الساعة الان

07:38 ص

logo
تنافس روسي غربي...  الرقائق الالكترونية والصخور النادرة وراء تجدد الحرب الباردة

تنافس روسي غربي... الرقائق الالكترونية والصخور النادرة وراء تجدد الحرب الباردة

تنافس روسي غربي...  الرقائق الالكترونية والصخور النادرة وراء تجدد الحرب الباردة

مراصد

26‏/12‏/2025، 1:36:45 م

تتواصل خطوات روسيا الاتحادية في صياغة فوائد مركبة لمنظمة البريكس + وتعزيزها باتفاقات ومبادرات اقتصادية جديدة مثل منتدى المعادن النادرة الذي انتهت أعماله مؤخرا في موسكو 

 

ما يؤكد أن حالة التنافس بين القوى الدولية ما بعد حقبة الحرب الباردة بحاجة إلى آليات أخرى غير تلك التي اتفق عليها أواخر القرن العشرين بعد سقوط جدار برلين، بل بات الغرب الرأسمالي في الدول الصناعية السبع بحاجة إلى التعامل مع القوى الاقتصادية الجديدة في البريكس +، وفق هذه المستجدات، تشير دراسة "تحدي البريكس للنظام الدولي الراسخ لمجموعة السبع الصناعية" الصادرة عن معهد العلاقات الدولية، إلى أن: "صعود البريكس+ يمثل تحدياً معيارياً وفلسفياً للنظام الليبرالي القائم، إذ لا يقتصر على المنافسة الاقتصادية أو العسكرية، بل يشمل محاولات لإعادة تعريف المبادئ والقيم التي تقوم عليها الشرعية الدولية، بما يضع الغرب أمام اختبار جوهري لقدراته على التكيف، وإعادة هيكلة النظام العالمي بما يتوافق مع معايير متعددة الأقطاب ومتنوعة الحضارات". في هذا السياق، تظهر المقارنة بين مجموعة السبع والبريكس+ أن كل طرف يعتمد على أسس مختلفة للقوة: الأول يركز على المعرفة غير المادية، البرمجيات، الابتكار التكنولوجي، والشبكات المالية العابرة للحدود، بينما يركز الثاني على السيادة المادية والتحكم في الموارد الاستراتيجية، بما في ذلك المعادن النادرة والطاقة والبنى التحتية، كما يشير تقرير منتدى "صناعة التعدين 2025" المنشور على موقع المجلس الروسي للعلاقات الدولية إلى أن "التحكم في الموارد المعدنية يمثل مشروع سيادة استراتيجي، يهدف إلى بناء أسس مادية مستقلة للنفوذ العالمي، حيث تصبح المعادن والنفط والطاقة المتجددة ركائز لتفوق استراتيجي طويل الأجل، يتجاوز الربحية الاقتصادية اللحظية ويضمن استقلالية القرار الوطني والدولي". من هنا توثيق المواقف التحليلية من زوايا رؤية مختلفة، لفهم متغيرات عالم اليوم في مستجدات ما يمكن أن يكون في الغد المنظور.

 

67d977fa4c59b76ac71bd62a.jpg

 

