
العراق في مرآة الدبلوماسي

د. جمال العتابي
24/12/2025، 11:11:14 ص
يمكن قراءة كتاب "سماء بغداد القِرمزية" للمؤلف الروسي "فيكتور باسوفاليك" بوصفه نصًّا إشكاليًا يقع على تخوم المذكرات السياسية، والسيرة الذاتية، والوثيقة الشاهدة على مرحلة مفصلية من تاريخ العراق والشرق الأوسط في أواخر الثمانينيات وبداية التسعينيات.
لا تكمن أهميته بوصفه سجلًّا زمنيًا للأحداث فحسب، بل في وصفه كتابة تُنتج معنى من قلب التجربة، وتضع القارئ أمام سؤال أخلاقي ومعرفي: كيف تُكتب بغداد حين يكتبها "الآخر القريب"؟ وهل تنجو الشهادة من أسر المصالح؟ عتبة العنوان الأولى "سماء بغداد القِرمزية" لا تعمل بوصفها مشهداً جماليًا، بل استعارة كثيفة تُحيل إلى اقتران المكان بالعنف والاحتراق. "القرمزية" لون الدم والنار معًا: لون الحرب حين تصير السماء نفسها شاهدة. من هنا، يدخل القارئ إلى نصّ لا يَعِد بالحياد الجامد، بل باعتراف مُحمّل بعاطفة محسوبة، توازن بين الانخراط الإنساني والانضباط الدبلوماسي. عنوان الكتاب يعطي تحليلاً مفصلاً لعمليات معقدة للغاية، قام بها المؤلف، كما تشير مقدمة الكتاب. التي تصف المؤلف بالمهنية العالية، عاش الأحداث بعقله وقلبه وروحه. وقيمة الكتاب تكمن في أنه سيرة ذاتية مفصلة للمؤلف، ويبدو أن ذكريات هذا الدبلوماسي الروسي ما زالت تحتفظ براهنيتها حتى يومنا الحاضر، وبالمقام الأول فيما يتعلق بشرعية مبدأ استخدام القوة في السياسة الدولية ومدى فعاليتها. "باسوفاليك" نائب وزير خارجية روسيا وسفيرها السابق في بغداد وخبير شؤون الشرق الأوسط الذي أمضى حياته متنقلاً بين دوله مشاركاً في حل أزماته ومشاكله، ومكافحاً من أجل بقاء المنطقة ضمن أولويات موسكو، كتابه موضوع البحث، يعدّ قبل كل شيء وثيقة تاريخية عن أحداث عاصفة مرّ بها العراق والبلدان العربية بأسرها، في جزء منها مذكرات وانطباعات، إنه رؤية رجل متمرس مهنياً ودقيق النظر لما عاشته بغداد خلال قصف التحالف الدولي لها في كانون الثاني عام 1991، في إطار ما يسمى بـ "عاصفة الصحراء" التي أثارتها الولايات المتحدة إثر الغزو العراقي لدولة الكويت، ثم أرغمت رأس النظام الديكتاتوري على الانسحاب. كانت الخطوات اللاحقة لصدام حسين عبارة عن سلسلة من الحسابات الخاطئة، افرزت تبعات مأساوية واسعة المدى للعراقيين. وافترض أن الاتحاد السوفييتي ومهما كان الأمر سيضطر للوقوف إلى جانب العراق ويبرر أفعاله ويخلّصه، ومن جديد أخطأ الحسابات بشدة، إذ لم يشعر بالرياح التي سادت موسكو أنذاك.
صورة بغداد التي اكتست سماؤها لوناً قرمزياً من نيران القنابل والأسلحة الجديدة التي استخدمها التحالف الدولي لأول مرّة على رؤوس العراقيين. الكتاب الصادر عن دار الكتب العلمية في بغداد عام 2017 في طبعته الأولى، شهادة عن حياة العراقيين ومآسيهم المتلاحقة، وحياة الأجانب، بل وحتى حال الكلاب السائبة في تلك الأجواء الكارثية، ومن ثم جهود الراحل في الحول دون تعرض العراق إلى عدوان أمريكي آخر. 1998 تكشف فصول الكتاب عن منهجية محكمة في سردية تاريخية، استعرض فيها حياته الخاصة، وبداية تكليفه كسفير لبلده في العراق، يتحدث عن تأملاته الحزينة عن العراق ودكتاتوره مشعل الحروب: حرب الخليج الأولى، غزو الكويت، الحصار، والعلاقات العراقية–الروسية، قبل أن ينفتح على أفق الشرق الأوسط الأوسع. هذا التنوّع البنيوي لا يشي بالتشتّت، بل بوعي المؤلف بطبيعة مادته: ذاكرة تتقاطع فيها اليوميات مع التحليل السياسي. كما يحضر صوت آخر (زوجته) بوصفه شاهدًا مُكمِّلًا، يخفّف من صلابة الخطاب الرسمي ويُضفي بعدًا إنسانيًا على السرد. بغداد في هذا الكتاب ليست خلفية للأحداث، بل نصًّا حيًّا. تُكتب المدينة بوصفها فضاءً للحياة اليومية تحت القصف والحصار، ومسرحًا للمناورات الدولية، وموضعًا للتواصل الإنساني في لحظات قصوى. ينجح باسوفاليك في التقاط تفاصيل “العيش اليومي” داخل السفارة