
النزاعات المحتملة في 2026 ... مقاربة عراقية !

مازن صاحب الشمري
28/12/2025، 12:17:49 م
تطورت المدارس السياسية في أوروبا نتيجة لتجارب الاستعمار، فيما نشأت في الولايات المتحدة استجابة للحاجة في إدارة مصالح الشركات متعددة الجنسيات، مما مثل نموذجا لتطور "الرأسمالية المتوحشة" والتناغم بين إدارة المال والسلاح وصناعة السياسات الدولية في البيت الأبيض.
في هذا الإطار، تهتم مراكز الفكر الأمريكية سنويا باستطلاع اراء النخب حول توقعات العام المقبل، وبينما يُعد مجلس العلاقات الخارجية (CFR) الباب الخلفي لصناعة السياسات الدولية الأمريكية، فإن تقرير مركز العمل الوقائي التابع لهذا المجلس ليس مجرد قائمة تهديدات، بل وثيقة تدعو إلى الحكمة والاستباقية، تكمن أهميته لصانع القرار الأمريكي في كونه إنذارا ضد المفاجآت المكلفة، ومرشدا في تخصيص الموارد ، وتقيما استباقيا للسياسات الحالية ونتائجها المتوقعة. السؤال المحوري: كيف قرأت النخب الأمريكية منطقة الشرق الأوسط 2026، وهل يمكن مقاربة ذلك على العراق؟ أسس هذا التقرير على نتائج استطلاع رأي الخبراء لترتيب ابرز 30 نزاعا عالميا وفقا لمدى احتمالية حدوثها في عام 2026 وتأثيرها المحتمل على المصالح الأمريكية، من الملاحظات الجديدة الملفتة أن التقرير يُقدم لأول مرة قائمة بـ "فرص الوقاية من النزاعات وحلها"، محولا بذلك التركيز من تشخيص المخاطر إلى اقتراح حلول عملية. فيما تناول التقرير مخاطر هذه النزاعات، يصف بوضوح نهج الإدارة الأمريكية (في سيناريو 2026) القائم على "تفكيك العناصر ... للوقاية من النزاعات، وبناء السلام"، وفي ظل هذا التحول الجذري، تزداد الحاجة لقيام صانعي السياسة الأمريكيين "بالنظر إلى الأمام والعمل على تقليل المخاطر المرتبطة بالنزاعات"، في عالم أصبح "أكثر عنفاً واضطراباً" ويخلص التقرير إلى أن "التخلي عن هذه الأدوات في منطقة حيوية ومليئة بالصراعات الكامنة مثل الشرق الأوسط يمثل فتحاً متعمداً لباب الفوضى". في مقاربة التحليل مع وثيقة الأمن القومي الأمريكي لعام 2025 فيما يخص الشرق الأوسط، التي أشارت في صفحات معدودة إلى تبني إدارة الرئيس ترامب رؤية ترجح أن تصبح المنطقة "وجهة للاستثمار الدولي في صناعات تتجاوز النفط والغاز إلى الطاقة النووية والذكاء الاصطناعي وتقنيات الدفاع" وأكدت الوثيقة على استمرار المصالح الجوهرية لأمريكا في "بقاء مضيق هرمز مفتوحاً، والبحر الأحمر صالحاً للملاحة، وفي عدم تحول المنطقة إلى حاضنة أو مصدر للإرهاب، والبقاء على إسرائيل آمنة". وفق هذه المقاربة، يشير تقرير المخاطر إلى أن الإدارة الأمريكية "انخرطت في سلوكيات غير ضرورية تزيد من عدم الاستقرار، هددت فيها بالقوة واتخذت إجراءات قسرية أخرى ضد عدة دول، بما في ذلك حلفاء" وقد خلق هذا المنهج سابقة خطيرة في التعامل مع المنطقة، حيث تتحول الخلافات السياسية والتاريخية إلى أزمات عسكرية سريعة الاشتعال في غياب قنوات اتصال دبلوماسية فعالة وآليات وساطة موثوقة. فـ "التهديد بالقوة" يضعف تماسك التحالفات التقليدية ويشجع الدول الإقليمية على البحث عن ضمانات أمنية خارج الإطار الغربي، مما يزيد من تعقيد المشهد. في ظل "انعكاس اتجاه ما بعد الحرب الباردة" وازدياد "النزاعات بين الدول"، بات الشرق الأوسط ساحة مثالية لتصعيد المنافسات. وتقليص الدور الأمريكي الفاعل في إدارة الأزمات - كالوساطة بين السعودية وإيران أو احتواء الصراع في اليمن - يُطلق من وجهة نظر تلك النخب الامريكية ، يد القوى الإقليمية الطامحة (تركيا، إيران، إسرائيل، الإمارات) لـ"ملء الفراغ"، يشبه هذا السيناريو ما ورد في التقرير تحت بند "المخاوف الأخرى"، حيث يحذر من أن "التوترات... المتفاقمة... قد تؤدي إلى وقوع اشتباكات مسلحة" تجذب أطرافاً إقليمية أخرى.