▪︎ الرؤية الروسية

يمثل التقرير الاستراتيجي الصادر عن منتدى "صناعة التعدين 2025"، الذي نظمته مجموعة "CREON" في موسكو مؤخرا. وثيقة محورية تكشف عن الرؤية الجيوسياسية والاقتصادية التي تحرك تعاون دول البريكس+ في المجال الأكثر حسماً للمستقبل: السيطرة على الموارد المعدنية والطاقة. لا يناقش التقرير التعدين كقطاع اقتصادي تقليدي، بل يعرضه كـ "مشروع سيادة" استراتيجي، يهدف إلى إعادة تشكيل الأسس المادية للقوة العالمية. يتمحور جوهر هذه الرؤية في التحول من اقتصاد "الخدمات" إلى اقتصاد "السيادة المادية". بينما ما زالت الاقتصادات المتقدمة تركز على القطاعات غير الملموسة مثل التمويل والبرمجيات. حدد المنتدى أن المعادن هي "البنية التحتية الجديدة" للحضارة. فالتحولات الكبرى في الطاقة النظيفة (الطاقة الشمسية، النووية، البطاريات)، والثورة الرقمية (مراكز البيانات، الذكاء الاصطناعي، الشرائح الإلكترونية)، والتقدم الصناعي (الروبوتات، الطيران) تعتمد بشكل لا غنى عنه على سلاسل توريد مستقرة لـ 34 معدناً حرجاً، مثل الليثيوم، الكوبالت، النحاس، والعناصر الأرضية النادرة. التقرير يشير إلى أن الاستثمارات العالمية في هذه المجالات ستصل إلى تريليونات الدولارات بحلول 2025، مما يخلق طلباً استراتيجياً هو الأكبر في التاريخ. وقدم التقرير ما وصفه بـ "الاستراتيجية المعلنة" لبناء سيادة إقليمية مغلقة، خارطة عمل لكيفية تحويل دول البريكس+، وخاصة روسيا ودول آسيا الوسطى الشريكة، هذه الحاجة العالمية إلى نفوذ جيوسياسي دائم. يتم ذلك عبر توحيد الموارد والإمكانات، حيث شدد التقرير على "التعاون العملي الضخم" في روسيا، عبر العمل على أكثر من 175 مشروعاً تعدينياً في الشرق الأقصى والقطب الشمالي باستثمارات تصل إلى حوالي 4 تريليون روبل. في كازاخستان، يوجد 160 موقعاً من أصل 384 للمعادن الحرجة في آسيا الوسطى، مع خطط لمضاعفة إنتاج النحاس. في أوزبكستان، تضاعف إنتاج النحاس باستثمارات بقيمة 10 مليارات دولار.
يضاف إلى ذلك التكامل الإقليمي كبديل للعولمة، يدعو التقرير صراحة إلى خطة تنسيق بين دول الاتحاد الاقتصادي الأوراسي (EAEU) ودول آسيا الوسطى. الهدف هو بناء سلاسل قيمة إقليمية متكاملة ومكتفية ذاتياً، حيث تُصدّر الفوائض وتُستورد النواقص داخل هذه الكتلة الجغرافية، مما يقلل الاعتماد على الأسواق والممرات اللوجستية التي يسيطر عليها الغرب، مؤكداً على أهمية الربط المباشر مع المستهلكين الكبار، مشيراً إلى أن الصين والهند (وهما عضوان في البريكس+) المحركان الأساسيان لطلب العالم على هذه الموارد. هذا يخلق دائرة اقتصادية مغلقة فعّالة: تنتج روسيا وكازاخستان المعادن، وتستهلكها الصين والهند في صناعاتها التحويلية والتقنية، مما يعزز الاستقلال الاستراتيجي للكتلة ككل. بدوره، يجد الباحث فيتالي ميلانتسيف، في دراسته المنشورة في مجلة "الاقتصاد العالمي والعلاقات الدولية"، لمعهد بريماكوف لعلوم الاقتصاد، تحليلاً يعيد تعريف أسباب تفوق البريكس+ على مجموعة السبع الصناعية، معللاً ذلك بأن: "معدل نمو إنتاجية عوامل الإنتاج الكلية في البريكس+ نما بمعدل أعلى بخمس مرات مقارنة بمجموعة السبع، ما يعكس أن النمو ليس مدفوعاً بتراكم المدخلات فقط، بل بتحسن نوعي في كيفية استخدامها، مما يجعل الاستثمار أكثر كفاءة ويحول الفائض الاقتصادي إلى قوة استراتيجية ملموسة". مع ذلك، تحذر الدراسة من التحديات الهيكلية، مشيرة إلى أن: "80% من تباطؤ النمو منذ العقد الثاني من القرن الحالي يعود إلى انخفاض الطلب الخارجي من الاقتصادات المتقدمة ذات النمو البطيء، ما يضع البريكس+ أمام تحدٍ استراتيجي يتمثل في التبعية النسبية لدورة الطلب العالمي".

