
تحذيرات أممية... تراجع الدعم الدولي يهدد مصير ملايين اللاجئين حول العالم

مراصد
28/12/2025، 12:17:55 م
تواجه المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين أزمة عميقة، إذ خلال عشر سنوات تضاعف تقريبا في مختلف أنحاء العالم عدد النازحين قسراً، والذي قُدّر بنحو 117,3 مليون شخص عام 2025، بينما يتراجع التمويل الدولي للمساعدات بشكل حاد، لا سيما منذ عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض.
فالتخفيضات التي أجرتها واشنطن والتي كانت تُساهم سابقا بأكثر من 40% من ميزانية المفوضية، معطوفة على القيود المفروضة على الميزانية في دول مانحة رئيسية أخرى، أجبرت المنظمة على الاستغناء عن أكثر من ربع موظفيها منذ بداية العام، أي نحو 5 آلاف موظف.
▪︎ إعادة تقييم
وفي ظلّ تصاعد النزاعات المسلحة، وتسييس قوانين اللجوء، وتقليص المساعدات الدولية، تعتزم الأمم المتحدة إعادة تقييم استراتيجياتها المتعلقة باللاجئين في اجتماعات بدأت منتصف كانون اول ديسمبر 2025 في جنيف، وعلى مدى يومين من الاجتماعات تم استعراض التقدّم المحرز في المنتدى العالمي للاجئين، لربط منتديات 2023 و2027، وناقشت الحكومات والمجتمع المدني والقطاع الخاص والأكاديميون إنجازات السنوات الأخيرة، والعمل على طرح حلول جديدة. ومن المتوقع أيضاً الإعلان عن التزامات الجهات المانحة خلال هذا الاجتماع. وقال رئيس قسم الميثاق العالمي للاجئين في المفوضية العليا لشؤون اللاجئين نيكولاس براس للصحافيين "إنه ليس وقت التراجع، بل وقت تعزيز الشراكات وتوجيه رسالة واضحة للاجئين والدول المضيفة بأنّهم ليسوا وحدهم".
▪︎ رقم قياسي
وبين براس أن عدد الأشخاص الذين أُجبروا على الفرار من الاضطهاد والنزاعات والعنف وانتهاكات حقوق الإنسان والاضطرابات الخطرة في النظام العام عام 2024، ارتفع ليصل إلى رقم قياسي بلغ 123,2 مليون لاجئ ونازح داخلي وطالب لجوء.
وفي نهاية عام 2024، كان ما يزيد قليلا عن ثلث هؤلاء الأشخاص من السودانيين "14,3 مليون"، والسوريين "13,5 مليون"، والأفغان "10,3 ملايين"، والأوكرانيين "8,8 ملايين". وأكد رئيس قسم الميثاق العالمي للاجئين أنّ "الدعم المقدّم للاجئين مستمر في مختلف أنحاء العالم"، مشيراً إلى أنّ "ثلثي الأهداف" التي حُددت في المنتدى العالمي الأخير عام 2023 "قد تحققت أو في طريقها إلى التحقق".