يتجلى الاختلاف بين اراء النخب ، وموقف وثيقة الامن القومي في ترجيح تصاعد الصراع بين القوات الإسرائيلية والفلسطينيين في الضفة الغربية، وعدد من السيناريوهات المحتملة ذات التأثير المرتفع، إضافة إلى إمكانية "تجدد القتال في قطاع غزة، ما يعمق الأزمة الإنسانية ويزيد من عدم الاستقرار الإقليمي" ضمن تهديدات ذات أولوية من المستوى الأول، كما أشار إلى "احتمال تجدد النزاع المسلح بين إيران وإسرائيل، ناجمًا عن جهود إيران لإعادة بناء برنامجها النووي وشبكة جماعاتها الإقليمية" تحت توصيف احتمال متوسط وتأثير مرتفع، وتناول التقرير أيضًا ضمن تصنيف النزاعات "هجمات الحوثيين على إسرائيل والملاحة الدولية"، و "فشل جهود نزع سلاح حزب الله واستمرار الضربات الإسرائيلية في لبنان"، و "تصاعد العنف الطائفي وعودة نشاط داعش في سوريا"، مما يبين انتشار النقاط الساخنة في المنطقة. من خلال معطيات التقرير، يمكن حصر تلك الانعكاسات عراقيا في الآتي:
أولاً: يشير التقرير إلى أن "النزاعات بين الدول" تشكل "نسبة متزايدة" من الصراعات العالمية، قد يتجلى ذلك عراقيا عبر تصعيد متوقع تتحول فيه التوترات حول وجود حزب العمال الكردستاني (PKK) بردود أفعال تركية متجددة على علاقة بمتغيرات سورية تتعلق بقوات "قسد" الرافضة للانحلال في الجيش السوري ، أو مع إيران حول نشاط المعارضة في أراضي عراقية إلى "اشتباكات مسلحة" مباشرة أو عبر وكلاء، كما أن إحياء التمرد الداخلي في ظل "ضعف الدولة المستمر وغياب "الجهود الاستباقية المعروفة بدورها في تعزيز السلام والاستقرار"، قد يؤدي إلى "تصاعد التمرد" من قبل مجموعات تستغل الفراغ الأمني وتراجع الاهتمام الدولي في المناطق الغربية أو في كركوك ونينوى، هذا بدوره يمكن أن يؤدي إلى التنافس الإقليمي عبر "تزايد نشاط الجماعات المسلحة" داخل العراق، مما يقود إلى مواجهات داخلية بين فصائل موالية لإيران وأخرى تحاول الاستقلال أو الانحياز لقوى أخرى، مما "يزيد من الخسائر في صفوف المدنيين".
ثانياً: حذر التقرير من أن "الاضطراب السياسي" يمكن أن يؤدي إلى "زعزعة استقرار الحكومات المركزية والتصاعد نحو صراع أهلي أوسع"، في العراق، هناك عدة عوامل تغذي هذا السيناريو، منها احتمالات الجمود في تشكيل الحكومة المقبلة، مما قد يُشعل "الاضطرابات الشعبية" كذلك، قد يتحول الصراع على الموارد إلى "صراع عرقي وسياسي حول الأراضي والموارد الطبيعية". ويرتبط هذا كله بالدور السلبي للأطراف الخارجية، فبدلا من دعم الاستقرار، قد تعمل القوى الإقليمية على "تعزيز الاستقطاب السياسي" لضمان ولاءات تخدم مصالحها، مما "يُعطل أي مسار للمصالحة الوطنية".
ثالثاً: ربط التقرير بوضوح بين "العنف الإجرامي والقمع السياسي" و"زيادة الخسائر في صفوف المدنيين والاضطرابات الشعبية" في العراق، قد تتحول الاحتجاجات الاجتماعية المطالبة بالخدمات والوظائف إلى أعمال شغب واسعة النطاق خاصة مع "تقلص التمويل"الدولي الموجه لدعم برامج التنمية والاستقرار اضافة الى تصاعد متوقع لطلب العراق قروضا دولية، قد يؤدي تفاقم الأزمة الاقتصادية إلى "تفاقم أزمة النازحين" داخليا، مما يزيد العبء على المدن المستقرة نسبيا ويهدد باندلاع نزاعات مجتمعية متجددة.
رابعاً: يؤكد التقرير أن "الولايات المتحدة تتعرض بشكل فريد للمخاطر المتزايدة للنزاع المسلح، إذ لا توجد قوة أخرى لديها العديد من الحلفاء والالتزامات الأمنية" ومع تراجع الالتزام الأمريكي المباشر، بات العراق ساحة "لمواجهة مسلحة" غير مباشرة أو حتى مباشرة بين إيران وإسرائيل، أو بين المحور التركي والمحور الإيراني.
على خط موازٍ، يمكن أن يكون العراق في 2026 منطقة عازلة تُفكك فيها الصراعات، في سيناريو أقرب إلى التطبيقات التي قد تسعى فيها إيران لإنشاء "مناطق عازلة" داخل الأراضي العراقية، مما يعني عملياً تقسيم السيادة، على نمط ما يحدث في سوريا، لاسيما مع استمرار الضربات عبر الطائرات المسيرة على مواقع في إقليم كردستان قد ينتهي بجذب تدخل خارجي. يبقى الخيار الحقيقي ليس بين الاستقرار والانهيار، بل بين السلبية التي تقود حتماً إلى السيناريو الكارثي، والفعل الاستباقي الذي يستلهم تحذيرات التقرير لـتجنب هذه الأزمات أو الاستعداد لها"، سيُحدد مصير العراق في 2026 بقدرة نخبه السياسية ومؤسساته على قراءة ما بين السطور واتخاذ القرارات الحكيمة قبل فوات الأوان.