 

حرب-الرقائق-الالكترونية.jpg

 

▪︎ الرؤية الغربية

تقدم التحليلات الغربية، ممثلة بدراسة مؤسسة كارنيغي للمحلل ستيوارت باتريك والمقال التحليلي لموقع "ذا جلوباليست"، تشخيصاً يركز على إدارة تهديد متعدد الأبعاد، دون إنكار صعود البريكس+. توضح دراسة كارنيغي أن "قوة البريكس+ تنبع من سخط عالمي متزايد على الامتيازات الغربية، لكنها تتعثر عند محاولة صياغة بديل موحد، بسبب التناقضات الداخلية الحادة بين ديمقراطيات وأنظمة استبدادية، ما يجعل التحالف قادرًا على التعبير عما يعارضه أكثر مما يقدمه كبديل إيجابي". تجسد معلومات المقال التحليلي لـ"ذا جلوباليست" الركيزة الأساسية للتحليل الغربي الاستراتيجي، كون "التناقض الأيديولوجي الحاد في البريكس+، بين الديمقراطيات مثل الهند والبرازيل وأنظمة استبدادية مثل الصين وروسيا، يجعل التوافق على قضايا جوهرية مثل حقوق الإنسان والتنمية السياسية مستحيلاً، مما يقوض إمكانية التحرك الموحد ويحول التحالف إلى أداة ضغط أكثر من كونه مشروعًا بديلًا مكتمل الأركان". يخلص التحليل إلى استراتيجية ثلاثية المحاور: أولها الاستيعاب والإصلاح، عبر معالجة المطالب المشروعة للقوى الصاعدة غير المنحازة وإصلاح مؤسسات الحوكمة العالمية، كما يوضح باتريك: "الغرب مدعو لاتخاذ خطوات ملموسة لمعالجة شكاوى القوى الصاعدة، وإصلاح تطلعاتها المعقولة، بهدف نزع فتيل السخط واستعادة شرعية النظام الليبرالي". المحور الثاني التفكيك الداخلي عبر الاحتواء الانتقائي، بحيث يتم تعزيز العلاقات الثنائية مع أعضاء التحالف غير المنحازين. بينما المحور الثالث التجديد الداخلي للنموذج الغربي من خلال معالجة الاستقطاب السياسي، تحسين العدالة الاقتصادية، واستثمار التفوق التكنولوجي لتعزيز جاذبية النموذج الديمقراطي الليبرالي. بناءً على هذا التشخيص، تركز الرؤية الغربية على التناقضات الداخلية كأكبر مُحدد لمستقبل البريكس+. يحلل تقرير كارنيغي هذا التناقض على مستويين :
- أولاً: التناقض السياسي... حيث يضم التحالف "ثلاثا من أكثر الديمقراطيات ضجيجاً (وإن كانت ناقصة) إلى جانب القوتين الاستبداديتين الرائدتين في العالم". هذا الاختلاف يجعل التوافق على قضايا جوهرية كحقوق الإنسان مستحيلاً.
- ثانياً: التناقض الاستراتيجي... كما يكمل المقال الإخباري لـ"ذا جلوباليست"، توجد هوة بين الأعضاء ذوي التوجه "المناهض للغرب" بوضوح (الصين، روسيا، إيران) والأعضاء الرافضين لهذه الهوية والذين يصرون على "عدم الانحياز" (الهند، البرازيل، جنوب إفريقيا). هذا الشرخ الاستراتيجي، مقترناً بـ "الصراع الحدودي" بين الصين والهند، يحول دون تحول البريكس+ إلى تحالف متماسك.

 

68ca02434236040e3b12b502.png

 

