
القوة الإستباقية... معايير الردع النووي الجديد في الشرق الأوسط

مراصد
31/12/2025، 11:23:37 ص
تعد الضربات الإسرائيلية ضد المنشآت النووية في الشرق الأوسط نموذجا مهما لتحليل العقيدة الاستراتيجية الوقائية الإسرائيلية، التي صاغت سياساتها الأمنية على مدى أربعة عقود مضت لمنع الدول التي تصنفها "معادية" من امتلاك قدرات نووية. ضمن اهتمامات مراكز الدراسات الإسرائيلية نشر مركز بيغين - السادات دراسة في تشرين الثاني 2025 تناقش مقارنة تحليلية لتطبيقات ما عرف بمبدأ بيغن الذي بلورته ضربة العراق 1981، مؤكدة لإسرائيل الحق في عدم السماح لأي دولة "معادية" في الإقليم بامتلاك أسلحة دمار شامل، معتبرة ذلك تهديدا وجوديا يتطلب استخدام القوة الاستباقية.
بقي هذا المبدأ ثابتا على مدى أربعة عقود، بينما تطورت أدواته وسيناريوهات تطبيقه ووسائل تحقيقه بشكل جذري وفق طبيعة كل تهديد. من هنا ينبغي تحليل الدراسة التي أعدها داني شوهام، محلل استخباراتي سابق في شعبة الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية ووزارة الدفاع والمتخصص في برامج التسلح غير التقليدي، والتي تكشف عن تطور العقيدة الإسرائيلية من مرحلة المبادرة العسكرية البسيطة إلى الحملات الوقائية متعددة الأبعاد.
▪︎ دراسة مقارنة
تمثل الضربات الإسرائيلية على المنشآت النووية في العراق 1981 وسوريا 2007 وإيران 2025 ثلاث هجمات معاصرة في تاريخ الاستخدام الوقائي للقوة. رغم اشتراكها في الإطار العقائدي الثابت لمبدأ "بيغن" تكشف المقارنة بينها عن مسار تطوري واضح في طبيعة التهديد وحسابات القرار والوسائل التنفيذية والنتائج الاستراتيجية وفق التحليل التالي :
- أولا: طبيعة التهديد... لكل عملية سياق حدد درجة المخاطرة والفرصة. مثلا تحول نموذج العراق 1981 في التهديد المنفرد المعزول حيث واجهت إسرائيل نظاما معاديا يفتقر إلى حلفاء إقليميين أقوياء في تلك المرحلة وكان غارقا في حربه مع إيران. كان المفاعل الفرنسي أوسيراك منشأة علنية ومعزولة جغرافيا، وكان السياق يتيح ضربة استباقية مع إدارة مخاطر سياسية محدودة نسبيا رغم الإدانة الدولية المتوقعة. أما ما تصفه الدراسة بالتهديد السري لمفاعل سوريا 2007 فقد انتقل التهديد إلى السرية والتعقيد، بُني المفاعل السوري بتصميم كوري شمالي في موقع ناء يعكس تحالفا غريبا دمشق - بيونغ يانغ. كان النظام السوري آنذاك جزءا من محور الممانعة مع إيران وحزب الله، لكنه كان في وضع دفاعي بعد حرب لبنان 2006، اعتمد نجاح العملية بالدرجة الأولى على المفاجأة الاستخباراتية المطلقة وتفكك أي رد عسكري منظم. في نموذج إيران 2025 الذي تصفه الدراسة بالتهديد الاستراتيجي المتجذر مثلت إيران تحديا وجوديا من نوع مختلف. قوة إقليمية كبرى ذات عمق استراتيجي وقدرات صاروخية وبحرية هائلة وشبكة واسعة من الوكلاء لمحور المقاومة، وبرنامجها النووي متقدم ومحمي تحت غطاء مدني جزئي. لم تكن الضربة مجرد عملية عسكرية، بل مجازفة استراتيجية كبرى في قلب معادلة الردع الإقليمي مع علم إسرائيل المسبق بأن رد الفعل الإيراني سيكون حتميا وشاملا.

- ثانيا: الدوافع وحسابات التوقيت... تطورت الدوافع من رد فعل على خطر محدق إلى قرار استباقي يعالج تهديدا متراكما، تؤكد الدراسة أن النافذة التقنية كانت ضيقة في العراق وسوريا. في كلتا الحالتين كان الدافع المباشر يرتبط بمرحلة تقنية حرجة قابلة للتحديد مع اقتراب وصول شحنة الوقود النووي للمفاعل العراقي واقتراب اكتمال بناء المفاعل السوري. كان التهديد حسب وصف الدراسة كامنا ولكن محسوم في إطاره الزمني التقني، وعد نجاح الضربة كان يقاس بقدرتها على تدمير المنشأة قبل هذه النقطة الحرجة. اختفت النافذة التقنية الواضحة مع إيران، فبرنامج التخصيب كان عملياتيا ومستمرا ومخزون اليورانيوم عالي التخصيب متراكما. لم يكن الخطر اقتراب تشغيل مفاعل واحد، بل الاقتراب من عتبة القدرة على صنع سلاح عبر قرار سياسي في طهران. هذا جعل عنصر التوقيت أكثر تعقيدا، فقد تم تحديده بمزيج من توقف المسار الدبلوماسي وانتهاء مهلة ترامب وتقديرات استخباراتية عن تقدم البرنامج وحساب استراتيجي لفرضية أن التأخير سيجعل الضربة المستقبلية مستحيلة. تحول الدافع من منع حدث تقني إلى تحطيم قدرة استراتيجية متراكمة.
