدف هذا الربط كان "تصوير هذه التحركات بوصفها تهديدا أمنيا لليهود في الغرب"، بل إن "مجلة المجلة" نقلت أن وزير المال الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش ذهب إلى حد القول إن الهجوم هو "نتيجة اعتراف أستراليا بالدولة الفلسطينية". وخلصت المجلة إلى أن هذا كله يخدم "السردية الإسرائيلية الراهنة التي تسعى إلى إعادة إنتاج صورة إسرائيل - الضحية على المستوى الدولي".
▪︎ الرد الأسترالي
واجهت أستراليا هذا التوظيف السياسي من خلال خطاب رسمي ومجتمعي ركز على قيم وطنية جامعة. فقد قام رئيس الوزراء الأسترالي أنتوني ألبانيزي، بزيارة "البطل" أحمد الأحمد في المستشفى ووجه إليه قوله مباشرة: "أنت بطل أسترالي عرضت نفسك للخطر لإنقاذ آخرين". هذا التكريم الرسمي المباشر كان محاولة لتأطير الحدث ضمن قصة وطنية عن الشجاعة والتضامن تتجاوز الانقسامات.
شكل تدخل المواطن السوري الأصل أحمد الأحمد لإنقاذ الضحايا عنصرا حاسما في تعقيد الرواية الإسرائيلية المبسطة. فقد نقلت "مجلة المجلة" أن هذا التفصيل الإنساني "أربك هذا الخطاب" الإسرائيلي، حيث "كشفت التحقيقات أن الرجل الذي تصدى لأحد منفذي الهجوم وانتزع سلاحه كان مسلما". وأشارت المجلة إلى أن هذا المشهد "قلص من قدرة إسرائيل على تقديم الحادثة كدليل على تصاعد العداء الديني". بل إن المجلة ذكرت أن نتنياهو اضطر للتراجع عن توصيفه الأولي لهوية المنقذ، بعدما أعلن أنه "بطل يهودي"، فيما صحح رئيس الوزراء الأسترالي هذا الوصف ليكون "بطل أسترالي"، في حادثة رأت "مجلة المجلة" أنها "تعكس حقا حجم الاحتقان الدولي إزاء خطاب نتنياهو". على المستوى المجتمعي، سارعت القيادات الإسلامية، كما أفادت صحيفة "العربي الجديد" في تغطيتها لبرنامج "ما وراء الخبر"، إلى نزع الشرعية عن أي توظيف سياسي للهجوم. فنقلت الصحيفة عن راتب جنيد، رئيس الاتحاد الفدرالي للمجالس الإسلامية في أستراليا، تأكيده على أن "الهجوم يجب فصله عن أي توظيف سياسي"، وأن "استهداف المدنيين مرفوض أيا كانت الدوافع". كما أدان المفتي العام لأستراليا ونيوزيلندا الهجوم بشدة، واصفا إياه في تصريح لـ "العربي الجديد" بـ "العمل الإرهابي والغبي".

