الساعة الان

07:50 ص

logo
وسط رفض عربي أفريقي... أزمة الاعتراف تعيد أرض الصومال إلى واجهة الجدل الدولي

وسط رفض عربي أفريقي... أزمة الاعتراف تعيد أرض الصومال إلى واجهة الجدل الدولي

وسط رفض عربي أفريقي... أزمة الاعتراف تعيد أرض الصومال إلى واجهة الجدل الدولي

مراصد

12‏/1‏/2026، 11:45:11 ص

كشف وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر أن رئيس "صوماليلاند" أجرى زيارة سرية إلى إسرائيل خلال الصيف الماضي، التقى خلالها كبار المسؤولين السياسيين والأمنيين"، وفقا لما نشرته صحيفة هآرتس الإسرائيلية

 

والتي أشارت الصحيفة إلى أن هذه الزيارة مهدت للاعتراف الرسمي بجمهورية أرض الصومال المعلنة من جانب واحد دولة مستقلة ذات سيادة. فيما اعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أن "إسرائيل ستسعى إلى تعاون فوري مع أرض الصومال في مجالات الزراعة والصحة والتكنولوجيا والاقتصاد"، مؤكداً أن هذا الاعتراف "يتماشى مع روح اتفاقيات إبراهيم".

 

▪︎ عدوان غير مشروع

على الصعيد الرسمي، ردت الحكومة الصومالية في بيان رسمي، وصفت فيه الإعتراف الإسرائيلي بأنه "هجوم متعمد على سيادتها وإجراء غير قانوني"، وأضاف البيان أن الحكومة "تؤكد تمسكها المطلق بوحدة أراضيها وسيادتها الوطنية غير القابلة للتفاوض". وأكد الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود، في منشور على منصة إكس ، أن "اعتراف نتنياهو بأرض الصومال دولة ذات سيادة 'عدوان غير مشروع'". وأضاف في كلمة أمام البرلمان، أن "انتهاكات نتانياهو ومحاولاته لتقسيم جمهورية الصومال الفدرالية تشكل تهديداً لأمن واستقرار العالم والمنطقة". وفي القاهرة، عقد مجلس جامعة الدول العربية اجتماعاً طارئاً، أصدر على إثره بياناً وصف فيه الاعتراف بأنه "طمع في تحقيق أجندات سياسية وأمنية واقتصادية مرفوضة"، معتبراً أنه يهدف إلى "تسهيل مخططات التهجير القسري للشعب الفلسطيني". على الأرض، شهدت هرجيسا الصومالية مشهداً متبايناً، حيث أحتشد آلاف الأشخاص في الملعب الرئيسي في المدينة احتفاء بالحدث"، ورُفع العلم الإسرائيلي إلى جانب علم الإقليم. من جهة ومن جهة أخرى، أشارت تقارير الجزيرة نت إلى أن "احتجاجات شعبية رفضت تطبيع العلاقات مع إسرائيل"، مشيرة إلى أن "مدناً في الإقليم شهدت تظاهرات ورفع أعلام فلسطينية"، بما يكشف عن انقسام داخلي بين النخب السياسية الموالية للاعتراف وقواعد شعبية ترفض التقارب مع إسرائيل.

 

6397c2a8-3f9d-46ed-b7f7-178e0555a868_16x9_1200x676.webp

 

