
بتمويل بريطاني ودعم أممي... تقرير دولي يرسم خارطة طريق لمعالجة أزمة الطاقة في العراق

مراصد
30/12/2025، 12:58:35 م
أعد المركز الإقليمي للطاقة المتجددة وكفاءة الطاقة (RCREEE)، منظمة حكومية دولية تضم 17 دولة عربية، تقرير "تحول الطاقة: من السياسات إلى الإجراءات في العراق 2025" بتكليف من برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP)، ضمن مشروع "تنفيذ دعم المساهمات الوطنية المحددة (NDC) لتسهيل تحول الطاقة في العراق"
والممول من حكومة المملكة المتحدة. يأتي التقرير في وقت حرج يواجه فيه قطاع الطاقة العراقي تحديات هيكلية، حيث يعاني السكان من انقطاع متكرر للتيار الكهربائي يصل إلى ست ساعات يومياً في المدن الكبرى، وما بين ثماني وتسع ساعات في المحافظات الأخرى. ويقدم التقرير إطاراً تحليلياً شاملاً لتحول الطاقة، ليس كخيار بيئي فحسب، بل كضرورة اقتصادية وأمنية، من خلال تحقيق أمن إمدادات الطاقة، وتقليل الأثر البيئي، وتعزيز التنمية المستدامة في العراق. يوفر التقرير إجراءات وتدابير رئيسية للتنفيذ الفعّال للسياسات المحددة لانتقال الطاقة، مع تحليل كمي ونوعي مدعوم بنماذج مالية وتقنية، ويربط بين السياسات والإصلاحات من جهة، وبين التكيف في القوى العاملة، والاستثمار في رأس المال البشري، وتحسين حركة العمالة، وتعزيز القطاع الخاص لخلق فرص عمل أكثر وأفضل من جهة أخرى.
▪︎ واقع الإمداد والكفاءة
يواجه قطاع الطاقة في العراق أزمة هيكلية متعددة الأبعاد، تشمل نقص الإمداد،حيث لا يزال النظام غير قادر على تلبية الطلب المحلي، مع انقطاعات متكررة تصل إلى ست ساعات يومياً في المدن الكبرى، وما بين ثماني وتسع ساعات في المحافظات الأخرى، وتزداد سوءاً خلال فصل الصيف. كذلك ضعف كفاءة التوليد، فنحو 60% من مزيج التوليد الحراري يعتمد على توربينات غازية ذات دورة بسيطة، ما يؤدي إلى استهلاك زائد للغاز الطبيعي وزيادة الانبعاثات الكربونية، وهذا بدوره يؤثر سلبيا على الكفاءة التشغيلية للمحطات، يعاني النظام من متوسط عامل سعة 38%، مع انقطاعات غير مخططة تصل إلى 1.7 جيجاوات. في المقابل، تصل وحدات OCGT التي يديرها القطاع الخاص إلى 52.3%، بينما المحطات الحكومية 37.1%، ونتيجة ذلك خسائر الشبكة، تقدر بنحو 42% تشمل الخسائر الفنية والتجارية، وتحسينها يوفر الوقود ويزيد قدرة المحطات على تأمين الإمداد، فضلا عن نقص المرونة وتنوع المصادر، مثلا الطاقة المتجددة تمثل نحو 5% من القدرة المركبة، تتركز على الطاقة المائية بشكل رئيسي، مع غياب مساهمة واضحة للطاقة الشمسية وطاقة الرياح.

▪︎ من التوليد إلى السوق
يشكل تحول قطاع الطاقة في العراق ضرورة استراتيجية تتطلب تبني حزمة سياسات متكاملة ومتدرجة، تبدأ من إصلاح منظومة التوليد الحالية وتمتد إلى تحرير السوق وتعزيز مشاركة القطاع الخاص، يرسم التقرير خارطة طريق واضحة لهذا التحول، مبنية على تحليل كمي ونوعي للمشاكل القائمة والفرص المتاحة من خلال الاتي :
أولاً: تعزيز كفاءة التوليد... تركز السياسات المقترحة على تحسين الكفاءة الحرارية للنظام الحالي كإجراء سريع المفعول، حيث يوصي التقرير تحويل محطات التوليد التي تعمل بنظام الدورة المفتوحة للتوربينات الغازية (Open Cycle Gas Turbine) إلى نظام الدورة المركبة للتوربينات الغازية (Combined Cycle Gas Turbine)، يقترح التقرير تحويل 2.85 جيجاوات من محطات OCGT الحالية إلى CCGT بحلول 2040، كأحد الإجراءات الأساسية لتحسين كفاءة النظام دون الحاجة لبناء محطات جديدة كلياً، ويعد هذا التحويل أرخص من بناء محطات جديدة، ويحسن الأداء البيئي، ويوفر وقوداً، وهو نموذج مثالي لتحسين النظام القائم قبل التوسع في استثمارات جديدة.