- ثالثا: الوسائل والأدوات... تشير الدراسة إلى توظيف وسائل طبقت نموذج العملية الجراحية إلى الحملة الهجينة، مما يعكس تطور الوسائل العسكرية وتكيف إسرائيل مع تعقيدات الدفاعات والخيارات المتاحة. في العراق 1981 كانت ضربة جوية تقليدية وبطولية بمعايير ذلك العصر، اعتمدت على مهارة الطيارين والتخطيط الدقيق لمسار طويل واستخدام طائرات F-16 محملة ثقلا مع غطاء من طائرات F-15. كانت عملية منفردة بسلاح واحد ضد هدف واحد. التفوق المعلوماتي والتكنولوجي في حالة سوريا 2007 بعد أدخلت إسرائيل عنصرا حاسما في الحرب الإلكترونية المتقدمة. لم تعد المفاجأة تعتمد على التخفي الجغرافي فقط، بل على شل شبكة الدفاع الجوي السوري إلكترونيا قبل وصول الطائرات. كانت العملية مزيجا من القوة النارية والقنابل شديدة الانفجار والسيطرة على المجال الإلكتروني مما أزال أي فرصة للاعتراض.
تحلل الدراسة ما تصفه بالحرب متعددة المجالات في قصف المفاعلات النووية الإيرانية 2025، حيث مثلت الضربة نقلة نوعية إلى نموذج هجين ومعقد. لم تكن غارة جوية فحسب، بل حملة متزامنة شملت ضربات جوية دقيقة يحتمل بطائرات F-35 الشبح وهجمات صاروخية بعيدة المدى وعمليات تخريب واستهداف داخلي مادي لمنشآت عبر عملاء أو ذخائر مزروعة مسبقا وهجمات سيبرانية لشل أنظمة المراقبة والدفاع وعمليات اغتيال خارجية ممنهجة لعناصر علمية وعسكرية ضمن عملية نارنيا.
- رابعا: النتائج والتداعيات... تختلف النتائج بشكل جوهري مما يعكس اختلاف طبيعة الخصم ما بين النجاح الحاسم والإعاقة غير المحسومة. في نموذجي العراق وسوريا تم القضاء التام على البرنامج بعد أن دمرت المنشأة المستهدفة تدميرا كاملا وتم إجهاض البرنامج النووي العسكري لدولتين، ولم يعد أي منهما إلى هذا المسار. الثمن السياسي لضربة العراق كان عاليا بينما كان لضربة سوريا ضئيلا بسبب السرية. وتحدد الدراسة أن ما حصل في إيران 2025 لم يتجاوز الإعاقة والتأخير في مواجهة الرد المتبادل، لأن النتيجة جزئية وغير حاسمة. تشير كافة التقديرات إلى أن الضربة سببت أضرارا جسيمة وأعاقت التقدم لسنوات لكنها لم تقض على القدرة النووية الإيرانية. الأهم من ذلك أدخلت المعادلة عنصرا جديدا تماما في الردع المتبادل، فإيران لم تكتف بالشجب، بل ردت بهجوم صاروخي مباشر وغير مسبوق على عمق إسرائيل، مما فرض ثمنا عسكريا وسياسيا باهظا على العملية. النتيجة الاستراتيجية كانت تجميدا مؤقتا وليس حلا مع فتح باب سباق تسلح وتصعيد جديد.

▪︎ تحليل متعدد الأطراف
في ضوء معطيات الدراسة يمكن تحليلها في طيف متعدد من أصحاب المصالح وفق المنظور التالي:
أولا: تفترض الدراسة أن الشرق الأوسط يعيش حالة استثنائية تبرر الخروج عن القواعد التقليدية للأمن الجماعي والقانون الدولي. لكن توسيع التحليل يظهر أن الضربة على إيران لم تكن مجرد رد على تهديد نووي، بل جاءت في سياق بيئة استراتيجية متغيرة تتسم بثلاث سمات رئيسية: تراجع الردع الأمريكي المباشر، تصاعد أدوار الفاعلين غير الدوليين، وتآكل منظومة عدم الانتشار النووي. تشير تقارير صادرة عن الوكالة الدولية للطاقة الذرية ومراكز أبحاث غربية إلى أن فشل الاتفاق النووي الإيراني لم يكن تقنيا فقط بل بنيويا، إذ لم يعالج مسألة انعدام الثقة الاستراتيجية بين إيران وخصومها، في هذا السياق تبدو الضربة الإسرائيلية جزءا من عملية إعادة ضبط قسرية للبيئة الأمنية تهدف إلى إعادة تعريف ما هو مسموح وما هو محظور في المنطقة.
