
نحو مستقبل أخضر... العراق وبناء النموذج الوطني في مواجهة ظاهرة التصحر

مراصد
2/1/2026، 11:54:32 ص
شهد العراق واحدة من اشد الازمات البيئية تعقيدا وتهديدا للاستقرار في القرن الحادي والعشرين، تتفاعل فيها عوامل طبيعية لتغير المناخ، لم تعد هذه الازمة مسألة عواصف موسمية عابرة، بل تحولت الى ظاهرة بنيوية تعيد تشكيل واقع البلاد الاجتماعي والاقتصادي.
تجمع التقارير الدولية والمراقبة العلمية على حقيقة مهمة، العراق لم يعد فقط من اكثر الدول تأثرا بالتغير المناخي، بل اصبح، كما تشير الدراسات الاممية، يصنف كخامس اكثر دولة في العالم هشاشة امام اثاره، نتيجة تراكم لمجموعة عوامل تتمثل في ارتفاع درجات الحرارة، انخفاض هطول الامطار، تكرار الجفاف، وشح المياه المتزايد، على حد تعبير تقارير المنظمة الدولية للهجرة IOM وبرنامج الامم المتحدة الانمائي، هذا التصنيف ليس مجرد توصيف اكاديمي، بل انعكاس لواقع ملموس يتجلى في تحول البلاد بسرعة نحو مناخ مغبر دائم، يهدد مقومات الحياة الاساسية لمواطنيها. تقرير وكالة فرانس برس المنشور في كانون الاول 2025 قدم صورة عن هذا التحول، مشيرا الى ازدياد غير مسبوق في وتيرة العواصف الرملية والغبارية وشدتها، عازيا ذلك الى الجفاف الشديد وارتفاع درجات الحرارة وشح المياه وتراجع المساحات الخضراء. يشدد التقرير في تحذيراته عبر توقعات وزارة البيئة العراقية الرسمي بان العراق يشهد 243 عاصفة غبارية تقريبا كل عام، مع احتمال ان تزداد وتيرة هذه العواصف لتعيش البلاد 300 يوم مغبر سنويا بحلول العام 2050. يجسد هذا الرقم حالة تسارع فعلي، حيث يعاني جنوب العراق، قلب الهلال الخصيب سابقا، من اكثر من 270 يوما مغبرا سنويا، كما يشير تقرير المعهد الدولي لادارة المياه IWMI الصادر في تموز 2025.
تجسدت الخطورة المباشرة لهذا الواقع عندما وثقت صور الاقمار الصناعية التابعة لوكالة ناسا NASA في نيسان 2025 عاصفة ضخمة غطت جنوب العراق واجزاء اخرى من الشرق الاوسط، حيث حولت الجسيمات العالقة في الهواء لون السماء الى البرتقالي وقللت من مدى الرؤية وساءت جودة الهواء. وكانت النتيجة البشرية المباشرة، كما اشارت ناسا نقلا عن التقارير الاخبارية، ارسال ما يقرب من 4000 شخص الى غرف الطوارئ في محافظات عراقية متعددة بسبب مشاكل التنفس، مع اغلاق عدة مطارات وشلل في الحياة العامة. فيما يذهب تحليل تقرير IWMI الى ما هو ابعد من الظاهرة نفسها ليشخص الجذور البشرية العميقة للازمة، حيث يحمل سوء ادارة الاراضي والمياه مسؤولية حوالي 25% من مشكلة العواصف الرملية على المستوى العالمي.