ثانياً: تطوير الطاقة المتجددة... يدعو التقرير إلى تنمية متوازنة لمصادر الطاقة المتجددة، مع التركيز بشكل خاص على طاقة الرياح كشريك تكاملي مع الطاقة الشمسية. ويحدد إمكانات رياح كبيرة، حيث "تساهم المناطق المحددة، والمتميزة لكل موقع، إلى جانب قدرة توربينات الرياح المختارة، في حدوث اختلافات في القدرات المركبة المحتملة التي يمكن أن تصل مجتمعة إلى 24 جيجاوات"، ويؤكد على أهمية التهجين بين المصادر المتجددة لضمان استقرار الشبكة، موضحاً أن "التهجين بين الطاقة الشمسية وطاقة الرياح سيمكن من إضافة قدرة إضافية إلى توليد الطاقة المتجددة، مع تقليل التقلب في العرض، بحيث يتم تخفيف الارتفاع المفاجئ في 'الحمل الصافي' للتوليد التقليدي بشكل كبير وسيكون الاحتياطي المطلوب أقل حيث يكون احتمال انقطاع جانبي الإمداد (الإنتاج) لتقنيات مختلفة في وقت واحد أقل احتمالاً بكثير"
ثالثاً: الإصلاح المؤسسي والتنظيمي... يؤكد التقرير على الحاجة الملحة لتحديث الإطار التشريعي، حيث "يركز القانون الحالي (رقم 53 لعام 2017) على دور وزارة الكهرباء ولا يتضمن أي مواد تتعلق بإنشاء هيئة تنظيم الكهرباء ومشغل نظام النقل وتحرير السوق وفصل تحديد التعرفة عن الدعم والعديد من المواضيع الأخرى والتي تعد ضرورية لتحديث قطاع الكهرباء وتحسين كفاءته"، كما يوصي بإنشاء هيئة تنظيمية مستقلة للغاز لمعالجة مشكلة الحرق، مشيراً إلى أنه "ينبغي أن يتحمل الكيان التنظيمي الجديد المسؤولية التنظيمية الكاملة عن حرق الغاز، أي المراقبة والتقييم والتحقق والإنفاذ" .
رابعاً: تحرير سوق الكهرباء... يدعو التقرير إلى تحول تدريجي نحو سوق كهرباء تنافسي، محذراً من أن "استخدام نظام المنتج المستقل IPP ليس تحريراً للسوق. إنها في الأساس منافسة لدخول السوق، لكنها ليست منافسة في السوق" ، ويحدد متطلبات هذا التحول بالقول إن "التحرك نحو سوق كهرباء تنافسي يتطلب بناء مؤسسات السوق اللازمة وهو أمر مهم. ويشمل ذلك هيئة تنظيم الكهرباء، ومشغل النظام، ومشغل السوق، وإعادة هيكلة مقدمي الخدمات العامة. بالإضافة إلى ذلك، يجب أن تكون العديد من وثائق السوق متاحة مثل وثيقة تصميم السوق، وخطة انتقال السوق، وكود الشبكة، وقواعد السوق، وغيرها".
خامساً: تعزيز مشاركة القطاع الخاص... يحدد التقرير إسناد عمليات التشغيل والصيانة كخطوة أولى فعالة، مقترحاً أن "النظر في الأداء الأفضل لمحطات إنتاج الطاقة المستقلة، أو الاستعانة بمصادر خارجية (أو الشراكات بين القطاعين العام والخاص) لعقود الإدارة والتشغيل والصيانة لشركات القطاع الخاص المؤهلة بناءً على مؤشرات أداء محددة، أو اعتماد نهج التأجير مع الحفاظ على القوى العاملة اللازمة، يوصى به للمحطات العامة".

▪︎ إصلاح التعرفة
ما زالت الفجوة بين التكلفة والإيرادات كبيرة، حيث بلغت تكلفة توليد الكهرباء 11.8 سنت/كيلوواط ساعة في 2022، بينما التعريفة المرجحة 3.14 سنت، مع خسائر نقل وتوزيع 42%. الإيرادات المتوقعة 2.151 مليار دولار مقابل نفقات تشغيلية 11.3 مليار دولار، أي أن الإيرادات تغطي نحو 19% من النفقات التشغيلية، دون احتساب النفقات الرأسمالية. يوصي التقرير بـ رفع تدريجي للتعرفة على مدى خمس سنوات، حيث "من المتوقع أن يرتفع سعر الكهرباء عن المستوى الحالي بنحو 3.5 أضعاف. ومن المؤكد أن هذا سيتم القيام به على مدى فترة اعتماداً على قدرة العميل على تحمل التكاليف"، ويبين التحليل أن هذا الإصلاح سيؤدي إلى تخفيض الطلب بنسبة 12.4% خلال الفترة المحددة، مما سيحقق وفورات في الطاقة تبلغ 22 تيراواط ساعة خلال خمس سنوات. كما يقدم التقرير منهجية علمية لحساب تكلفة الخدمة بناءً على متطلبات الإيرادات، موضحاً أن :
"متطلبات الإيرادات = مصاريف التشغيل + الاستهلاك + قاعدة الأصول التنظيمية × العائد على أساس السعر"، ويؤكد على ضرورة أن "تعكس التعرفة التكلفة" و"يتم تحديد التعرفة على أساس مستوى الجهد المتصل، حيث أن تكلفة العميل مرتبطة بمستوى الجهد".
