الساعة الان

07:28 ص

logo
الصراعات المسلحة لعام 2025..  تجدد الحروب ينذر بإنهيار النظام العالمي

الصراعات المسلحة لعام 2025.. تجدد الحروب ينذر بإنهيار النظام العالمي

الصراعات المسلحة لعام 2025..  تجدد الحروب ينذر بإنهيار النظام العالمي

مراصد

13‏/1‏/2026، 1:14:03 م

في نسخته للعام 2025، أصدر المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية، أحد أبرز مراكز الابحاث العالمية في مجال التحليل الاستراتيجي، تقريره السنوي تحت عنوان "مسح الصراعات المسلحة" كمورد حيوي لفهم التحولات الجيوسياسية والعسكرية العميقة. 

 

يقدم التقرير تحليلا استباقيا غير مسبوق في لحظة فارقة من عدم الاستقرار العالمي، ليكون اداة لا غنى عنها لصناع القرار وقادة الاعمال على السواء. يهدف هذا الاصدار المنهجي تحقيق غايات جوهرية، تتمثل بتوفير تحليلات موثوقة وشاملة للاتجاهات الناشئة، من عودة الحرب بين الدول الى تآكل النظام الدولي القائم على القواعد، ورصد التحديات الاستراتيجية مثل تصاعد نفوذ الجماعات المسلحة غير الحكومية كفاعل شبه دولة. كما يسلط الضوء على التكاليف الانسانية والاقتصادية الباهظة للصراعات المستعصية، مقدما اطارا لادراك المخاطر واعادة تعريف اولويات العمل الدولي. يمثل هذا التقرير مرجعا اساسيا لاستشراف افاق الصراعات في مناطق مثل الشرق الاوسط التي تشهد تحولات جيوسياسية عميقة، مما يمكن من تطوير استراتيجيات دبلوماسية وامنية أكثر فعالية ودراية. اما للشركات الكبرى والمستثمرين في الاقتصادات العالمية، فان التقرير يعد خريطة طرق لاكتشاف المخاطر النظامية والفرص في الاسواق الناشئة. فهو يحلل كيف تشكل الصراعات سلاسل التوريد العالمية، وتعيد رسم خرائط الطرق التجارية، وتخلق بيئات تنظيمية متقلبة. ان فهم هذه الديناميكيات، خاصة في منطقة حيوية ومتقلبة، لم يعد مجرد مسألة ادارة مخاطر، بل أصبح شرطا اساسيا لضمان المرونة الاستراتيجية والاستمرارية التشغيلية في عالم تتقاطع فيه الجغرافيا السياسية بالاقتصاد بشكل غير مسبوق. ويساهم المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية من خلال هذا التقرير في تعزيز النقاش العالمي المستند الى البيانات وتقديم رؤى محايدة تدعم جهود بناء السلام والاستقرار في عالم تتزايد تعقيداته.

 