▪︎ مسؤولية غير متكافئة
بحسب مفوضية اللاجئين، اعتمدت عشر دول قوانين جديدة تسمح للاجئين بالعمل منذ عام 2019، ما مكّن أكثر من نصف مليون شخص من الاستفادة، كما عززت عشر دول أخرى أنظمة اللجوء لديها، من بينها تشاد التي اعتمدت أول قانون لجوء في تاريخها. وأشار براس إلى أن "الوضع العالمي يتدهور وسط نزاعات مستمرة، وخسائر قياسية في صفوف المدنيين، وتزايد الانقسامات السياسية، مما يُفاقم نزوح السكان ويُرهق النظام بشدة". ولاحظت المفوضية أن تقاسم المسؤولية لا يزال غير متكافئ، فالدول التي لا تملك سوى 27% من الثروة العالمية تستضيف 80% من لاجئي العالم. وأكدت المنظمة حديثا أنّ ثلاثة أرباع النازحين يعيشون في بلدان معرضة بشدة أو بشكل بالغ لمخاطر المناخ. لكن في تقرير حديث، أشار رئيس المفوضية فيليبو غراندي، إلى أن "هذا العام شهد انخفاضا حادا في التمويل"، لافتا إلى أن "الحلول الحالية لا تزال بعيدة كل البعد عن تلبية الاحتياجات العالمية". وأكد أنّ "التقدّم الذي تحقق بصعوبة مهدد بشكل خطر"، داعيا إلى "تجديد الإرادة السياسية، وتوفير تمويل مستدام، وتعزيز التعاون المتعدد الأطراف المتماسك".
▪︎ عاصفة فعلية
وندد المفوض السامي للاجئين في الأمم المتحدة فيليبو غراندي، بالاقتطاعات في المساعدات الإنسانية هذا العام، معتبراً أنها "غير مسؤولة". وقال غراندي في مستهل اجتماع متابعة للمنتدى العالمي حول اللاجئين في جنيف: "طبعت العام الفائت سلسلة من الأزمات: إنها عاصفة فعلية"، وفق ما نقلته "وكالة الصحافة الفرنسية". وأشار إلى "الفظائع اللامتناهية التي ترتكب في السودان وأوكرانيا وغزة وبورما "ميانمار"، مندداً كذلك ﺑ "الانهيار المفاجئ وغير المسؤول والذي يفتقر إلى رؤية بعيدة المدى للمساعدة الدولية". وخفّض تمويل مفوضية اللاجئين بنسبة 35 في المئة منذ بداية العام. وتواجه العديد من المنظمات الدولية الأخرى تقليصاً كبيراً للمساعدة الدولية، وخصوصاً منذ عودة الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى البيت الأبيض، علماً بأن الولايات المتحدة كانت أكبر ممول للمساعدة الإنسانية. ولاحظ غراندي أن هذا الوضع "يدمر القطاع الإنساني ويتسبب بقدر كبير ومن دون طائل من المعاناة". وأوضح أن 2025 كان عاماً "تعرّض فيه اللاجئون غالبا لتشويه صورتهم واعتُبروا بمثابة كبش فداء في أماكن عدة". وأضاف غراندي الذي تنتهي ولايته مع نهاية العام بعدما أمضى عشرة أعوام في منصبه: "يستغل المتاجرون بالبشر معاناتهم لتحقيق الربح، ويستغل السياسيون وضعهم لكسب الأصوات في الانتخابات". وأشار أيضاً إلى "سياق عالمي يجاز فيه للكراهية أن تنشر في شكل متزايد الانقسامات العنصرية".

▪︎ دعم الدول المضيفة
وفي رسالة مصورة للأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، قال: "يجب علينا زيادة الدعم للدول المضيفة، ولا سيما الدول ذات الدخل المنخفض والمتوسط التي تستقبل ما يقرب من ثلاثة أرباع لاجئي العالم. فلنواصل العمل معاً للاستثمار في اللاجئين والمجتمعات المضيفة، وللدفاع عن حق اللجوء والحماية، وهو ركن أساسي من أركان القانون الدولي، ودعمه". من جانبه تحدث وكيل وزارة النوع الاجتماعي والعمل والتنمية الاجتماعية الأوغندية، أغري ديفيد كيبينغي، نيابةً عن الدول المشاركة في تنظيم واستضافة المؤتمر، وهي: كولومبيا، واليابان، وفرنسا، وسويسرا، وأوغندا، والمفوضية. وأشار إلى التقدم المشجع في مجالات مثل إدماج اللاجئين في أنظمة الصحة والبيانات الوطنية، والالتحاق بالتعليم العالي، والاتصال الرقمي. لكنه حذر من أن التقدم المحرز في مجالات تشمل الاعتماد على الذات للاجئين، والعودة، وتقاسم المسؤولية، معرض لخطر التراجع بسبب الانخفاض الحاد في المساعدات الإنمائية الخارجية هذا العام. وقال كيبينغي: "ندرك جميعاً العواقب السلبية لأزمة التمويل، لكن بات من الواضح أنها أشد وطأة مما كان متوقعاً في البداية، وفي الوقت نفسه، تواصل الدول المضيفة فتح أبوابها وقلوبها، غالباً دون الموارد أو البنية التحتية اللازمة لذلك".
▪︎ خارطة طريق
من جهته، حثّ المستشار الفيدرالي السويسري إغنازيو كاسيس الدول على الاستفادة من استعراض التقدم لتحليل الإنجازات السابقة ووضع خارطة طريق للمنتدى العالمي القادم للاجئين في عام 2027. وقال كاسيس: "يجب أن ننتقل من الوعود إلى النتائج، ويساعدنا هذا الاستعراض على قياس التقدم المحرز، كما يساعدنا على تكييف سياساتنا وتحديد المجالات التي تتطلب تغييراً وتعديلاً في جهودنا، وذلك بطريقة واقعية، في هذا العالم المضطرب، ومع التراجع الكبير في الموارد المالية اللازمة لمعالجة هذه القضايا، يجب أن نظهر إرادة سياسية قوية للغاية". وكانت إحدى أقوى الرسائل التي تم تداولها في الاجتماعات هي تلك التي قدمتها اللاجئة السورية وعضو المجلس الاستشاري للمفوضية، نور جروج، والتي ألقت البيان العالمي للاجئين. وكانت جروج من بين أكثر من 300 مشارك في الفعالية ممن لديهم تجربة شخصية في النزوح القسري وانعدام الجنسية، وقدمت حجة قوية تدعو إلى مشاركة أكبر للاجئين. وقالت جروج: "اللاجئون ليسوا متفرجين، نحن أشخاص فاعلون وقادة ومنظمون وخبراء في مجالنا، إذا أردنا نتائج أفضل وأكثر فعالية، يجب أن يكون اللاجئون شركاء، لا مجرد إضافة ثانوية". وأضافت: "إن الحق في طلب اللجوء يتعرض لضغوط متزايدة، وتستمر المقاربات القائمة على الردع في الانتشار، هذه الممارسات لا تُخفف من النزوح، بل تزيد من معاناتنا وتُضعف الإطار العالمي الذي وفر الحماية لملايين الأشخاص".
واختتمت جروج حديثها قائلة: "لقد قطع العالم علينا وعوداً كثيرة، ما نحتاجه الآن هو العمل الملموس، واستثمارات مستدامة، وشجاعة سياسية، مستقبل الحماية الدولية رهنٌ بما يختاره العالم الآن: التراجع أم تحمل المسؤولية، الرمزية أم الجوهر، التراجع المُدار أم التجديد الجماعي، من الواجب اختيار العدالة الآن".