▪︎ آليات التمويل
يقترح التقرير إنشاء صندوق وطني لكفاءة الطاقة كآلية تمويل مستدامة، حيث "يمكن تمويل صندوق كفاءة الطاقة من خلال علاوة تضاف إلى كل كيلووات ساعة من الكهرباء، أو طن/كيلوطن من الوقود المستهلك. يمكن استخدام هذا الصندوق لتوفير التمويل اللازم للمبادرات الوطنية لكفاءة الطاقة، وتشغيل سجل الطاقة، وأنشطة التدريب وبناء القدرات وحملة التوعية بكفاءة الطاقة" ويمكن أن يشمل دور الصندوق أيضاً " تمويل تسهيلات ضمان القروض، والتي يمكن أن تمكن ضمان القروض للشركات أو شركات خدمات الطاقة ومقدمي الخدمات المعتمدين لتتمكن من الحصول على قروض من البنوك لتمويل مشاريع كفاءة الطاقة الخاصة بهم". يشير التقرير إلى فرص تمويلية مبتكرة من خلال أسواق الكربون، موضحاً أن "من الممكن تداول أرصدة الكربون هذه دولياً، مما يوفر حوافز مالية لمبادرات الطاقة النظيفة ومشاريع خفض الانبعاثات. من خلال الاستفادة من أسواق الكربون، العراق يمكنه جذب الاستثمار في مشاريع الطاقة المتجددة، وتحسين الأداء البيئي لقطاع الطاقة لديهم والمساهمة في الجهود العالمية لمكافحة تغير المناخ"، كما يمكن أن "تستفيد عدة قطاعات في العراق من أرصدة الكربون كجزء من الجهود المبذولة للحد من انبعاثات الغازات الدفينة، مثل الاستثمارات في مشاريع الطاقة المتجددة، والصناعات التي تتبنى عمليات أنظف وأكثر كفاءة في استخدام الطاقة، والمبادرات التي تهدف إلى تقليل الانبعاثات الناتجة عن وسائل النقل".

▪︎ حماية الفئات الفقيرة
يؤكد التقرير على أهمية تصميم تعرفة متدرجة تحمي الفئات الضعيفة، مقترحاً "هيكل الكتلة المتدرجة مع الكتلة الأولى بتكلفة مدعومة للمستهلكين الضعفاء فقط. يمكن تصميم هذه المجموعة الأولى بناءً على استهلاك عملاء الخط الأول من الفقراء، بناءً على بيانا ت وزارة التخطيط"). ويوصي بأن "إذا تم تطبيق الدعم المتبادل، فيجب تطبيقه بطريقة شفافة وواضحة (دعم المستهلكين الضعفاء، أو بعض الأنشطة المستهدفة (مثل الري العامة) ويجب ألا يستفيد منه العملاء غير المؤهلين للحصول على الدعم".
▪︎ التكامل الإقليمي والفرص الاقتصادية
يؤكد التقرير على الأهمية الاستراتيجية للربط الكهربائي مع الدول المجاورة، مشيراً إلى أن "إنشاء خطوط ربط للكهرباء مع الدول المجاورة له فوائد عديدة لقطاع القدرة في العراق، من اجل دعم الشبكات المتبادلة، التخطيط الدفاعي ضد توقف المحطات، وزيادة قدرات الربط البيني إلى 4.5 كيكاوات بحلول 2040، مع إبراز الربط مع تركيا، الأردن وسوريا كجزء من شبكة إقليمية واسعة (EULLSPT). واستغلال الغاز المصاحب فالعراق من بين الدول التسع الأكثر إحراقاً للغاز المصاحب، حيث بلغ الإحراق 17.9 مليار متر مكعب في 2022. يمكن تحويل الهدر إلى إيرادات من تصدير زيت الوقود الثقيل واستخدام العائد لتقليل تكلفة التوليد، ما يوفر نحو 4.98 مليار دولار سنوياً وفق تقرير البنك الدولي والاتحاد الأوروبي. كذلك تطوير سوق غاز إقليمي يضمن الشفافية، ويدعم استثمارات الطاقة المنتجة من محطات التوليد، مع دفع الدعم مباشرة لشركات الكهرباء.
▪︎ رؤية استشرافية
يقدّم التقرير رؤية لتحول قطاع الطاقة العراقي من نظام مركزي معزول إلى سوق طاقة ديناميكي ومتكامل إقليمياً، قائم على نظام مرن ومتعدد التقنيات،يبدأ في تحويل القطاع من عبء اقتصادي إلى محرك للنمو، من مصدر للتلوث إلى داعم للاقتصاد الأخضر، من نظام معزول إلى شريك فاعل في الأسواق الإقليمية والدولية. يتطلب تحقيق هذه الرؤية ، إرادة سياسية قوية، مؤسسات متينة، حوكمة الانتقال التدريجي والمنهجي للإصلاحات، إذ أن إهمال أي عنصر قد يؤدي إلى فشل البقية.