▪︎ الغوص في دوامة العنف

يكشف "مسح الصراعات المسلحة 2025" عن عالم يغوص في دوامة من العنف المتصاعد والاضطراب الجيوسياسي الحاد. فقد ارتفع عدد الوفيات الناجمة عن الاحداث العنيفة عالميا بنسبة 23% ليصل الى ما يقرب من 240 ألف حالة، في مؤشر صارخ على تدهور الامن الدولي، لم تكن الصراعات الطويلة في اوكرانيا والسودان وميانمار كافية، بل شهدت الفترة بروز حرب مباشرة بين اسرائيل وإيران، واعادة تصعيد بين الهند وباكستان، واستمرار توسع الجماعات المسلحة غير الحكومية والميليشيات الاجرامية من الامريكيتين الى افريقيا. ويخصص التقرير تحليلات موسعة لأبرز الاتجاهات على النحو الاتي :
- اولا: عودة الجغرافيا السياسية والحرب بين الدول... لم يعد الصراع حكرا على الحروب الاهلية، فقد اعلنت الحرب في اوكرانيا، ثم التصعيد الاسرائيلي الايراني المباشر، وكذلك الحرب الهندية الباكستانية القصيرة، عودة الدولة كفاعل مركزي في الصراع المسلح. لقد تم تسيس الصراعات بشكل كامل، حيث اصبحت ساحات للتنافس بين القوى العظمى والاقليمية.
- ثانيا: انهيار النظام الدولي القائم على القواعد...
يتسارع تآكل النظام الليبرالي الذي نشأ بعد الحرب العالمية الثانية، فسياسات "امريكا اولا" تحت قيادة ترامب، والانسحاب من المؤسسات متعددة الاطراف، والانتهاكات الواسعة للقانون الانساني الدولي في ساحات متعددة مثل غزة واوكرانيا، جميعها تقوض شرعية وآليات الحوكمة العالمية. ويعاني مجلس الامن الدولي، في ذكرى مرور ثمانين عاما على تأسيسه، من شلل شبه كامل.

 

Ukrain.webp


- ثالثا: اتساع الهوة بين الاحتياجات الانسانية والمساعدات... بينما تتصاعد الاحتياجات الانسانية الى مستويات قياسية وصلت الى 300 مليون شخص، تشهد ميزانيات المساعدة الانمائية تخفيضات جذرية، خصوصا لدى الولايات المتحدة وعدد من المانحين التقليديين. هذا التراجع يخلق فراغا خطيرا يهدد بتفاقم جذور الصراع ويمنح القوى الصاعدة فرصة لتعزيز نفوذها.
- رابعا: صعود قوة الجماعات المسلحة... فقد تحولت هذه الجماعات الى كيانات شبه دولة ذات طموحات سياسية واقتصادية، تفرض الضرائب وتقدم الخدمات وتسيطر على اراض وشعوب. وتحالفاتها العابرة للحدود ومحافظها الاقتصادية المتنوعة تمنحها نفوذا يعقد جهود مواجهتها ويقوض سيادة الدولة.
- خامسا: تأثير الحرب على المدنيين... يدفع المدنيون الثمن الاكبر. فقد ارتفعت الوفيات بينهم بنسبة 40 %، ووصل عدد النازحين قسرا الى 122 مليون شخص. وتآكلت مبادئ القانون الانساني الدولي، حيث بات المدنيون والاطفال والنساء مستهدفين بشكل واسع، وبرزت غزة باعتبارها الساحة الاكثر دموية بالنسبة للأطفال عالميا.

 

▪︎ نزاعات متجددة

خصص التقرير فصلا موسعا لتحليل تداعيات النزاعات المسلحة في منطقة الشرق الأوسط، حيث شهدت المنطقة خلال فترة التقرير تصاعداً حاداً في حدة الصراع المسلح، فقد امتدت الحرب بين إسرائيل وحماس لتشمل مناطق إقليمية متعددة، وتوج هذا التصعيد بمواجهة جوية مباشرة استمرت 12 يوماً بين إسرائيل وإيران. وقد أسفرت العملية العسكرية الإسرائيلية في لبنان عن إضعاف حزب الله بشكل كبير، كما أدى سقوط نظام الأسد في سوريا إلى إعادة تشكيل الخريطة الجيوسياسية الإقليمية. كما ساهم استمرار نشاط الجماعات المسلحة غير الحكومية، إلى جانب ضعف الحوكمة والضغوط الإنسانية المتصاعدة، في ترسيخ حالة انعدام الأمن بالمنطقة، حسب رؤية معدي التقرير، وقد أدى الترابط الإقليمي وتعقيد التحالفات إلى امتداد تداعيات أزمة غزة إلى عدة ساحات، في إطار صدام إقليمي أوسع بين إسرائيل وإيران وحلفائهما، وبرزت إسرائيل كقوة مهيمنة رغم تزايد الإدانة الدولية لأساليبها العسكرية، بينما مني "محور المقاومة" الإيراني بسلسلة من الهزائم الإستراتيجية. وشكلت الحرب الإسرائيلية-الإيرانية المباشرة نقطة تحول تاريخية في نمط الصراعات بالمنطقة.