▪︎ هجمات بدوافع متباينة
وقع هجوم بوندي في سياق جيوسياسي ملتهب، مما دفعه أن لا يكون مجرد حادثٍ إرهابي معزول وتحول إلى حدث يحمل دلالات إقليمية وعالمية واسعة، متعلقة بتصاعد النشاط المتطرف واستغلال الصراعات الكبرى. في اليوم ذاته، قتل مسلح طالبين في جامعة براون في رود آيلاند الأمريكية، بعد يوم، أعلن مكتب التحقيقات الفيدرالي اعتقال ما زعم أنه أربعة إرهابيين يساريين مؤيدين لفلسطين، خططوا لتفجير أهداف متعددة في كاليفورنيا في ليلة رأس السنة. في ذات المنظور، أطلق مسلح أكثر من 20 رصاصة على منزل مزين لذكرى "الحانوكا" في ريدلاندز بكاليفورنيا، كل هذه الأحداث جعلت "دانيال بايمان" يؤكد في تحليله على موقع مركز الدراسات الدولية والاستراتيجية في واشنطن، أن الفترة التي تعقب الهجمات الإرهابية تتميز بـ"الصدمة والحزن والغضب وعدم اليقين العميق"، مما يجعل طرح الأسئلة التحليلية المنهجية أمرا ضروريا لتمييز "الإشارة من الضوضاء". وفقا لتحليل بايمان، فإن السؤال الأساسي هو "هل العنف جريمة كراهية أم إرهاب؟" في حالة بوندي، تظهر الأدلة المتقاطعة من مصادر متعددة أن الهجوم يجمع بين العنصرين، البعد الإرهابي: كما أكد رئيس الوزراء الأسترالي أنتوني ألبانيزي ، كان الهجوم "مدفوعا بأيديولوجية تنظيم الدولة الإسلامية"، مما ينطبق على تعريف بايمان للإرهاب كفعل يهدف إلى "تغيير سياسة الحكومة أو تعزيز أجندة أوسع". يشير بايمان إلى أن "المراقبين يسارعون غالبا إلى استخدام تسمية الإرهاب عندما يكون الهدف أضيق" مما يستحق التصنيف. في بوندي، يبدو أن الهجوم يجمع بين الدافع الأيديولوجي (الإرهاب) والدافع الطائفي (جريمة الكراهية)، مما يعقد عملية التصنيف البسيطة. وأكد الباحث "حتى عندما ينفذ الهجوم فرد واحد أو اثنان فقط، نادرا ما يكون معزولا اجتماعيا"، التحقيق في علاقات المنفذين، كما كشف ألبانيزي لـفرانس برس عن "صلته بآخرين" منذ 2019، يؤكد أهمية البحث عن "النظم البيئية الأيديولوجية الأوسع" التي نشأ منها المهاجمون، وأشار أن "الروابط الأجنبية تثير صلاحيات قانونية مختلفة وأدوات تحقيقات وردود بيروقراطية"، رحلة المنفذين إلى الفلبين، التي أكدتها إدارة الهجرة الفلبينية، تضع الهجوم في سياق عابر للحدود يتطلب تعاونا دوليا. تسأل بايمان "هل لعبت حكومة أجنبية معادية دورا، وإذا كان الأمر كذلك، فما نوع هذا الدور؟" اتهامات مجلة المجلة بأن إسرائيل حاولت "استثمار الحادثة سياسيا" تظهر كيف يمكن للجهات الفاعلة استغلال الهجمات الإرهابية لأجنداتها الجيوسياسية. لكنه يؤكد أن "المجتمعات التي تحيط بإرهابي يمكن أن تلعب دورا لا غنى عنه في منع الهجمات"، في حالة بوندي شكل التعاون الإيجابي في استجابة المجتمع المسلم عبر إدانة المفتي العام في العربي الجديد للهجوم، والتضامن المجتمعي في تبرع أكثر من 7000 شخص بالدم، كما ذكر الصليب الأحمر الأسترالي، يظهر مرونة المجتمع، لكن التساؤلات تبقى مفتوحة لما يمكن ان يكون من تضارب المصالح في احداث أخرى.

اخترنا لكم

التفسير مرآة لعصر المفسِّر
28/8/2024، 11:38:59 م

مهمة سافايا
4/12/2025، 9:57:00 ص

إغراق السفن... تكتيك حوثي يربك الملاحة في البحر ال...
21/7/2025، 11:21:33 ص

أتمتة العقل السياسي
8/2/2026، 11:28:56 م

الفردوس بين الأسطورة والحداثة
21/7/2025، 12:38:24 ص

هندسة العقول
3/12/2025، 11:16:10 ص

قرن المنازلة
10/12/2024، 3:21:00 م

مستقبل الأموال العامة في ظل حكم مجهول المالك -2-
8/12/2024، 9:09:09 م

طيران فوق عش الوقواق
8/12/2024، 8:55:57 م