
وسط تحذيرات دولية... صراع نفوذ يهدد أمن اليمن ومستقبل المنطقة

مراصد
10/1/2026، 11:23:20 ص
أثارت تطورات الأخيرة في اليمن مخاوف من حرب أهلية جديدة تهدّد بإعادة تقسيم البلاد، الذي يشهد نزاعاً منذ أكثر من عشر سنوات، وعلى مدى أكثر من عقد، خاضت المجموعات المسلحة المحسوبة على الحكومة اليمنية المعترف بها دوليا، بدعم من تحالف عربي وإسلامي بقيادة السعودية، معارك ضد المتمردين اليمنيين الحوثيين المدعومين من إيران.
ومنذ التوصل الى اتفاق لوقف إطلاق النار في نيسان أبريل 2022، كانت البلاد تشهد هدوءاً نسبياً، وإن في ظلّ مناطق نفوذ وسيطرة لهذا الطرف أو ذاك، بحكم الأمر الواقع. ويسيطر الحوثيون على معظم شمال البلاد وغربها، وبينها العاصمة صنعاء، فيما انقسم تحالف الحكومة اليمنية على نفسه.
▪︎ بداية الأزمة
في مطلع كانون الأول ديسمبر الماضي، شنّ المجلس الانتقالي الجنوبي، وهو شريك رئيسي للحكومة، هجوماً خاطفاً استولى خلاله على قواعد عسكرية ونقاط تفتيش وحقول نفط، وأحكم مقاتلوه سيطرتهم على معظم محافظة حضرموت وتمدّدوا الى أجزاء واسعة من محافظة المهرة المجاورة.
وتمثل حضرموت 36% من مساحة اليمن، وتضم أكبر احتياطيات النفط وموانئ رئيسية مثل المكلا والشحر ومنصة النفط في الضبة. ويستغل المجلس الانتقالي تقدمه العسكري للمطالبة بإعادة اليمن إلى دولتين، شمالية وجنوبية، كما كان الوضع قبل عام 1990. وأفادت مصادر أن المجلس، المدعوم من الإمارات، تلقى تحذيراً قبيل شن ضربات جوية مباشرة من القوات السعودية، وهو ما يهدد مواقع المجلس الرئيسة. وأكد المجلس أنه يحظى بدعم الإمارات، مما يرفع من احتمالية اندلاع صدامات مستقبلية بين القوات الموالية لكل من السعودية والإمارات على الأراضي اليمنية.

▪︎ ضربة سعودية
وذكر المتحدث الرسمي باسم قوات التحالف اللواء الركن تركي المالكي، في بيان: "في يومي السبت والأحد 20 و21 ديسمبر الحالي، تم دخول سفينتين قادمتين من ميناء "الفجيرة" إلى ميناء "المكلا" دون الحصول على التصاريح الرسمية من قيادة القوات المشتركة للتحالف، حيث قام طاقم السفينتين بتعطيل أنظمة التتبع الخاصة بالسفينتين، وإنزال كمية كبيرة من الأسلحة والعربات القتالية لدعم قوات المجلس الانتقالي الجنوبي بالمحافظات الشرقية لليمن في حضرموت، والمهرة بهدف تأجيج الصراع، مما يعد مخالفة صريحة لفرض التهدئة والوصول لحلٍ سلمي، وكذلك انتهاكاً لقرار مجلس الأمن الدولي رقم 2216 لعام 2015"، بحسب وكالة الأنباء السعودية "واس". وأضاف المالكي: "استناداً لطلب رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني لقوات التحالف باتخاذ كافة التدابير العسكرية اللازمة لحماية المدنيين بمحافظتي حضرموت والمهرة، ولما تشكله هذه الأسلحة من خطورة وتصعيد يهدد الأمن والاستقرار، فقد قامت قوات التحالف الجوية بتنفيذ عملية عسكرية محدودة استهدفت أسلحة وعربات قتالية أُفرغت من السفينتين بميناء المكلا، بعد توثيق ذلك ومن ثم تنفيذ العملية العسكرية، بما يتوافق مع القانون الدولي الإنساني وقواعده العرفية، وبما يكفل عدم حدوث أضرار جانبية"، بحسب البيان.
▪︎ إعلان حالة الطواريء
الى ذلك أصدر رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، قراراً بإعلان حالة الطوارئ في كافة أراضي الجمهورية لمدة 90 يوماً قابلة للتمديد، وفرض حظر جوي وبحري وبري لمدة 72 ساعة على كافة المنافذ والموانئ. وكان رشاد العليمي أصدر قبل ذلك، قرارا بإلغاء اتفاقية الدفاع المشترك مع دولة الإمارات العربية المتحدة، وبمطالبة جميع قواتها ومنسوبيها بالخروج من البلاد خلال 24 ساعة. ويتضمن نص القرار الجديد للعليمي والذي نشرته وكالة "سبأ" اليمنية الرسمية التابعة للحكومة المعترف بها دوليا في عدن ما يلي :
- "تُعلن حالة الطوارئ في كافة أراضي الجمهورية ابتداءً من يوم الثلاثاء 30/12/2025 ميلادية، ولمدة 90 يوماً قابلة للتمديد".
- "على جميع القوات والتشكيلات العسكرية في محافظتي حضرموت والمهرة، التنسيق التام مع قيادة تحالف دعم الشرعية ممثلة بالمملكة العربية السعودية والعودة فوراً لمواقعها ومعسكراتها الأساسية، دون أي اشتباك وتسليم كافة المواقع لقوات درع الوطن".
- "يمنح محافظا حضرموت والمهرة كافة الصلاحيات لتسيير شؤون المحافظتين، والتعاون التام مع قوات درع الوطن حتى استلامها للمعسكرات".
- "يُفرض حظر جوي وبحري وبري على كافة الموانئ والمنافذ لمدة 72 ساعة من تاريخ هذا الإعلان، باستثناء ما يصدر بإذن وتصريح رسمي من قيادة تحالف دعم الشرعية".
- "تلتزم جميع الجهات في الدولة بتنفيذ هذا الإعلان والتقيد به".

