
مؤتمر RUSI - 2025 .... بريطانيا تعلن عن ولادة حقبة عسكرية جديدة في مواجهة التهديدات المستقبلية

مراصد
31/12/2025، 11:23:15 ص
كشفت أعمال مؤتمر التكنولوجيا العسكرية للمعهد الملكي للخدمات الموحدة (RUSI) في بريطانيا النقاب عن تحول استراتيجي عميق للدولة الأوروبية الأكثر نفوذاً عسكرياً. في ظل صعود التهديد الروسي المباشر وتآكل الأمن القائم على الردع التقليدي، حيث تقدم بريطانيا نموذجاً للرد قد تحذو حذوه باقي دول أوروبا وحلف الناتو.
يُعتبر المعهد الملكي للخدمات الموحدة (RUSI)، المتخصص في الأبحاث الدفاعية، معهداً مستقلاً تحت رعاية ملكية مقره لندن، وهو من أقدم مراكز الفكر العسكري في العالم ، يتمتع بالوصول لصانعي القرار، يُعرف بتحليلاته المتوازنة للسياسات الدفاعية والأمنية. فقد سلط المؤتمر الضوء على الفجوة الخطيرة بين التخطيط العسكري الغربي والواقع الجيوسياسي المتعدد الأقطاب، فالتجاهل للدروس الحيوية من مسارح عمليات الشرق الأوسط، رغم تكرارها ونمطيتها في مواجهة خصوم هجينين، يكشف عن تحيز استراتيجي قد يكون مكلفاً. عُقد المؤتمر تحت عنوان "تسونامي التقنيات الجديدة يعيد تشكيل ساحة المعركة" في تشرين الثاني 2025، ربما يمكن من خلال العنوان تصور هجوم بقوة فيضان وإعصار تسونامي كما في اليابان ومناطق المحيط الهندي، ولكن التقارير والطائرات المسيرة بالذكاء الاصطناعي تحتاج إلى ساحة قتال!! ناقش المؤتمر من خلال مشاركة كبار القادة، عسكر ومهندسين، سياسين واداريين، هذا السيناريو بوجهات نظر مختلفة، لم يكن الحدث مجرد عرض تقني، بل كان إعلاناً صارخاً عن نهاية عصر وبداية آخر: نهاية عصر هيمنة الدبابة والطائرة المأهولة، وبداية عصر السرب الآلي والخوارزمية القاتلة.
▪︎ أهداف بريطانيا الطموحة
تؤكد أوراق المؤتمر التي عرضها مركز بيغن-السادات، الذي تابع بإهتمام أعمال المؤتمر، تحويل 80% من القوة القتالية إلى أنظمة غير مأهولة بحلول 2035. خلف هذا الرقم، ثمة سباق محموم ضد الزمن وضد خصوم أذكياء، شهد المحور الرئيسي لأعمال المؤتمر تحولا في خطاب القيادة العسكرية من الحديث عن "منصات" إلى الحديث عن "شبكات"، ومن "العتاد الصلب" إلى "الخوارزميات الناعمة"، لم يعد الذكاء الاصطناعي أداة دعم، بل أُعلن كـ "مضاعف مركزي للقوة" وقلب منظومة القيادة والسيطرة المستقبلية. الهدف الطموح (20% مأهول، 80% غير مأهول) ليس مجرد تغيير كمي، بل هو ثورة في الثقافة التنظيمية وهندسة القتال والتدريب. فيما يجب قلب المعادلة عبر "التصميم المعكوس"، بدءاً من استراتيجية الخصم الروسي (العبور الاستباقي، التحايل تحت الجليد)، ثم تحديد المتطلبات الوظيفية (تتبع بعيد المدى، ردع بالعقاب)، وأخيراً تصميم التقنية المناسبة (سفن ذاتية طويلة المدى، منصات صواريخ). التقنية هنا تخدم الاستراتيجية، لا العكس.

▪︎ دروس الحرب الأوكرانية
كان السلاح الذكي الارخص في الحرب الأوكرانية يمثل المحور الثاني في المؤتمر، قدمت ثلاث مفارقات للاجابة على تساؤلات مهمة في دروس الحرب الأوكرانية، انتصار السلاح "الرخيص الذكي" (مثل طائرات FPV) على المنظومات الباهظة، فعالية دمج المعلومات السريع في خلق تفوق تكتيكي، والأهم: ظهور روسيا كمنافس تكنولوجي سريع التكيف رغم تخلفه النظري، دفعت هذه الدروس نحو تبني أنظمة موزعة، مرنة، وقابلة للتضحية بدلاً من المراكز التقليدية الثمينة. أعطت أوكرانيا درساً في التكيف السريع الميداني من خلال تطوير مفهوم "البنية التحتية البحرية المعيارية والبرمجية". أن تُصمم السفن الذاتية (USVs) والأجهزة الاستشعارية لتكون منصات عامة قابلة لإعادة التهيئة بسرعة وفقاً للتهديد المتغير، عبر تحميل حزم برمجية وتشكيل أسراب جديدة، دون الحاجة إلى إعادة تصميم مادي.
