
نقد السياسة المقدسة

غنوة فضة
30/12/2025، 1:06:09 م
تصاغ المجتمعات وفق ثنائيات متضادة، وهي ثنائيات تشبه الغمام الذي يحجب الرؤية عن ممارسات السلطة، وتمنع الجموع عن إدراك الشراسة التي تمارسها السلطة على باقي طبقات المجتمع.
وسواء من خلال الاستبداد أو الحرية أو الظلام والتنوير، يتم تشكيل المجتمع وفق مفهوم سلطة العائلة السياسية المقدسة، ويسير الجميع وفق مشيئتها ليخدم إرادتها. في مقابل ذلك، لا وجودَ مشرقاً يمكن أن ينير مثلما يفعل وجود المثقف والفيلسوف؛ ذلك أن مهمة المفكر هنا تتجاوز محاولة رفع المعاناة والشقاء عن الطبقة المقهورة من شعبه. إنما هي محاولةٌ أساسها النقد ووسيلتها العقل لإصلاح الأخطاء التي تُرتكب بحقّ أمّته. ولأنّ الانطلاق من نقد السلطة والنقد الذاتي كذلك الأمر، يمكن له أن يحرك العقل من سباته، ويدفع الأفراد للتساؤل حيال مقدار أحقية السلطة السياسية في احتكار الثروات، ومدى قابليتهم على التنازل عن حقهم في الثروة مقابل قيم الحرية والكرامة. هذه العلاقة القائمة بين المقدس (الديني، السياسي....) من أعقد الإشكاليات التي واجهت الفكر العربي المعاصر، حيث يتداخل الديني بالدنيوي، والغيبي بالتاريخي، وتتشكل أنساقٌ تهيمن وتفرض الصمت على العقل النقدي. في هذا السياق يحضر كتاب الباحث المغربي د. عزيز الحدادي بعنوان "نقد السياسة المقدسة: نحو أركيولوجيا الصمت" (دار خطوط وظلال 2023) بوصفه محاولة لتشريح هذه العلاقة المرضية وتفكيك آليات اشتغالها. إذ يقدم الحدادي من خلال الكتاب قراءة نقدية حادة تعيد النظر في الأسس الأيديولوجية التي تقوم عليها "السياسة المقدسة" في العالم العربي. ويسلط الضوء على لحظة التحول من خطاب عقلاني وفلسفي إلى مشهد سياسي تتشكل هويته ومعاييره بشكل شبه كليّ تحت سطوة المقدس والمذهبيّ. إذ لا يكتفي الكتاب بوصف هذه الظاهرة، بل يحفر في طبقاتها العميقة ساعياً للكشف عما أُسكِتَ قسراً في تاريخ الفكر والسياسة في العالم العربي. بهذا التأسيس المتين لمشروعه النقدي، يتخذ الحدادي من نقد كارل ماركس (1883-1818) للعائلة المقدسة والإيديولوجيا نقطة انطلاق، لكنه يطورها لتتناسب مع السياق العربي. ويشير الكاتب إلى أن ماركس كان أول من كتب عن "العائلة المقدسة" وانتقد السلطة المعرفية والسياسية بوصفهما شكلين من أشكال استلاب الأرواح، ويعيد ذلك لسبب استغلالها طبقياً واستنزاف قوتها الإنتاجية. ويرى أن هذه الهيمنة السياسية لم تكن لتتحقق لولا استغلال المقدس والاستثمار فيه، وهو ما تحول بدورهِ إلى إيديولوجيا يمكن اقتحامها من خلال النقد الفلسفي. غير أن غاية الحدادي تختلف، مثلما يوضح، عن غاية ماركس في الظاهر. ففي الوقت الذي توجّهَ فيه ماركس إلى الطبقة الحاكمة وسعى إلى تصفية الحساب مع الفلسفة المثالية الألمانية، يتوجه الحدادي نحو تفكيك البنية الفكرية العربية التي سمحت بتحويل المقدس إلى أداة سياسية. والسؤال الأهم الذي يُطرح هنا: بأي معنى تصبح الإيديولوجية والعائلة المقدسة اثنين بالعدد، وواحداً بالماهية؟ هذا السؤال الذي يقود إلى جوهر الإشكالية التي تقول بالوحدة العضوية بين السلطة السياسية والخطاب الديني المقدس، هو ما يشكل الخطر على الطبقة الشعبية ويُعقّد مسألة الصراع الاجتماعي والطبقي. وفي خضم ما يسمى "الثورات المتلاحقة" التي اجتاحت الوطن العربي، يُعرّف الحدادي لحظة التحول التاريخي في المسار الفكري العربي، متسائلاً عن تلك الثورات التي سرعان ما كانت تتهاوى. هذه المآلات الفاجعة تدفعه لمساءلة التاريخ عن مدى الموت القائم في الحالة العربية، وهل تستطيع الأمة العربية أن تكتب اسمها على صفحات التاريخ المعاصر مثلما تفعل الشعوب الأخرى؟ يرى الكاتب أن هذا الإلحاح على صنع الثورة يحدث بسبب غياب إيديولوجيا التقدم وحرية الفكر، الأمر الذي يدفع العقل العربي للتحول إلى مجرد "ثورة للقصور الفكري على القصور الفكري". والسبب الجذري هو موت العقل العربي النظري الناجم عن عدم استعماله وعطلاته قروناً عديدة. وقد وجد هذا الفكر المهلهل ملاذه الأخير في المجال اللاهوتي، فأصبح يعمل بوصفه سادناً على حفظ العقيدة وتحصينها من "الأعداء" باحثاً عن أدواته بأكملها في التراث المقدس فقط. المدينة الجاهلة التي يصفها الكاتب هنا، هي النقيض من النموذج الأفلاطوني، أي لا مثالية فيها، وينعدم فيها العدل والمساواة. ولا فرصة تُرتجى لبناء يتيح إشاعة الأخلاق الفاضلة وبالتالي رئيسها غير حكيم، وسلطتها جاهلة بالمعنى السياسي. وهذه السلطة تفتقد السياسة الحقيقية التي يبدعها مجتمع مدنيّ مستنير يأخذ بأسباب العلم والمعرفة؛ إنه عالم أشبه بالكهف الأفلاطوني، تسوده "السياسة المقدسة" القائمة على وحدة الرأي والعقيدة والعشيرة. وفي قلب هذه الكيانات الطغيانية، تصبح كلمة "المرشد"، منزلة من السماء، حيث يُختَزل المرء إلى مجرد رعية أو عبد يقبل الاستبداد السياسي مذعناً له. ولا بد في أثناء الحديث عن الهيمنة السياسية من تفكيك آلياتها الدقيقة التي تعمل بها لضمان هيمنتها واستمرارها: فاستغلال المقدس، وتحويل الدين من منظومة قيم روحية إلى إيديولوجيا سياسية تبرر الهيمنة وتُسكتُ المعارضة، أداوتٌ لتدمير الفكر النقدي، وقمعٌ لأي محاولة للخروج على الخطاب الواحد. وفي هذا السياق، يشير الحدادي إلى محاولات أي سلطة مستبدة إلى خلق وعي زائفٍ، وتقديم قراءات لاهوتية - خرافية للواقع، ومنع انتشار الوعي العلمي والعقلاني للتاريخ والمجتمع. هذا الاحتكار المطلق للحقيقة، يتمثل بشكل جلي في ادعاء امتلاكها، والتصرف بوصفها - السياسة - ذات تفويض إلهي، الأمر الذي يُسقط الشرعية عن أي رأي مخالف لها.