▪︎ موقف السعودية
من جانبها أعربت السعودية في بيان لوزارة خارجيتها، عن "أسفها" لما قالت إنه "ضغط" قامت به الإمارات على قوات المجلس الانتقالي الجنوبي، لدفع قواته للقيام بعمليات عسكرية على حدود المملكة الجنوبية في محافظتي حضرموت والمهرة باليمن، كما دعت المملكة الإمارات إلى الاستجابة لطلب اليمن بخروج قواتها العسكرية خلال 24 ساعة، وإيقاف أي دعم عسكري أو مالي لأي طرف كان داخل اليمن. وقال البيان الذي نشرته وكالة الأنباء السعودية "واس": "بشأن ما بذلته المملكة من جهود صادقة، بالعمل مع دولة الإمارات العربية المتحدة الشقيقة، لإنهاء ومعالجة الخطوات التصعيدية التي قام بها المجلس الانتقالي الجنوبي في محافظتي حضرموت والمهرة" والمح "إشارة إلى بيان مجلس القيادة الرئاسي اليمني، والبيان الصادر عن قيادة التحالف العربي لدعم الشرعية في اليمن بشأن تحرك سفن محملة بالأسلحة والعربات الثقيلة من ميناء الفجيرة إلى ميناء المكلا، دون الحصول على تصاريح رسمية من قيادة القوات المشتركة للتحالف".
▪︎ نفي إماراتي
وفي ردها على بين الخارجية السعودية.. قالت وزارة الخارجية الإماراتية، في بيان، إنها "تعرب عن أسفها الشديد لما ورد في بيان المملكة العربية السعودية الشقيقة، وما تضمنه من مغالطات جوهرية، حول دور دولة الإمارات في الأحداث الجارية في الجمهورية اليمنية". ورفضت دولة الإمارات "رفضاً قاطعاً الزجّ باسمها في التوتر الحاصل بين الأطراف اليمنية، وتستهجن الادعاءات التي وردت بشأن القيام بالضغط أو توجيه أي طرف يمني للقيام بعمليات عسكرية تمس أمن المملكة العربية السعودية الشقيقة أو تستهدف حدودها"، بحسب بيان وزارة الخارجية الإماراتية. ورفضت وزارة الخارجية الإماراتية "المزاعم المتعلقة بتأجيج الصراع اليمني"، قائلة إن "البيان المشار إليه صدر دون التشاور مع الدول الأعضاء في التحالف". وأكدت أن "الشحنة المشار إليها لم تتضمن أي أسلحة، وأن العربات التي تم إنزالها لم تكن مخصصة لأي طرف يمني، بل تم شحنها لاستخدامها من قبل القوات الإماراتية العاملة في اليمن"، لافتة أن "الادعاءات المتداولة بهذا الشأن لا تعكس حقيقة طبيعة الشحنة أو الغرض منها". هذا واتخذت الإمارات في 30 ديسمبر الماضي، قراراً بسحب ما تبقى من قواتها من اليمن بعد إنذار من رئيس مجلس القيادة الرئاسي ودعم سعودي لمغادرتها خلال 24 ساعة، في ذروة أزمة غير مسبوقة بين الرياض وأبو ظبي.