▪︎ البرامج البريطانية
كشف المؤتمر في المحور الثالث عن حزمة برامج طموحة تدعم الرؤية، أبرزها "شبكة الاستهداف الرقمية" بهدف خفض دورة الضربة إلى دقائق. تظهر هذه البرامج انتقالاً من مرحلة التخطيط البطيء إلى التنفيذ الأسرع، لكن إعلان البرامج لا يضمن نجاحها، فالتحدي الأكبر هو التكامل التشغيلي بين هذه الأنظمة المختلفة لتعمل ككائن موحد وليس كمجموعة أدوات منفصلة. وحصلت "مراصد" على نص دراسة بعنوان "حصن الأطلسي" من موقع المعهد، يمكن إيجازها بأن هذا الحصن الافتراضي ليس مجرد برنامج تقني، بل الاختبار المصيري للرؤية الاستراتيجية البريطانية. يُصوَّر كشبكة ذكية من الأنظمة غير المأهولة في بحر النرويج تهدف إلى منع اختراق الغواصات الروسية للمحيط الأطلسي. لكن التحليل يكشف عن ثلاث ثغرات استراتيجية قاتلة :
أولاً: فخ الجغرافيا: تصميمه كـ "جدار" ثابت في بحر النرويج يتجاهل أن البحرية الروسية ستتحايل عليه لا أن تخترقه، عبر العبور الاستباقي في زمن السلم أو استخدام الممرات تحت الجليد.
ثانياً: وهم المراقبة: يركز على "الردع بالحرمان" (Deterrence by Denial) عبر الكشف، متناسياً أن الردع الفعال يتطلب "الردع بالعقاب" (Deterrence by Punishment). رؤية العدو دون قدرة على عقابه لا تردعه.
ثالثاً: مفارقة التكلفة: السفن غير المأهولة (USVs) المطلوبة للتتبع الفعال لن تكون "رخيصة"؛ فمتطلبات القدرة على الصمود في المحيط والتتبع لمسافات طويلة ترفع التكلفة وتقلل الأعداد، مما يفشل وهم "الكتلة الرخيصة".

الدرس الجوهري المنشود هو كيف يهزم التفوق التقني بسهولة بفكر استراتيجي أعلى. التكنولوجيا وحدها، دون فهم عميق لنوايا العدو وتكتيكاته، تنتج أنظمة باهظة الثمن يمكن تحييدها بخطة ذكية. نجاح التحول الرقمي يتطلب أولاً وأخيراً تفوقاً في التفكير الاستراتيجي، وليس فقط في المعمل. وعلى الرغم من برامج طموحة مثل "شبكة الاستهداف الرقمية" التي طُرحت في أعمال المؤتمر، إلا أن حصن الأطلسي يقدم تحذيراً عملياً صارخاً: إطلاق البرامج لا يضمن نجاحها إذا كانت تعاني من عيوب تصميم استراتيجي أصيلة. فهذا الحصن، النموذج البحري الأكثر تطوراً لهذه البرامج، يعاني من تصميم ساكن لعدو ديناميكي، ركز على منطقة جغرافية واحدة (بحر النرويج)، بينما الحل يتطلب نظاماً ممتداً شرقاً إلى بحر بارنتس (لمراقبة المنافذ) وغرباً إلى المحيط الأطلسي (لمطاردة المتسللين). من خلال تحليل هذا النص كدراسة حالة، فإن مفهوم "الحصن" الثابت يمكن أن يتحول إلى مفهوم "الشبكة الديناميكية ذات المهام المتعددة". فلا تكون السفن الذاتية (USVs) مجرد عيون، بل منصات قابلة لإعادة التهيئة، يمكنها في يوم العمل كأجهزة استشعار، وفي يوم آخر، عبر تحديث برمجي وتحميل معدات، التحول إلى منصات إنذار مبكر أو حتى حاملات ذخائر ذكية. هذا يحقق المرونة الاستراتيجية التي يفتقدها التصميم الحالي، ويجعل النظام أكثر مرونة وأصعب في التحايل عليه. التكامل والمرونة هما الدرس الأهم للحصن ولكل البرامج البريطانية.