▪︎ سياق تاريخي 

في العودة إلى الجذور التاريخية، أعلنت أرض الصومال، "الانفصال عن الصومال عقب الإطاحة بنظام محمد سياد بري عام 1991". وأشارت تقارير بي بي سي إلى أنه "رغم عدم اعتراف أي دولة بها، إلا أن الإقليم يتمتع بنظام سياسي فعال ومؤسسات حكومية وقوة شرطة وعملة خاصة". ويمتلك الإقليم موقعاً "جيواستراتيجياً حيوياً"، حيث يمتد على ساحل خليج عدن قرب مضيق باب المندب، أحد أهم نقاط الملاحة البحرية في العالم، هذا الموقع، "جعله هدفاً للعديد من القوى الإقليمية والدولية التي ترى في هذا الممر البحري نقطة ارتكاز أمنية وتجارية حيوية".  ومن بينها الأمارات العربية المتحدة حيث يعود الوجود الإماراتي الى عام 2017 حينما قامت بإنشاء قاعدة عسكرية على موقع بمطار مدينة بربرة"، وفقا لما ذكرته بي بي سي البريطانية في تقرير لها، وأضاف التقرير أن "شركة موانئ دبي العالمية دشنت مشروعاً بقيمة 101 مليون دولار لتوسيع ميناء بربرة"، مشيراً إلى أن "المرحلة الأولى جزء من اتفاق تبلغ قيمته الإجمالية 442 مليون دولار".

 

▪︎ إنقسام دولي

مجلس الامن الدولي ناقش في إجتماع عقده مؤخرا اعتراف إسرائيل بـ"أرض الصومال" كدولة مستقلة، واستمع إلى إحاطة من مسؤول أممي أشار إلى تأكيد المجلس مرارا على احترام سيادة الصومال وسلامة أراضيه واستقلاله السياسي ووحدته. وقال مندوب الصومال إن الاعتراف الإسرائيلي بـ"أرض الصومال" لا يخلق سابقة خطيرة فحسب، بل يشكل أيضا تهديدا خطيرا للسلم والأمن الإقليميين والدوليين.
السفير البريطاني جدد أمام مجلس الأمن تأكيد بلاده على دعم سيادة الصومال، وسلامة أراضيه، واستقلاله السياسي، ووحدته، وقال إن المملكة المتحدة لا تعترف باستقلال "أرض الصومال".
المندوبة الأمريكية قالت إن إسرائيل تتمتع بنفس الحق في إقامة علاقات دبلوماسية مثل أي دولة أخرى ذات سيادة، وقالت: "في وقت سابق من هذا العام، اتخذت عدة دول ومنها أعضاء في هذا المجلس قرارا أحاديا بالاعتراف بدولة فلسطينية ليس لها وجود، ورغم ذلك لم يُعقد اجتماع طارئ للإعراب عن غضب هذا المجلس". واتهمت مجلس الأمن بازدواجية المعايير.

 

image1170x530cropped.jpg

 

▪︎ دوافع خفية

وكشف تحليل إستقصائي عن "تحالف ثلاثي" كان المحرك الرئيسي للاعتراف، وفق الاتي :
- أولاً: الأهداف الإسرائيلية المتعددة... تؤكد صحيفة معاريف الإسرائيلية، إن "فائدة الاعتراف لا تكمن في الجانب الدبلوماسي، بل في موقع أرض الصومال الجغرافي". وأضافت الصحيفة أن "ميناء بربرة والمطار القريب منه يضعان هذا البلد في نقطة إشراف محورية على أحد أهم الممرات الملاحية في العالم". من جانب آخر، أشارت قناة الجزيرة نت إلى أن "المسؤولين في تل أبيب يرون في الموقع الإقليمي فرصة لتعزيز قدراتهم الأمنية، خصوصًا في مواجهة ما يعتبرونه تهديدات من جماعات مثل الحوثيين في اليمن".
- ثانياً: المصالح الإماراتية... يمثل الاعتراف تتويجاً لاستراتيجية دولة الامارات طويلة الأمد. فقد اشارت صحيفة النهار  اللبنانية الى "الغياب اللافت للإمارات العربية المتحدة عن بيانات الإدانة" يندرج تحت إطار العلاقات الاستراتيجية القائمة بين أبوظبي وصوماليلاند.
- ثالثاً: الطموحات الإثيوبية... فيما ترى إثيوبيا في الاعتراف "رأس حربة في تطبيع الحضور الإثيوبي"، ويأتي ذلك في إطار مذكرة التفاهم بين إثيوبيا وصوماليلاند الموقعة في كانون الثاني 2024، والتي تهدف إلى منح أديس أبابا منفذاً بحرياً.
- رابعا : مخاوف الحوثيين... قال زعيم الحوثيين عبد الملك الحوثي، في بيان، إن الاعتراف الإسرائيلي يمثل "عدواناً على الصومال واليمن وأمن المنطقة"، معتبراً أن تل أبيب "تسعى إلى إيجاد موطئ قدم عسكري واستخباراتي" عند أحد أهم الممرات البحرية في العالم. وذهب أبعد من ذلك، حين لوَح باعتبار "أي وجود إسرائيلي في الإقليم هدفاً مشروعاً" لقوات جماعته.