ثانيا: تروج الدراسة لمضمون واضح، لم تعد إسرائيل تكتفي بالدفاع عن وجودها، بل تمارس دورا شبه تنظيمي للأمن الإقليمي عبر القوة. ربط الضربة على إيران بضربتي العراق وسوريا يحول إسرائيل إلى جهة تحدد الخطوط الحمراء النووية بالنيابة عن النظام الدولي العاجز. لذلك التحالف الانتقائي في الضربة على إيران مع المشاركة الأمريكية المباشرة 2025 دليل قوي على هذا الدور شبه التنظيمي. هنا لا تتصرف إسرائيل كطرف منشق بل كذراع تنفيذي لتحالف غربي بقيادة أمريكا يرى في المنظورات الدولية الرسمية قيودا لا تحقق أمنه، وهذا يحولها من دولة خارقة للقانون في حالتي العراق وسوريا إلى شريك إنفاذ في الحالة الإيرانية مما يمنح دورها غطاء أقوى. وما بين الشرطي والحارس الأناني مارست إسرائيل وفق معطيات الدراسة الدور شبه التنظيمي لملء الفراغ الناتج عن انقسام مجلس الأمن بين الغرب وروسيا - الصين وعجز الوكالة الدولية عن إثبات الانحراف العسكري بصورة قاطعة، في الواقع تفرض نظاما نوويا إقليميا قائما على احتكارها للسلاح النووي الفعلي ومنع الآخرين من الاقتراب منه. كل ذلك يكشف أن هذا الدور يحمل مخاطر استراتيجية بعيدة المدى أبرزها إضعاف شرعية النظام الدولي وتحفيز دول أخرى على تبني منطق القوة الوقائية وفتح الباب أمام سباقات تسلح كامنة، فالسعودية وتركيا ومصر على سبيل المثال قد لا تسعيان إلى امتلاك سلاح نووي لكنهما قد تعملان على بناء قدرات نووية كامنة كرد فعل على تطبيع الضربات الوقائية.
ثالثا: تقدم إسرائيل عملياتها ليس كاعتداءات خارج قواعد القانون الدولي بل كتطبيق لعقيدة وقائية تجيز من وجهة نظرها فقط تدمير ما تراه قدرات نووية غير شرعية. لذلك يمكن ملاحظة كثرة استخدام مفردات مثل إزالة وتعطيل ومنع توحي بعملية إنفاذية. ضمن ذات الإطار كررت الدراسة الإشارة إلى أن الضربات تتم في نافذة زمنية قبل اكتمال البرامج، وهي لحظة يكون فيها الرد الدولي غالبا أضعف أو غير حاسم. الضربة على إيران بعد انتهاء المهلة الدبلوماسية الأمريكية يظهر هذا المنطق، إذ أن فشل النظام الدبلوماسي الدولي في الحل يبرر من المنظور الإسرائيلي اللجوء إلى الحل العسكري الأحادي أو الثنائي مع واشنطن.

▪︎ التحديات المستقبلية
في ضوء مدخلات التحليل تواجه العقيدة الإسرائيلية الوقائية مأزقا وجوديا: كيف تواصل منع الخصم من التسلح النووي عندما أصبح هذا الخصم نفسه قادرا على فرض ثمن باهظ عبر الردع المتبادل، وعندما أصبحت أدوات المنع الأكثر فعالية مثل الاغتيالات المستهدفة مثيرة للجدل أخلاقيا وقانونيا؟ ربما تدفع هذه المعضلة إسرائيل نحو أحد مسارين مستقبليين: التصعيد من خلال تعميق النهج الهجين والاستباقي بشكل مزمن مع قبول خطر التصعيد الدوري، أو الانتقال التدريجي من استراتيجية المنع المطلق إلى استراتيجية الإدارة والردع مع التركيز على تحصين التفوق النووي الذاتي وتعزيز التحالفات الإقليمية لاحتواء التهديد. كل ذلك يحدد السيناريوهات المتوقعة في هذا الصراع النووي والتي تشمل :
- أولا: إدارة الصراع النووي منخفض الوتيرة... في استمرار إسرائيل تنفيذ عمليات دورية سيبرانية واستخباراتية ومحدودة عسكريا لتعطيل البرنامج الإيراني دون السعي إلى حسم نهائي. هذا السيناريو يحافظ على التوتر دون انفجار شامل لكنه يطيل أمد عدم الاستقرار.
- ثانيا: الانزلاق إلى تصعيد إقليمي واسع... قد تؤدي ضربة مستقبلية أو خطأ تقدير إلى تصعيد يشمل وكلاء إيران في المنطقة، ما يهدد الأمن الإقليمي وطرق الطاقة العالمية.
- ثالثا: إعادة إحياء مسار تفاوضي جديد... السيناريو الأضعف في حال تغيّرت الحسابات السياسية في واشنطن وطهران مع بقاء العامل الإسرائيلي كقوة ضغط عسكرية دائمة.