 

advance_content_ma_hy_alhrob_althlath_alty_tntthr_sorya_180927151503_b_all.webp

 

▪︎ تحولات إقليمية

حدد المسح السنوي عددا من نماذج ما وصف بالتحولات الإقليمية، تمثلت في :
- أولا: المواجهة مع حزب الله...  شنت إسرائيل عملية عسكرية شاملة ضد حزب الله في خريف 2024، أسفرت عن مقتل معظم القيادة بما فيها الأمين العام حسن نصر الله، وتدمير كبير للقدرات العسكرية.
- ثانيا: انهيار النظام السوري... استغلت هيئة تحرير الشام ضعف حزب الله وسقوط نظام الأسد للسيطرة على دمشق، فيما استغلت الجماعات المدعومة تركياً الفرصة للاستيلاء على أراضٍ من قوات سوريا الديمقراطية.
- ثالثا: الضربات الإسرائيلية على إيران... في حزيران 2025، شنت إسرائيل بمساعدة أمريكية ضربات مكثفة على المنشآت النووية الإيرانية والقادة العسكريين، مما أسفر عن مقتل أكثر من 900 إيراني بينهم قادة وعلماء وإلحاق أضرار جسيمة بالبرنامج النووي.
- رابعا: امتداد الصراع... توسعت المواجهات لتشمل الضفة الغربية واليمن والعراق، مع استمرار استهداف الملاحة في البحر الأحمر.

 

▪︎ التقدير الاستراتيجي

ويتوقف التحليل عند هذه التطورات التي أدت الى انهيار نظام الردع التقليدي بين إسرائيل وإيران وبلور تحولا في هندسة التحالفات الإقليمية من خلال بروز نماذج جديدة من الكيانات، وتستلزم هذه التحولات تطوير أدوات تحليلية جديدة لفهم الديناميكيات الناشئة وإدارة التعقيدات المتزايدة في المشهد الإستراتيجي للمنطقة، وفي ظل البيئة الصراعية شديدة التعقيد التي يرسمها "مسح الصراعات المسلحة 2025"، تبرز مجموعة من المؤشرات الحرجة التي تتطلب رصداً مستمراً وتحليلاً دقيقاً، إذ تشكل هذه المؤشرات نظام الإنذار المبكر للتحولات الاستراتيجية الكبرى لعل ابرزها :
- أولا: مستوى التصعيد بين إيران وإسرائيل كمؤشر رئيسي لاستقرار النظام الأمني الإقليمي، حيث أن أي تطور في الملف النووي الإيراني أو تغير في تحالفات "محور المقاومة" سيكون له تداعيات إقليمية وعالمية بالغة. كما تشكل تحركات القوات الروسية تجاه حلف الناتو مؤشراً حاسماً لاستقرار النظام الأمني الأوروبي، خاصة في ظل التطورات المتسارعة في الحرب الأوكرانية والتغير في موازين القوى الإقليمية.
- ثانيا: تطور البرنامج النووي الكوري الشمالي مؤشراً عالمياً بالغ الأهمية، حيث أن أي تقدم في القدرات الصاروخية أو النووية الكورية الشمالية سيؤثر على الاستقرار الاستراتيجي في آسيا والمحيط الهادئ. كما أن استقرار النظام السعودي ودول الخليج يشكل مؤشراً حيوياً لأمن الطاقة العالمي واستقرار الأسواق المالية الدولية. 
- ثالثا: تحركات الجماعات المسلحة غير الحكومية في الساحل الأفريقي والقرن الأفريقي التي تكتسب أهمية متزايدة كمؤشر لاتساع رقعة الفوضى المنظمة. بناء على تحليل المؤشرات والاتجاهات، يمكن تقدير أن العالم يدخل مرحلة انتقال استراتيجي خطيرة تتميز بتفكك النظام الدولي القائم وغياب البديل الواضح. لقد تجاوزت ديناميكيات الصراع الحالية قدرة الآليات التقليدية لإدارتها، حيث تحولت الفواعل غير الحكومية من مجرد مضطرين تكتيكيين إلى لاعبين استراتيجيين قادرين على إعادة تشكيل البيئة الجيوسياسية. كما أن ظاهرة "الفوضى المنظمة" لم تعد مجرد مفهوم نظري بل أصبحت واقعاً ملموساً تدار بعقلية استراتيجية متطورة.
- رابعا: مرور النظام العالمي بمرحلة "ما بين العهود" حيث تتصارع أنظمة دولية متعددة في وقت واحد، مع غياب أي قوة مهيمنة قادرة على فرض نظامها. كما أن التقنيات الناشئة وتطور أدوات الحرب الهجينة جعلت التمييز بين السلم والحرب أمراً بالغ الصعوبة. والأهم من ذلك، أن التقدير يظهر أن القدرة على فهم وإدارة التعقيد أصبحت العامل الحاسم في تحقيق التفوق الاستراتيجي، وليس مجرد امتلاك القوة العسكرية أو الاقتصادية.