 

▪︎ رفض عربي أفريقي

الى ذلك تشكلت جبهة رفض، تحتل مصر موقع الصدارة فيها، فقد حذر خبير الشؤون الأفريقية رامي زهدي، في حديثه لصحيفة النهار، من أن "الأمن القومي المصري والعربي بصفة عامة يمتد إلى القرن الأفريقي، باعتباره العمود الفقري الأمني للبحر الأحمر". وأضاف أن "أي تغيير في موازنات القوى في تلك المنطقة سينعكس مباشرة على مصر عبر البحر الأحمر وقناة السويس". أصدرت 21 دولة عربية وإسلامية، بالإضافة إلى منظمة التعاون الإسلامي، بياناً مشتركاً، رفضاً للاعتراف الإسرائيلي، معتبرين أن القرار "ينتهك القانون الدولي ويشكل تدخلاً في الشؤون الداخلية للصومال". وبالإستناد الى ميثاق الأمم المتحدة، فأن الاعتراف يشكل انتهاكاً صريحاً لمبادئ القانون الدولي. وشدد بيان جامعة الدول العربية "بطلان هذا الإجراء، والرفض الكامل لأي إجراءات تترتب على هذا الاعتراف". واعتبر المجلس الاعتراف "غير قانوني"، ووصفه بأنه "جزء من محاولات إسرائيل لزعزعة الأمن والسلم الدوليين". من جانبه، وصف مندوب الصومال الدائم لدى جامعة الدول العربية، السفير علي عبدي أواري،  الاعتراف بأنه "عمل عدواني واستفزازي، مرفوض جملة وتفصيلاً، ويشكل انتهاكاً فاضحاً وغير مسبوق للقانون الدولي". كما أكد رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي محمود علي يوسف، في بيان صحفي، "رفضه التام لأي اعتراف بسيادة أرض الصومال". ودعا، حسبما ورد في البيان، إلى "احترام الحدود الأفريقية"، قائلاً إن "أي محاولة لتقويض وحدة الصومال تنذر بإرساء سابقة خطيرة تهدد السلام والاستقرار في جميع أنحاء القارة". في ذات الاطار ، أبدى الاتحاد الأوروبي موقفاً حذراً، حيث قال الناطق باسم الشؤون الخارجية للاتحاد الأوروبي، أنور العنوني، في بيان، إن التكتل "يؤكد مجدداً أهمية احترام وحدة وسيادة وسلامة أراضي جمهورية الصومال الفدرالية". 

 

image_870x580_694f6c69bfcd7.webp

 