وجاء القرار بعد غارة للتحالف على ميناء المكلا قالت السعودية إنها استهدفت شحنة أسلحة إماراتية، وسط اتهامات بتأجيج الصراع ودعم الانفصاليين، وتخوفات من انعكاس التوتر على تحالف أوبك+ وأسواق الطاقة في الخليج. وأوضحت وزارة الدفاع الإماراتية أنها أنهت مهمة وحدات مكافحة الإرهاب التابعة لها في اليمن "بمحض إرادتها"، مشيرة إلى أن هذه الوحدات كانت القوات الوحيدة المتبقية لها في البلاد بعد إنهاء وجودها العسكري في اليمن عام 2019. وجاء في بيان الوزارة أن "القوات المسلحة الإماراتية أنهت وجودها العسكري في الجمهورية اليمنية عام 2019 بعد استكمال المهام المحددة ضمن الأطر الرسمية المتفق عليها، فيما اقتصر ما تبقى من تواجد على فرق مختصة ضمن جهود مكافحة الإرهاب وبالتنسيق مع الشركاء الدوليين المعنيين". وبحسب وكالة أنباء الإمارات، ذكرت وزارة الدفاع في بيان أن "هذا الإجراء يأتي في إطار تقييم شامل لمتطلبات المرحلة".
▪︎ إعادة تموضع
في سياق متصل.. أعلن المجلس الانتقالي الجنوبي في اليمن اتفاقا ينص على نشر قوة حكومية أخرى في المناطق التي سيطر عليها في الأسابيع الأخيرة في محافظة حضرموت، في حين لم يصدر بيان رسمي يمني أو سعودي بهذا الشأن. وقال الناطق باسم "قوات الانتقالي" محمد النقيب، في بيان مصور على حسابه بمنصة إكس إن القوات المسلحة التابعة للمجلس ستواصل عملياتها في هذه المناطق، لكنها ستربطها بقوات "درع الوطن" التابعة للقوات الحكومية اليمنية والتحالف. وجاء في البيان "بدأت اليوم عملية إشراك زملائنا الجنوبيين في قوات درع الوطن للاضطلاع بالمسؤوليات والمهام الملقاة على عاتق قواتنا المسلحة جنبا الى جنب مع إخوانهم من منتسبي كافة تشكيلات قواتنا المسلحة الجنوبية".
وأضاف "أعيد اليوم تموضع اللواء الأول درع وطن في منطقة ثمود وسيعقبه إعادة تموضع وحدات أخرى من قوات درع الوطن في منطقة رماة ومناطق أخرى في محافظتي حضرموت والمهرة وفقا لما تم الاتفاق عليه، وبما يضمن أن قواتنا المسلحة الجنوبية بكافة قطاعاتها قد أمّنت كافة أراضينا".
من جانبه، قال محافظ حضرموت سالم الخنبشي، إن استجابة المجلس الانتقالي الجنوبي لطلب الحكومة سحب قواته من المناطق التي استولى عليها في حضرموت لا تزال محدودة. وطالب الخنبشي، في مقابلة مع قناة الجزيرة القطرية، المجلس الانتقالي الجنوبي بسحب قواته من حضرموت، وإعادتها من حيث جاءت، مبديا رغبته في عدم إراقة أي قطرة دم.

▪︎ تحذيرات دولية
في الشأن ذاته.. حذر الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، من أن استئناف القتال على نطاق واسع في اليمن قد يترك تأثيرات على البحر الأحمر وخليج عدن وقرن إفريقيا. ودعا جميع الأطراف، بما فيها الجهات الخارجية، إلى تفادي الإجراءات الأحادية التي "لا تمهد طريقاً للسلام، بل تعمّق الانقسامات وتزيد من مخاطر التصعيد وتؤدي إلى مزيد من التفكك". وأشار غوتيريش إلى أن السيادة اليمنية ووحدة أراضيها يجب الحفاظ عليها، موضحاً أن نحو 5 ملايين يمني اضطروا للنزوح بسبب الحرب الطويلة بين الحوثيين في الشمال والقوات الجنوبية المتفككة حالياً. وفي سياق متصل، قال وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، إن بلاده "تشعر بالقلق إزاء الأحداث الأخيرة في جنوب شرق اليمن". وأضاف روبيو، عبر منصة "إكس": "تشعر الولايات المتحدة بالقلق إزاء الأحداث الأخيرة في جنوب شرق اليمن، ونحث على ضبط النفس ومواصلة الجهود الدبلوماسية، بهدف التوصل إلى حل دائم". وتابع: "نُعرب عن امتناننا للقيادة الدبلوماسية لشركائنا، السعودية والإمارات، ونؤكد دعمنا لجميع الجهود الرامية إلى تعزيز مصالحنا الأمنية المشتركة".
▪︎ آراء وتحليلات
كتبت الباحثة في معهد واشنطن أبريل لونغلي ألي "المواجهة تُهدّد بنسف الهدنة الهشة المستمرة منذ ثلاث سنوات ونصف في اليمن، وإحياء حرب لطالما صبّت مرارا في مصلحة الحوثيين المدعومين من إيران". وأضافت أنّ الحرب "قد تُفاقم أيضا التوتر في العلاقات بين حليفين رئيسيين للولايات المتحدة، السعودية والإمارات اللذين هما أصلا على خلاف في السودان". وفي تحليل حديث، كتب غريغوري د. جونسن، الباحث غير المقيم في معهد دول الخليج العربية، "يراهن المجلس الانتقالي الجنوبي على أنه إذا أمكن توحيد الجنوب تحت قيادة واحدة، قيادته هو بالطبع" فسيكون قادرا على عزل الجنوب عن الحوثيين في الشمال، والاستفادة من عائدات النفط والغاز، وبناء دولة مستقرة وفاعلة".
وأضاف جونسن أن هذه الخطوة "مهمة صعبة، ومن المرجح أن تُواجه بمقاومة داخلية وخارجية".









