
النووي المؤجل وراء الإنهيار المالي... غليان يسبق الإنفجار وطهران تراهن على دبلوماسية النفس الطويل

مراصد
14/1/2026، 11:50:22 ص
بالتزامن مع ماتشهده كبريات المدن الإيراني من غليان بات يقترب من حافة الإنفجار، وسط تصاعد موجات الإحتجاجات الشعبية الغاضبة جراء الإنهيار المالي والإقتصادي وتهاوي العملة، يتصاعد المشهد المحيط بالملف النووي الإيراني بلغ حد الإقتراب من حافة الهاوية العسكرية مع محاولات الإبقاء على مسار دبلوماسي هش.
فبعد الضربات العسكرية الأمريكية الإسرائيلية في حزيران 2025 - التي استهدفت البنية التحتية النووية الإيرانية والإطار القيادي والعلمي تشير تحليلات "المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية" (IISS) إلى بروز معادلة استراتيجية جديدة تفرض وقائع مغايرة على جميع الأطراف الفاعلة. أبرز ما في هذا المشهد تكرار قراءة صور الأقمار الصناعية من قبل مركز الدراسات الدولية والاستراتيجية في واشنطن (CSIS)، مؤكدة ما صرح به المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية، رافائيل غروسي، عن قيام إيران بتشييد "موقع ثالث لتخصيب اليورانيوم بالقرب من أصفهان"، مشيرا إلى وجود نفق تحت الأرض شمال أصفهان مباشرة، ومن المرجح أن يكون موقع منشأة التخصيب الجديدة. ومما زاد من حدة هذه المخاوف، أن نائب الرئيس الأمريكي، جيه دي فانس، أشار في 24 حزيران إلى أن إيران لا تزال على الأرجح تمتلك مخزونها الحالي البالغ 400 كيلوغرام من اليورانيوم عالي التخصيب (HEU) المخصب بنسبة 60%. ومن المرجح أن تتطلب الجهود الإيرانية المستقبلية لبناء سلاح نووي موقع تخصيب جديدا قادرا على إنتاج يورانيوم مخصب بنسبة 90%، وتوسيع قدرة تجميع أجهزة الطرد المركزي، ومنشآت تعدين لإنتاج سادس فلوريد اليورانيوم!

غير أن هذا التحول نحو التفاوض لا يحمل في طياته بواعث تفاؤل، بل يبقى محفوفا بالمخاطر والشكوك، فإيران، من جانبها، تدخل المفاوضات من موقع أضعف عسكريا واقتصاديا، لكنها تصرح بأنها "لن تتنازل عن حقوقها"، معتمدة استراتيجية المماطلة كخيار استراتيجي للتعويض عن خسائرها وكسب الوقت لإعادة بناء قدراتها. أما الغرب، فيسعى لتحويل نجاحه العسكري إلى مكاسب سياسية دائمة، لكنه يحذر من معضلة ضمان التزام إيران بأي اتفاق جديد في ظل انعدام الثقة العميق. من هنا يمكن تتبع أبرز مسارات التحول في خطوط متوازية ما بين المواجهة العسكرية المحتملة مرة أخرى والجهود التي تبذل من مصر ومسقط وسويسرا لتنشيط المسار الدبلوماسي في خطوات ما زالت غير قادرة على الوصول إلى تلك الصفقة التي ترضي الأطراف المتنازعة.
▪︎ الإنحناء أمام العاصفة
شكلت حرب حزيران 2025 منعطفا حاسما في التوازنات العسكرية الإقليمية، يؤكد "المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية" (IISS) أن الضربات الأمريكية الإسرائيلية قد كشفت عن هشاشة غير متوقعة في المنظومة الدفاعية الإيرانية، فلم تكن الخسائر مادية فحسب، بل امتدت إلى البنية التحتية البشرية للنظام، حيث فقدت إيران جيلا كاملا من القادة العسكريين والعلماء النوويين الذين كانوا يحملون "مفاتيح السلطة المستقبلية"، هذه الخسارة ستؤثر - حسب التقرير - على قدرات إيران العسكرية لسنوات قادمة، وستعيق عملية إعادة الإعمار في المدى المنظور. ويكشف ألكسندر بولفراس في تحليله لـ "IISS" أن عملية الاغتيالات المستهدفة أظهرت ثغرة أمنية كارثية في أجهزة الاستخبارات الإيرانية، حيث نجحت إسرائيل في تنفيذ "أكبر عملية مضادة للتجسس في العالم الحديث"، واخترقت دوائر الاتصال والمعلومات حول القيادة الإيرانية عبر سنوات من التخطيط، هذه العملية توضحها صحيفة "لو فيغارو" الفرنسية، بأنها اعتمدت على تغذية الشبكات الإيرانية بمعلومات حقيقية ومضللة، مما جعل النظام غير قادر على تمييز الصديق من العدو. وهذا ما يفسر - بحسب التحليل - حالة الشلل التي أصابت المؤسسة الأمنية عندما "كان كبار المسؤولين العسكريين والأمنيين ينامون في سياراتهم" هربا من الاغتيالات. رغم هذه الضربات الموجعة، يبين جون رين في "IISS" أن النظام الإيراني لم ينهار كليا، بل بدأ في اعتماد استراتيجيات جديدة للتعامل مع الواقع الجديد، حيث انتقلت إيران إلى "سياسة الانحناء أمام العاصفة" مؤقتا، مع العمل على إعادة بناء قدراتها في الخفاء. وقد تجلى هذا في عودة الحرس الثوري إلى نمط العمل السري الذي كان سائدا عند تأسيسه في الثمانينيات، مع فصل الجهاز العسكري عن السياسي وإعادة تنظيم هرمي يضمن عدم معرفة الأعضاء سوى النذر اليسير عن بعضهم البعض. وبحسب "المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية"، يبدو المشهد العسكري الإيراني في مرحلة ما بعد حزيران 2025 مشهدا متناقضا: من جهة، هناك إصرار على إظهار القوة والاستعداد كما في تصريحات المسؤولين العسكريين، ومن جهة أخرى، هناك واقع جديد مفروض يتمثل في تراجع القدرات وفقدان الردع التقليدي، المعادلة الأصعب التي تواجه طهران الآن هي كيفية الموازنة بين الحاجة إلى إعادة البناء العسكري وضرورة تجنب استفزاز ضربات جديدة، في وقت يزداد فيه الغرب إصرارا على منعها من الوصول إلى العتبة النووية.