▪︎ تداعيات أمنية وعسكرية

وبحسب تحليلات الخبراء  يشكل الاعتراف، تهديداً مباشراً لأمن البحر الأحمر، فقد حذر خبير الشؤون الأفريقية رامي زهدي، أن "أي اضطرابات في البحر الأحمر أو باب المندب ستنعكس سريعاً على قناة السويس"، وأضاف أن ذلك قد يؤدي إلى "رفع تكلفة التأمين، أو تحول المسارات، أو تغير في تدفقات التجارة، مما يشكل ضغطاً على الاقتصاد المصري".
من جانبه، أشار الباحث خالد سعيد إلى "إمكانية إقامة قواعد عسكرية إسرائيلية أو أميركية في الإقليم"، مما يعني "مزيداً من الاختراق الإسرائيلي للقرن الأفريقي، وزيادة قدرة إسرائيل على توجيه ضربات عسكرية للحوثيين في اليمن". فيما برز تحذير زعيم الحوثيين من أن "أي وجود إسرائيلي في أرض الصومال سيكون هدفا عسكريا". وجاء هذا التهديد في إطار الحرب المستمرة بين الحوثيين وإسرائيل. كما حذر الخبراء من أن الاعتراف قد "يؤجج الصراع في منطقة القرن الأفريقي"، ويرى مراقبون أن المنطقة قد "تشهد صراعاً بالوكالة" بين المحور الإسرائيلي - الإماراتي من جهة، والمحور المصري - التركي - الصومالي من جهة أخرى.

 

▪︎ البعد الاقتصادي والمالي

تكمن تداعيات الاعتراف الإسرائيلي المنفرد في تطوير نموذج اقتصادي قائم على "تأجير السيادة"، حيث يشمل تأجير المجال الجوي لتدريبات القوات الأجنبية، وتأجير المياه الإقليمية للتدريبات البحرية الدولية، كما يمكن ان يبيع بيانات الرقابة البحرية للشركات الخاصة ، ومن المرجح أن تشهد هرجيسا مركز الأقليم الصومالي تحولاً نحو "النظام المالي الموازي"، حيث يمكن استخدام العملات الرقمية كعملة تداول موازية بعد إنشاء مناطق اقتصادية خاصة معفاة من القيود المالية الدولية ثم التحول إلى مركز لـ "التجارة الرمادية" بين آسيا وأفريقيا
وفق هذا المنظور، يشكل الاعتراف تهديداً مباشراً للاقتصاد الجيبوتي، وأشارت بعض التحليلات إلى أن "التوجه الإثيوبي نحو أرض الصومال سوف يفقد جيبوتي العديد من المزايا الاقتصادية خاصة أن أديس أبابا تعتمد في مرور أكثر من 95% من تجارتها مع العالم الخارجي على ميناء جيبوتي".

 

LY05Q.jpeg

 

▪︎ خطوة غير محسوبة

الى ذلك يُمثل الاعتراف الإسرائيلي "تحولاً جيوسياسياً كبيراً" في القرن الأفريقي، بما يمثل الموقف منه "اختباراً حقيقياً للتضامن العربي والإفريقي" وعلى خط مواز يشكل الاعتراف "تهديداً مباشراً للنظام الإقليمي العربي"، مع ذلك قد يتحول الاعتراف الإسرائيلي إلى عامل ضغط على هرجيسا نفسها، إذ سيضعها في قلب استقطاب إقليمي حاد بين محاور متنافسة، ويقيد قدرتها على توسيع شراكاتها العلنية، بدلا من أن يفتح لها باب الشرعية الدولية الذي تراهن عليه، كما ينذر تكريس الاعتراف من دون غطاء دولي أو إقليمي كافٍ بزيادة وتيرة التوتر في البحر الأحمر والقرن الأفريقي. وفق ما تقدم، يبدو من الممكن القول، ستظل خطوة الاعتراف بإقليم "أرض الصومال" غير ملائمة في واقع القرن الأفريقي بسبب تعقيدات التفاعلات الدولية والإقليمية، ومن المتوقع الاستمرار في نهج الحصول على مزيد من المكاسب والفرص الاقتصادية والاستثمارية والأمنية في الإقليم مقابل انفراجة في الاعتراف الدولي وإن كان ذلك يترتب عليه تفاقم الخلافات الإقليمية في القرن الأفريقي بما يزعزع الأمن والاستقرار الإقليمي هناك خلال المرحلة المقبلة.

جميع الحقوق محفوظة | © 2024 مراصد

برمجة وتطويرID8 Media