وخارجها، ما يمنح النص قيمة إنسانية إلى جانب قيمته السياسية. غير أنّ هذه الكتابة، رغم تعاطفها الواضح، لا تنفلت تمامًا من منظور “الدولة الراعية” ومصالحها، وهو ما يستدعي قراءة نقدية متيقّظة. يقدّم المؤلف نفسه شاهدًا لا مؤرّخًا. هذه النقطة أساسية لفهم النص وحدوده. فالشهادة هنا مشروطة بالموقع الوظيفي: نائب وزير خارجية، وسفير، ووسيط في أزمات. تتجلّى أخلاقيات الشهادة في محاولته تفهّم معاناة العراقيين، والدفاع عن حلول سياسية أقل كلفة إنسانية. لكنها تبقى شهادة داخل أفق السياسة الروسية في طور ما بعد انهيار الاتحاد السوفيتي. من هنا، لا بد من التفريق بين صدق التجربة ونسبيّة تأويلها. يتحدث المؤلف عن المكاسب التي حققها الروس جراء الحرب التي تورط بها العراقيون ـ على حد وصفه ـ مع إيران عام 1980، إذ أضافت أموالاً طائلة لخزينة "الإتحاد السوفييتي"، ويقول بوضوح أكثر: إذا أكون صادقاً حقاً فعلاقات موسكو بالعراق، بما في ذلك البعث، تشكّلت على الأغلب بتأثير إيرادات العملات الصعبة. ولم تكن بيننا أبداً علاقات تحالفية. تُحسب للكتاب مقاومته ـ نسبيًا ـ للسردية الغربية المهيمنة التي اختزلت العراق في صورة “الدولة المارقة”. هذا الموقف يمنح النص أهمية خاصة في حقل دراسات الذاكرة والحروب، لأنه يفتح نافذة من خارج المركز الغربي، دون أن يدّعي امتلاك الحقيقة الكاملة. يحتل العراق موقع المحور الرئيس في فصول الكتاب وشكّلت عموده الفقري، ما منحه ثقله المعرفي والإنساني. هنا لا يظهر العراق كملف سياسي ضمن ملفات متعددة، بل كفضاء مكثّف تتقاطع فيه الحرب، والدبلوماسية، والذاكرة، والاختبار الأخلاقي للسياسة الدولية. في هذه الفصول، يقدّم المؤلف صورة عن بلد يعيش توتّرًا سياسيًا متصاعدًا، لكنه لم يدخل بعد مرحلة التدمير الشامل. العراق هنا ما زال دولة، ذات حضور سياسي قوي، وعلاقات معقّدة مع القوى الدولية. قراءة باسوفاليك في هذه المرحلة تتسم بنبرة تحليلية حذرة، توازن بين معرفته العميقة بطبيعة النظام السياسي، وإدراكه لحساسية المجتمع العراقي وتاريخه. ما يلفت في هذه القراءة أن المؤلف لا ينزلق إلى التوصيف الأيديولوجي السائد في الخطاب الغربي، بل يتعامل مع العراق بوصفه دولة ذات سيادة لها منطقها الداخلي، حتى وإن كان هذا المنطق إشكاليًا أو صداميًا. هنا تتبدّى أولى سمات رؤيته: السعي إلى الفهم قبل الإدانة. قراءة المؤلف للحرب لا تقتصر على بعدها العسكري، بل تذهب إلى تفكيك الاختلال الأخلاقي في النظام الدولي، حيث تُبرَّر القوة المفرطة باسم الشرعية الدولية. لكنه، في الوقت نفسه، لا يقدّم الحرب بوصفها مؤامرة أحادية الجانب، بل نتيجة تراكم أخطاء سياسية إقليمية ودولية. وهنا تكمن إحدى نقاط أهمية الكتاب: رفضه للتبسيط، وإصراره على أن ما جرى في العراق هو نتاج تشابك معقّد لا يمكن اختزاله في سردية واحدة.
في فصول الحصار، تتغيّر نبرة الكتاب بوضوح. ينتقل المؤلف من التحليل السياسي إلى ما يشبه الاحتجاج الإنساني الصامت. يصف آثار الحصار على الحياة اليومية، الاقتصاد، الغذاء، والطبقة الوسطى، ويركّز على فكرة العقاب الجماعي بوصفها أداة سياسية. قراءة باسوفاليك للحصار تتسم بوضوح أخلاقي لافت: فهو يرى أن الحصار لم يكن وسيلة ضغط على النظام بقدر ما كان أداة لإضعاف الشعب العراقي. ومع ذلك، تبقى لغته محسوبة، لا تنزلق إلى خطاب إدانة مباشر، بل تعتمد الوصف الدقيق بوصفه أبلغ من الخطابة. في هذه الفصول، يظهر العراق بوصفه مجتمعًا معاقَبًا، لا مجرّد دولة معزولة، ويبرز وعي المؤلف بالفارق بين النظام والشعب، وهو فارق كثيرًا ما تجاهلته السياسات الدولية آنذاك. عن بغداد يتحدث: أنها مدينة ذات تاريخ عميق وثقافة غنية، ومن جهة أخرى يراها مدينة مُستباحة سياسيًا وعسكريًا. هو يرى بغداد من نافذة الدبلوماسي، لا من داخل النسيج الاجتماعي الكامل، وهو ما يمنح النص صدقه وحدوده في آن واحد.