يقول الحدادي في كتابه: "ربما تكون هذه الأسئلة وسواها مضطربة لأنها لا تجد من يدعمها ويُدخلها فضاءً رحباً لكنه مسيّج بأسلاك السياسة المقدسة الشائكة". هذه الأسئلة المحرجة تثير شراسة وعدوانية أرباب السياسة القائمين على الفكر ليبقى مخلصاً للهوية الممزقة وللخطأ الموروث. إلا أنه في قلب هذه الممارسات المظلمة، يرى في الفلسفة "أشرف السياسات"، وأقدر الأدوات على فضح جرائم الساسة المقدسة. والهدف هنا سواء في الكشف عن نقاط الضعف في قيادة المجتمعات العربية، أو هفواتها، ليس البكاء على الأطلال، بل وضع أسئلة التاريخ العربي في نصابها الصحيح، من أجل تفكيك البيئة التقليدية للفكر العربي المتكلّس الذي لا يسمح بالاستماع إلى صوت الحقيقة والوجود. وهنا يؤكد الحدادي على فكرة الصراع "بين الحق والزائف" وهو من أعنف الصراعات الطبقية، لأنه صراعٌ على الوعي والهوية والمعنى. والخلاص منه لا يتحقق إلا بعودة الفكر النقدي إلى واجهة المشهد الثقافي والسياسي. ويجب تجاوز المرحلة اللاهوتية - الخرافية التي كرستها السياسة المقدسة، نحو تأسيس سياسة مدنية قائمة على العلم والمعرفة وحقوق الإنسان. وهو ما يقدمه الكاتب في النهاية، أي خريطة طريق لفكر عربي جديد، وفكرٍ قادرٍ على الخروج من كهفه الأفلاطوني، ويتطلب شجاعة فكرية على مواجهة "أرباب السياسة المقدسة"، ويجرؤ على استعادة الأسئلة المصادرَة، ويكسر دوائر الصمت التي فرضتها عقود من الهيمنة الإيديولوجية على الفضاء العربي اليائس. وحيث استُقبل جثمان ابن رشد، وبدأ صوت السلاح يتعالى، صار مصير أمة بكاملها يقترب من نهاية تراجيديا، وطالما أن الانتصار على كل ما هو مضاد مستحيل، بل يقود إلى الزوال، فإنّ الدولة التي تقوم على أساس وصايا الفقهاء لا بد لها أن تزول. أما الدولة التي تحكم بالعدالة، فتجعلُ الشعب يخضع لقوانين يسنها بنفسه ولسلطات يختارها. ذلك أن الحرية الحقيقة، ولا يُقصد هنا الحرية الدستورية فحسب، بل استقلالية الإنسان عن كلّ ما هو غريب عن إرادة شعبه. هي حرية عقلانية تستمد قوتها من نور العقل وتوجد في قلب فلسفة فكرية نورانية. ذلك أن الآمال المحطمة لشعبٍ ما، لا يمكن أن تعود للحياة من جديد إلا من خلال هذه السبل الفكرية التي تنتعش خارج إطار التراث، وتفرق بشكل واضح بين دين الشعب ودين الدولة، لأن الالتباس بينهما يقتل العقل والحرية، كليهما معاً.
اخترنا لكم

التفسير مرآة لعصر المفسِّر
28/8/2024، 11:38:59 م

مهمة سافايا
4/12/2025، 9:57:00 ص

إغراق السفن... تكتيك حوثي يربك الملاحة في البحر ال...
21/7/2025، 11:21:33 ص

أتمتة العقل السياسي
8/2/2026، 11:28:56 م

الفردوس بين الأسطورة والحداثة
21/7/2025، 12:38:24 ص

هندسة العقول
3/12/2025، 11:16:10 ص

قرن المنازلة
10/12/2024، 3:21:00 م

مستقبل الأموال العامة في ظل حكم مجهول المالك -2-
8/12/2024، 9:09:09 م

طيران فوق عش الوقواق
8/12/2024، 8:55:57 م