▪︎ التحدي والاستجابة الحكومية
ومع إطلاق مشروع تغطية الكثبان الرملية بالطين، الذي اشار اليه تقرير وكالة فرانس برس، ينفذ في منطقة مستهدفة بين الناصرية والسماوة، بينما يسجل تقرير منظمة الاغذية والزراعة FAO نجاحات نوعية ملموسة من خلال مشروع الزراعة الحافظة، مثل زيادة المحاصيل بنسبة حوالي 25% وتوفير 30% من المياه، الا ان نطاقه يقتصر على 1600 مزارع ضمن محافظتين فقط (ذي قار والمثنى)، هذا النجاح المحلي رغم قيمته الاجرائية يبقى بمثابة جزيرة خضراء في محيط شاسع، مما يثير تساؤلا عن امكانية تعميمه على مستوى البلاد التي تعاني مئات الالاف من الهكتارات من الارض المتصحرة.
لكن ثمة مشكلة في قياس الفعالية الحقيقية لهذه المشاريع، فالمؤشرات الحالية تركز على النجاحات الجزئية لكنها لا تقدم اجابة عن السؤال الجوهري: هل تساهم هذه المشاريع مجتمعة في خفض عدد الايام المغبرة على مستوى المحافظة او البلاد؟ هل تؤدي الى انخفاض ملموس في حالات الاستشفاء المرتبطة بالعواصف؟ يجيب تقرير IWMI على ذلك بالاشارة الى ان مشروع وقاية يطور نموذج محاكاة لتقييم التدخلات وبناء قاعدة ادلة لتوجيه التمويل المناخي، وهو دليل واضح على عدم وجود بيانات شاملة وممنهجة بعد للاجابة على تلك الاسئلة المركزية. وفق هذه الادلة، يبدو من الممكن حساب التكلفة اللازمة لتثبيت هكتار من الاراضي في جنوب العراق ومقارنتها بالتكلفة الاقتصادية الباهظة التي تتحملها دول الجوار مثل الكويت او السعودية من جراء عاصفة واحدة: تعطيل المطارات الدولية، اغلاق المدارس والمؤسسات لايام، تكاليف الرعاية الصحية لالاف المواطنين، الخسائر في القطاعات الاقتصادية الحساسة. من هذا المنظور يحول الانفاق على مشاريع مكافحة التصحر من مساعدات انسانية قد تكون ظرفية، الى استثمار وقائي اقليمي مشترك يحمي الاقتصادات والبنى التحتية لدول المنطقة بأكملها.

والاهم، ان نموذج المحاكاة الذي يعمل عليه مشروع وقاية يمكن ان يكون الاداة العملية لتقدير هذه المنافع الاقليمية كميا، وجعلها حجة مقنعة لجذب تمويل اقليمي اكبر واكثر استدامة. في ذات الاطار، يعتبر مشروع تغطية الكثبان بالطين، كما ورد في تقرير وكالة فرانس برس، تدخلا هندسيا سريعا وذا فاعلية اجرائية واضحة في تثبيت التربة على النطاق المحلي المحدد. حيث تعمل الطبقة الطينية البالغ سمكها 20-25 سم على تكوين قشرة صلبة تمنع انجراف الرمال فوريا، مما يحقق الهدف المباشر المتمثل في حماية طريق سريع ويهيئ الارض لزراعة نباتات تثبيت دائمة، ما اكده المشرف الزراعي في التقرير بان التثبيت يمنح اي جهد زراعي فرصة الاستمرار. ومع ذلك، فإن فعالية هذه التقنية تواجه تحديات جوهرية تقيد تعميمها كحل استراتيجي شامل. فهي عالية التكلفة وتتطلب عمالة وآليات ثقيلة، ولا تعالج الاسباب الجذرية للتصحر المتمثلة في شح المياه وسوء الادارة، كما ان تاثيرها موضعي ومؤقت ما لم تدمج مع حلول بيئية اوسع. باختصار، تمثل تقنية الطين اداة طارئة ناجحة لحماية البنى التحتية وتمهيد الارض، لكنها تظل حلا مكلفا ومعالجا للاعراض وليس بديلا عن معالجة الاسباب النظامية للازمة عبر سياسات متكاملة.
▪︎ دعم إقليمي ودولي
يظهر المشهد الحالي لمكافحة التصحر تنوعا لافتا ومربكا احيانا في الجهات الفاعلة والمانحة. فالمشاريع لا تقودها الحكومة العراقية وحدها، بل تنفذ من قبل مجموعة من وكالات الامم المتحدة والمنظمات الدولية بتمويل من جهات متعددة، كما اشار تقرير وكالة فرانس برس، ينفذ مشروع تغطية الكثبان الرملية بالطين من قبل برنامج الامم المتحدة للمستوطنات البشرية UN-Habitat وبتمويل من الصندوق الكويتي للتنمية الاقتصادية العربية، وفي الوقت ذاته، اوضح تقرير منظمة الاغذية والزراعة FAO ان مشروع الزراعة الحافظة ينفذ بتمويل من مرفق البيئة العالمية GEF، اما تقرير المعهد الدولي لادارة المياه IWMI فقد اشار الى ان مشروعه وقاية في جنوب العراق يمول من قبل حكومة المملكة المتحدة عبر مكتب التنمية FCDO ويعمل بالتنسيق مع حكومة الكويت.
يظهر هذا التنوع دعما دوليا واقليميا واسعا للقضية. تكمن المشكلة في ان كل مشروع له جهة ممولة ومنفذة واجندة عمل خاصة وغالبا ما تكون مؤقتة مرتبطة بفترة التمويل، مما يضعف التكامل في رؤية شاملة تتعامل مع دورة التصحر كاملة: من حماية التربة الى ادارة المياه الى اعادة التشجير. اشار برنامج الامم المتحدة الانمائي UNDP في ايلول 2025 الى قيامه بالشراكة مع الحكومة العراقية باطلاق وثائق استراتيجية اساسية مثل خطة الاستثمار المناخي CIP وبرنامج البلاد لصندوق المناخ الاخضر تهدف الى الانتقال من مرحلة التخطيط الى التنفيذ، غير ان التحدي الحقيقي يكمن في مدى قدرة المؤسسات العراقية على امتلاك هذه الاستراتيجيات وفرضها كاطار موحد لجميع المشاريع الميدانية الدولية والمحلية، بدلا من ان تبقى حبرا على ورق بينما تستمر كل جهة بالعمل وفق اجندتها.