 

Women_in_war.jpg

 

▪︎ إعادة هيكلية

في ضوء هذا التقدير، تبرز الحاجة إلى إعادة هيكلة جذرية لأنظمة الأمن القومي وآليات صنع القرار الاستراتيجي. يجب أن تتحول الأولوية من مواجهة التهديدات التقليدية إلى تطوير أدوات استباقية لفهم وتحليل تحركات الفاعلين غير الحكوميين ككيانات استراتيجية وليس كجماعات متمردة تقليدية. كما يتعين تطوير أنظمة إنذار مبكر مرنة قادرة على رصد المؤشرات غير التقليدية والربط بين التطورات في مسارات متباعدة. على المستوى العملياتي، يجب تطوير قدرات الحرب الهجينة المتكاملة التي تجمع بين الأدوات العسكرية والدبلوماسية والاقتصادية والمعلوماتية في حزمة واحدة. كما يجب بناء تحالفات مرنة قادرة على الاستجابة السريعة للتحديات الناشئة، مع تطوير آليات تعاون استخباراتي غير تقليدية تركز على تحليل البيانات الضخمة والذكاء الاصطناعي.
التوصية الأهم تتمثل في ضرورة الانتقال من ثقافة رد الفعل إلى ثقافة الاستباق الاستراتيجي، حيث يتم تطوير سيناريوهات متعددة للتحولات المحتملة وإعداد خطط طوارئ مرنة. وأخيراً، يجب الاستثمار في حروب الأفكار والصراع على الشرعية كمجال حاسم من مجالات المواجهة الاستراتيجية في القرن الحادي والعشرين. قدم التقرير توصيات متعددة، من اهمها لصناع السياسات: تطوير ادوات دبلوماسية واقتصادية جديدة للتعامل مع واقع الصراع متعدد الابعاد، واعطاء اولوية لحماية المدنيين واحترام القانون الانساني الدولي. وللمجتمع الدولي: اصلاح آليات الحوكمة العالمية وتطوير نماذج فعالة لحفظ السلام والاستجابة الانسانية. ولقطاع الاعمال: جعل تحليل المخاطر الجيوسياسية جزءا اساسيا من التخطيط الاستراتيجي وتعزيز مرونة سلاسل التوريد. بناء على ما تقدم، لا يقدم "مسح الصراعات المسلحة" في ذكراه العاشرة تشخيصا قاتما فحسب، بل يضع امام صناع القرار خريطة طريق لفهم تعقيدات العالم وتحدياته المتسارعة.

جميع الحقوق محفوظة | © 2024 مراصد

برمجة وتطويرID8 Media