▪︎ محاور المحادثات
وركزت المحادثات بين نحو 1800 مشارك مع 200 لاجئ، على خمسة محاور: التمويل المبتكر، والإدماج، وسبل آمنة إلى بلدان ثالثة، وتحويل مخيمات اللاجئين إلى مستوطنات إنسانية، والحلول طويلة الأمد. وتشمل أولويات جلسة استعراض التقدم المحرز في المنتدى العالمي للاجئين في عام 2025 ما يلي :
- توسيع نطاق الدعم المقدم للاجئين والدول التي تستقبلهم.
- المضي قدماً في تنفيذ التعهدات المقطوعة في إطار المنتديات العالمية للاجئين، بما في ذلك من خلال إطار تعهدات أصحاب المصلحة المتعددين.
- توجيه الجهود نحو المجالات التي تحتاج إلى مزيد من الدعم.
- إرشادات لأصحاب المصلحة، بمن فيهم اللاجئون وعديمو الجنسية في وفودهم.
- جلسات إحاطة واجتماعات تمهيدية لاستعراض التقدم المحرز في منتدى اللاجئين العالمي لعام 2025.
وعقدت فعاليات جانبية ركزت على حالات النزوح الكبرى، بما في ذلك تلك المتعلقة بسوريا والسودان وأزمة لاجئي الروهينغيا.
▪︎ احصائيات أممية
ويصادف عقد الاجتماعات، مع اليوم الدولي للمهاجرين، في وقت يشهد فيه العالم أعلى معدلات للهجرة في التاريخ الحديث، لأسباب مختلفة منها النزوح القسري على نطاق عالمي، فضلاً عن التفاوتات الاقتصادية والصراعات وأزمة المناخ.
ووفقاً لبيانات جمعتها وكالة "الأناضول" التركية مستندة إلى "تقرير الهجرة العالمي 2024" الصادر عن المنظمة الدولية للهجرة التابعة للأمم المتحدة، وتقرير "آفاق الهجرة الدولية 2025" الصادر عن منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية “OECD”، فإن أعداد المهاجرين الدوليين سجلت مستويات تاريخية.

وبحسب تقرير المنظمة الدولية للهجرة لعام 2024، فإن نحو 281 مليون شخص حول العالم، أي ما يعادل 3.6 بالمئة من سكان العالم، كانوا يعيشون خارج بلدانهم الأصلية حتى عام 2020. ووفقاً للمنظمة بلغ عدد الإناث من المهاجرات 135 مليون والذكور 146 مليون، بينهم 28 مليون طفل، وهو ما يعادل حوالي 1.4 بالمئة من إجمالي عدد الأطفال في العالم. وتكشف بيانات المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين أن هناك 117.3 مليون نازح قسري في أنحاء العالم حتى حزيران يونيو 2025، اضطرهم الاضطهاد أو الصراع أو العنف أو انتهاكات حقوق الإنسان أو الأحداث التي تخل بالنظام العام بشكل خطير إلى النزوح، بينهم 67.8 مليون نازح داخلي، و42.5 مليون لاجئ و8.42 مليون طالب لجوء يبحثون عن حماية دولية.
وبالتزامن مع ذلك، تم تقديم 3 ملايين طلب لجوء جديد في دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية عام 2024، وسُجل هذا كأعلى رقم في تاريخ المنظمة، حيث قُدم أكثر من نصف الطلبات في الولايات المتحدة، كما شوهدت زيادة في كندا والمملكة المتحدة. وبرزت فنزويلا وكولومبيا وسوريا وأفغانستان والهند كأبرز الدول التي أتت منها الطلبات.