▪︎ وادي الموت
اعترف المؤتمر صراحة بالعقبة الأكبر التي وصفت بعنوان لافت "وادي الموت"، تلك الفجوة القاتلة بين الابتكار في المختبر والنشر في الميدان، بسبب البيروقراطية وإجراءات التوريد البطيئة والهيمنة الصناعية. هذا النظام يقتل الأفكار الواعدة ويحافظ على احتكارات تقنية قديمة. مثال على ذلك، مشروع بحجم الحصن الأطلسي، متعدد التقنيات والشركات، هو وجبة دسمة لوادي الموت. تعقيد المنافسة والتوريد والتكامل قد يؤخر المشروع سنوات ويرهنه بتكاليف باهظة. لذا يمكن تبني نموذج "التحدي العملياتي المفتوح"، بدلاً من إصدار "مواصفات فنية" مفصلة لبناء سفينة ذاتية، تُطلق البحرية "تحدياً": "من يستطيع تقديم نظام يتابع غواصة هائمة لـ 1000 ميل في ظروف بحرية صعبة بميزانية X؟". تتنافس شركات كبيرة وناشئة وحتى فرق أكاديمية، والفائز يحصل على عقد تطوير سريع. هذا يحول التوريد من عملية بيروقراطية إلى سوق تنافسية حقيقية.
▪︎ تجاهل الشرق الأوسط
على الرغم مما طُرح في المحور الخامس عن الحرب مع المليشيات في منطقة الشرق الأوسط، سجل التقرير غياباً لافتاً لتحليل ساحات القتال في الشرق الأوسط. هذا التجاهل ليس سهواً، بل هو فجوة معرفية واستراتيجية خطيرة، لأن هذه الساحات تقدم نماذج حرب مختلفة (دولة ضد منظمة، حرب صواريخ مكثفة، حرب استنزاف) لا تُختبر في سيناريوهات أوروبا التقليدية. تجاهل هذه الدروس قد يغفل القادة عن تهديدات بحرية مثل حصن الأطلسي المصمم ضد غواصات تقليدية، لكن ماذا عن أسراب الزوارق المسيرة السريعة والرخيصة التي قد تستخدمها ميليشيا مدعومة؟ وهي تهديد شائع في الشرق الأوسط. مثل هذه التهديدات تتطلب تمارين وتحليلات مشتركة، تتضمن كل مناورات وتمارين الحلفاء المستقبلية في سيناريو "شرق أوسطي" إلزامي، يُختبر فيه أداء الأنظمة المتطورة (مثل أنظمة الحصن الأطلسي) ضد تكتيكات هجينة غير تقليدية (هجمات زوارق مسيرة جماعية، حرب إلكترونية شعبوية). هذا يكسر الجمود الفكري ويوسع الخيال التكتيكي.

▪︎ الأبعاد القانونية والأخلاقية
ناقشت جلسة خاصة المحور السادس المساءلة القانونية والأخلاقية (التي تتطلب سيطرة بشرية)، لأن التحدي الأساس هو تصميم أنظمة مستقلة يمكنها العمل في بيئة سريعة مع بقائها تحت "السيطرة البشرية ذات المعنى". مثال على ذلك، تصميم الحصن يصل إلى هذا السؤال الحاسم: إذا اكتشفت سفينة ذاتية غواصة معادية تتجه نحو مجموعة حاملة طائرات، إلى أي مدى يمكنها المناورة أو حتى الاشتباك دون أمر بشري صريح وفوري؟
لذلك، يُنصح بتطوير نموذج "التفويض الظرفي المُرمَّز" (Coded Situational Delegation)، فلا يكون التفويض مطلقاً ("افعل ما تراه مناسباً")، بل يتم ترميزه بناءً على ظروف محددة مسبقاً: الشرط الأخضر: اشتباك تلقائي مسموح به ضد أهداف محددة بوضوح في منطقة محددة، الشرط الأصفر: يتطلب تأكيداً بشرياً سريعاً (دقائق)، الشرط الأحمر: يتطلب أمراً بشرياً صريحاً. يتم تغيير هذه الشروط آلياً بناءً على السياق (هل نحن في سلم، أم تصعيد، أم حرب معلنة؟). هذا يحقق توازناً عملياً بين السرعة والمساءلة.
▪︎ ولادة حقبة جديدة
كان مؤتمر RUSI 2025 أكثر من مجرد حدث تقني، ربما كان إعلاناً عن ولادة حقبة عسكرية جديدة، الصورة التي رسمها كانت جريئة: "تسونامي تكنولوجي" من الروبوتات والذكاء الاصطناعي يجتاح ساحات القتال، مع هدف بريطاني طموح بتحويل 80% من قواتها إلى أنظمة غير مأهولة بحلول 2035. وراء هذه الصورة المبهرة، برزت توترات عميقة، بين سرعة الابتكار التقني وبطء المؤسسة البيروقراطية، وبين التركيز الأوروبي على التهديد الروسي التقليدي وتجاهل الدروس من الحروب الهجينة في الشرق الأوسط، وبين حماسة المهندسين للحلول التقنية وحذر القادة من التبعات التشغيلية. المؤتمر، باختصار، مرآة عاكسة لأزمة الغرب العسكرية، الطموح للتجدد في مواجهة تهديد وجودي، والخوف من أن يقوده هذا الطموح إلى بناء جيوش فائقة التقنية لكنها غير مستعدة للحروب الحقيقية التي قد تخوضها.