▪︎ الانهيار الاقتصادي
يكمل "المجلس الأطلسي" الصورة الاقتصادية بإضافة أبعاد كمية دقيقة، حيث يكشف أن "إيرادات النفط الإيراني انخفضت بنسبة 62% منذ عام 2023"، وتقلصت "الاحتياطيات الأجنبية إلى أقل من 20 مليار دولار"، فيما فقد "القطاع الخاص أكثر من 400,000 وظيفة في النصف الأول من 2025"، ويضيف التقرير تحليلا مهما لـ"اقتصاد الظل"، مبينا أن حجم التهريب عبر الحدود يقدر بنحو 8 مليارات دولار سنويا من خلال "شبكات التحويل غير الرسمية تعالج 30% من التحويلات المالية" ويقدر أن "الاقتصاد الموازي يشكل 35% من الناتج المحلي الإجمالي". ويحذر الخبير الاقتصادي أميد شكري من أن قطاع النفط - شريان الحياة للاقتصاد الإيراني - يواجه التهديد الأكبر، حيث أن "كل دولار يخصم من سعر برميل النفط يعني خسارة تقدر بنحو نصف مليار دولار من العائدات السنوية". هذا التحذير يأتي في وقت تشير فيه التقارير إلى أن إيران تعتمد اعتمادا كبيرا على صادرات النفط إلى الصين، التي تساهم وحدها بنحو ربع الناتج المحلي الإجمالي.
لكن شكري يؤكد أن حتى هذا الشريان الحيوي لم يعد آمنا، حيث أن الصين "قد تتخذ موقفا أكثر تشددا تجاه النفط الإيراني" إذا سعت إلى تخفيض التوتر مع إدارة ترامب، سواء عبر "المطالبة بتخفيضات أكبر في الأسعار أو بوقف الواردات بالكامل". هذا السيناريو سيكون "مدمرا" للاقتصاد الإيراني وفقا للتحليل نفسه. وبحسب تحليل "المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية"، يبدو المشهد الاقتصادي الإيراني أقرب إلى ساعة الرمل التي تقترب من نهايتها، حيث تتراكم التحديات وتتقلص الخيارات، فيما يزداد المواطن الإيراني احتقانا وغضبا، والذي أشعل موجة احتجاجات جديدة قد لا يستطيع النظام احتوائها هذه المرة.
▪︎ استراتيجية المماطلة
يربط "المجلس الأطلسي" بين استراتيجية المماطلة والتكاليف التراكمية، حاسبا أن إيران خسرت "180 مليار دولار من الناتج المحلي منذ 2018"، كما يشير إلى "هجرة 400,000 من الكفاءات العلمية" و"انهيار 40% من القطاع الصناعي". هذه الأرقام توضح الثمن الباهظ لاستمرار سياسة المماطلة. ويبين الباحث مصدق بور أن هذه الاستراتيجية تطورت عبر سنوات من التجارب التفاوضية، حيث أن إيران "لم تعد ترى فائدة في الاتفاقات السابقة، بما فيها اتفاق القاهرة الأخير"، وبدلا من ذلك تسعى لـ"اتفاق جديد بشروط جديدة، يقوم على قاعدة خطوة مقابل خطوة". هذا الموقف لا يعكس - حسب التحليل - مجرد تشدد تفاوضي، بل يمثل رؤية استراتيجية تقوم على إعادة التفاوض المستمر لتحقيق مكاسب تراكمية. في هذه المقاربة، كشف "المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية" عن الآلية التنفيذية لهذه الاستراتيجية، حيث تعتمد طهران على "اللغة المزدوجة: دبلوماسية عراقجي الناعمة في العلن، وتهديدات باحثين ومسؤولين تتحدث عن الرد بالصواريخ في الخفاء". هذا الازدواج يمكن إيران - حسب التقرير - من الحفاظ على قنوات اتصال مفتوحة مع الغرب مع الاستمرار في تطوير برامجها العسكرية والنووية. وقد برعت طهران - كما يذكر بور - في استغلال الانقسامات الدولية لصالح استراتيجية المماطلة، حيث أن "ميزان القوى داخل مجلس الأمن يمكن أن يعمل لصالحها" بفضل الدعم الروسي الصيني، مما يمنحها "مظلة ردع سياسية تتيح لها مساحة مناورة أكبر في مواجهة الغرب". هذا التحليل يتطابق مع ما ذكرته "لو فيغارو" عن أن "الإيرانيين وصلوا للسيطرة على الوضع بعد أسبوعين من الفوضى" بمساعدة الدعم الإيراني.
تمثل استراتيجية المماطلة الإيرانية نموذجا معقدا للدبلوماسية في القرن الحادي والعشرين، حيث تتحول المفاوضات من ساحة للتوصل إلى اتفاق إلى مسرح للصراع الاستراتيجي طويل الأمد. فالتحليل يخلص إلى أن "إيران ما زالت تراهن على أن الوقت في صالحها، وأن كل شهر إضافي من المفاوضات يمنحها قدرة أكبر على تثبيت أمر واقع نووي يصعب التراجع عنه". هذا الرهان المحفوف بالمخاطر قد يحد مستقبل المنطقة لعقود مقبلة.