▪︎ استراتيجية مركبة

في إطار هذا التشخيص (تهديد لشرعية النظام، وضعف بنيوي للمتحدي) تولد إستراتيجية غربية مركبة تهدف إلى تعزيز مرونة النظام الليبرالي وإطالة عمر هيمنته من خلال :
- أولاً: الاحتواء الانتقائي والتفكيك الداخلي... الهدف منه ليس مواجهة البريكس+ ككتلة، بل "منع تحولها إلى أداة طيعة بيد القوى الاستبدادية"، وخاصة الصين. يتم ذلك وفق هذه الدراسات عبر تعزيز العلاقات الثنائية العميقة مع الأعضاء "غير المنحازين" مثل الهند والبرازيل والمملكة العربية السعودية، وعرض شراكات تقنية واقتصادية بديلة. الفكرة هي "تعميق الانقسامات داخل التحالف الصاعد" واستغلال تناقضاته.
- ثانياً: الإصلاح الاستباقي واستعادة الشرعية... في هذا الجانب البنائي، تدعو دراسة معهد كارنيغي إلى "اتخاذ خطوات ملموسة لمعالجة شكاوى القوى الصاعدة المشروعة"، بما يدفع إلى إصلاحات حقيقية، وإن كانت مضبوطة، في مؤسسات الحوكمة العالمية (كصندوق النقد الدولي) لمنح هذه القوى نفوذاً أكبر. الهدف منه، استيعاب المطالب وسحب البساط من تحت السردية التي تقدمها البريكس+ كالبديل الوحيد، وبالتالي استعادة شرعية النظام الحالي.
- ثالثاً: التجديد الدفاعي للنموذج الليبرالي... تعترف هذه الرؤية بأن التحدي الخارجي يعكس أزمة داخلية. فهي تدعو إلى معالجة مظاهر الضعف في الديمقراطيات الغربية نفسها، مثل الاستقطاب وعدم المساواة، واستثمار التفوق التكنولوجي المتبقي في مجالات حاسمة. هذا التجديد هو معركة سرديات لمواجهة الجاذبية المتزايدة للنموذج التنموي الاستبدادي الذي تروج له الصين، وإثبات أن الديمقراطية الليبرالية لا تزال قادرة على تحقيق الرفاهية والابتكار.

 

▪︎ نظام عالمي متعدد

يتلاقى التحليل الروسي والغربي ليكشف عن تحول جذري في النظام العالمي، ليس مجرد تعدد أقطاب بل ولادة نظام متعدد الحضارات. كما تؤكد دراسة المعهد الدولي أن: "البريكس+ يمثل تحدياً وجودياً للنظام الليبرالي، إذ يسعى لتقديم بدائل معيارية وأيديولوجية تعكس سيادة الدولة المطلقة، وعدم التدخل، مع تقديم نموذج تنموي الاستبدادي قابل للتطبيق، ما يهدد الهيمنة الفكرية الغربية ويؤسس لفسيفساء عالمية من القيم المتنافسة". يبرز الانقسام الحضاري في مصادر القوة، فالغرب يعتمد على المعرفة غير المادية والابتكار التقني، بينما البريكس+ تركز على السيطرة على الموارد والمجال الجغرافي. كما يؤكد تقرير منتدى التعدين على أن "القوة الأوراسية قائمة على القدرة على التملك والتحكم في المخزونات الاستراتيجية، وهو ما يجعلها ملموسة وصعبة الاستعارة، بينما القوة الغربية سائلة وعابرة للحدود لكنها تواجه قيوداً أمام السيطرة على الموارد الحيوية". في المنطق الاستثماري والزمني، يركز الغرب على الربحية قصيرة الأجل، بينما البريكس+ تستثمر في "السيادة الآجلة" والأمن الاستراتيجي طويل المدى. 

 

GettyImages-1461526430-1686849787.png

 

وفق ميلانتسيف: "الكفاءة في البريكس+ تُوظف لخدمة أهداف استراتيجية أعمق، ما يحول الفائض الاقتصادي إلى قوة ذاتية التعزيز، تقلل الاعتماد على النظام الغربي". أما هندسة النظام العالمي، فتتحول إلى فسيفساء متعددة الحضارات، حيث تتنافس مناطق نفوذ حضاري متراكزة، مع مناطق تداخل تتفاوض فيها القيم الغربية والأوراسية. في اتفاق مع كارنيغي على أنه "لن يكون هناك نظام عالمي موحد بعد الآن، بل فسيفساء من المناطق الحضارية، حيث التعاون الدولي يصبح متغيرًا بحسب التحالفات والمؤسسات التي تتحكم بها كل حضارة". الخلاصة الكلية في هذه المقاربات، ليس الفائز في القرن الحادي والعشرين من يهيمن على العالم كله، بل من يمتلك ذكاءً حضارياً يتيح التنقل بين المنطقين المادي والمعرفي، بين زمن الربحية وزمن السيادة، وبذلك تتحول السلطة من الهيمنة المطلقة إلى القدرة على إدارة علاقات حضارية معقدة ومتغيرة.

جميع الحقوق محفوظة | © 2024 مراصد

برمجة وتطويرID8 Media