▪︎ طمأنة الحلول
تشكل الطريقة التي تروى بها قصة الازمة البيئية في العراق اطارا حاسما لفهم كيفية ادراكها وبالتالي حشد الموارد والمساندة السياسية لمواجهتها. ثمة سرديتان تعكسان اهدافا وتحديات مختلفة، حيث تسيطر على التقارير الاعلامية الدولية، كما في تقرير وكالة فرانس برس وتقرير ناسا NASA، سردية الطوارئ والكارثة، تعتمد على صور صادمة تبرز اثارها الملموسة. في المقابل، تنتهج تقارير وكالات الامم المتحدة والمنظمات الانمائية سردية الحلول والشراكة والامل، ومع الاعتراف بالتحديات، الا ان تركيزها ينصب على الاطلاق والتقدم والشراكة القوية، كما في بيان برنامج الامم المتحدة الانمائي UNDP وتصل ذروة هذا النهج في تقرير منظمة الفاو FAO الذي يقدم نموذجا انسانيا ناجحا.
فبدلا من الاحصاءات المجردة عن المرضى، يقدم التقرير قصص نجاح مزارعين باسمائهم بهدف تبرير الاستثمار الدولي، واظهار جدوى المشاريع القائمة، وتقديم نموذج قابل للتكرار والتمويل. في هذه المقاربة، يبرز الدور المحوري الى حد كبير لوسائل الاعلام والمنابر العراقية المحلية. فبينما تنقل الوكالات الدولية الكارثة او تروج الوكالات الاممية للحلول، تملك الوسائل المحلية القدرة على لعب دور حاسم في كسر حلقة الانكار والعمل على تعزيز الوعي المجتمعي بنشر ثقافة الزراعة الحافظة، اهمية التشجير، وتحويل النجاحات الفردية الى نماذج يحتذى بها على نطاق اوسع.
▪︎ بناء نموذج التكيف
في ضوء ما تقدم، يواجه العراق ازمة بيئية مناخية تتفاقم بسرعة بينما تظل الاستجابة محدودة النطاق، تواجه تحديات في التنسيق والاستدامة والتواصل، يتطلب الخروج من هذا المأزق المزيد من المشاريع المماثلة في نقلة نوعية على ثلاثة مستويات:
أولا: انشاء آلية تنسيق وطنية عالية المستوى ذات صلاحيات حقيقية تجمع ممثلين عن جميع الوزارات المعنية البيئة والزراعة والموارد المائية والتخطيط وتفرض اطارا لعمل موحد يجمع كل المشاريع الدولية والمحلية تحت اهداف قومية واضحة وقابلة للقياس، ويمنع الازدواجية ويضمن التكامل.
ثانيا: تنفيذ المشاريع الوطنية الممولة ذاتيا عبر تحويل الدروس المستفادة من الزراعة الحافظة وتغطية الطين الى معايير الزاميه في دعم المزارعين وان تدمج تكاليف صيانة المشاريع البيئية في الميزانيات الحكومية الدورية.

ثالثا: إطلاق خطة عمل وطنية شاملة وطموحة، تشرح دور كل مشروع دولي كجزء من هذه الخطة، وتطالب علنا بالدعم اللازم لتحقيقها. هذا من شأنه حشد الرأي العام المحلي والدولي خلف رؤية واضحة بإدارة استباقية وجريئة، يمكن لهذه الازمة الوجودية ان تتحول الى فرصة تاريخية ليكون العراق رائدا اقليميا في تطوير واختبار حزمة متكاملة من حلول التكيف المناخي الزراعة الذكية، ادارة المياه، التكنولوجيا، التثبيت الميكانيكي والبيولوجي يمكن تصديرها لدول تعاني من نفس المعضلة.