▪︎ الغليان والانفجار المؤجل
يبدو المشهد الداخلي الإيراني كجسد متعب يرفض السقوط، إذ تتصارع فيه قوى الإصلاح والتغيير مع منظومة أمنية مغلقة ترى في أي إصلاح تهديدا وجوديا. لذلك، فإن مفهوم "البقاء" في الحالة الإيرانية لا يقوم على الاستقرار، بل على إدارة الانهيار. ويقول الباحث الإيراني المنفي أمير طاهري إن "النظام يعيش من خلال أزماته، لا رغمها". النتيجة التي يمكن استخلاصها أن إيران لا تنهار لأنها لم تبن مؤسسات تسمح بالانهيار المنظم، لكنها أيضا لا تزدهر لأنها لا تملك مرونة التغيير. فهي عالقة في منطقة رمادية بين البقاء المتآكل والانهيار المؤجل، حيث كل أزمة تنتج أدوات بقاء جديدة، وكل إصلاح محتمل يتحول إلى تهديد وجودي للنظام ذاته. في هذا السياق، تتشكل السيناريوهات المستقبلية للجمهورية الإسلامية الإيرانية على محور دقيق يجمع بين هشاشة البنية الداخلية وتعقيدات التوترات الإقليمية والدولية، حيث تواجه ثلاث مسارات محتملة، كل منها يحمل تداعيات إستراتيجية كبيرة على الداخل والخارج، وهو ما أشار إليه معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى الذي وصف الوضع الإيراني بأنه "على مفترق طرق بين استقرار مصطنع وانفجار محتمل". أول السيناريوهات هو الانهيار التدريجي: حيث تستمر إيران في إدارة أزماتها الاقتصادية والسياسية عبر أدوات القمع المؤسسي والاقتصاد الموازي، بما يشمل شبكات الحرس الثوري والولاء الديني. وفقا لتقرير صندوق النقد الدولي، فإن الانكماش الاقتصادي المستمر، وارتفاع معدلات البطالة والفقر، سيؤدي إلى تآكل الطبقة الوسطى، ما يجعل النظام يعتمد بشكل أكبر على القوة القسرية للحفاظ على السيطرة.
السيناريو الثاني، الانفجار الاجتماعي المفاجئ: يحدث عند تلاقي عدة عوامل داخلية وخارجية، مثل أزمة اقتصادية حادة، احتجاجات شبابية واسعة، أو ضغوط دولية مستمرة. كما أظهرت احتجاجات 2022 بعد مقتل مهسا أميني، فإن المجتمع الإيراني قادر على الانفجار بسرعة عند نقطة الغليان الاجتماعي، وهو ما وصفه "مصطفى تاج زاده" بأنه "الانفجار المؤجل منذ عقدين". هذا السيناريو قد يشمل انشقاقات في صفوف الحرس الثوري أو النخبة السياسية، ويؤدي إلى فراغ سلطة مؤقت يفتح المجال لتغيير جذري، سواء داخليا عبر إصلاحات عميقة أو خارجيا عبر تدخلات إقليمية.

السيناريو الثالث، التحول التدريجي أو التكيف الاستراتيجي، الذي يوازن بين الانهيار والبقاء: يسعى النظام لإعادة صياغة هيكله الداخلي، مع إدخال إصلاحات محدودة اقتصاديا وسياسيا، بينما يحافظ على السيطرة الأمنية والسياسية. يشير تقرير مركز ستراتفور الأمريكي إلى أن إيران قد تتبنى هذا المسار عبر تعديل شبكة الولاءات الداخلية وتحويل الأزمات إلى أدوات ضغط دولية، بحيث تتحول التحديات الاقتصادية والسياسية إلى أوراق تفاوضية في العلاقات الإقليمية والدولية.








