
تحذيرات أممية مبكرة... حلول ومعالجات لتمكين العراق من مواجهة أزمة شح المياه

مراصد
21/1/2026، 12:19:31 م
توالت تحذيرات تقارير الأمم المتحدة للمياه (UN-Water) من أن ندرة المياه أصبحت أحد أخطر مضاعفات تغير المناخ وأكثرها قابلية للتحول إلى أزمات اجتماعية وسياسية، خاصة في منطقة الشرق الأوسط وفي مقدمتها العراق على إمتداد مساحته الجغرافية الكبيرة.
مؤكدة على أن"تراجع الإدارة قد يكون أخطر من الشح الطبيعي ذاته." من هذا المنطلق، يمكن تفسير مفهوم "العطش السياسي" القائم على فشل إدارة الموارد المائية بشكل عادل وكفوء، مقابل مصفوفة تحلية المياه المستدامة، ليس كحل تقني فحسب، بل كمشروع سياسي واقتصادي متكامل، على معالجة هذا العجز، وتعزيز هذا العرض من خلال تحليل حالة العراق كوقائع اعتمدت في وثائق وتقارير مؤسسات دولية رصينة.
▪︎ أزمة متفاقمة
يواجه العراق أدنى احتياطيات مائية منذ أكثر من 80 عاماً، حيث انخفضت من حوالي 18 مليار متر مكعب إلى حوالي 10 مليارات اليوم، وفقاً لتحليل تشاثام هاوس البريطاني. هذه الأزمة الكمية يقابلها تدهور نوعي. فيما كشف تقرير لصحيفة الغارديان، من خلال قصة شخصية مؤثرة، عن بُعد إنساني وروحي عميق لأزمة المياه في العراق، يتجاوز الأرقام والإحصاءات ليلامس صميم الهوية والوجود. يقدم التقرير، من خلال حوار مع الشيخ نظام كريدي الصباحي، زعيم ديني للمندائيين، صورة عن كيف أن تدهور نهر دجلة لا يهدد مورداً طبيعياً فحسب، بل يهدد ثقافة عمرها آلاف السنين ووجود طائفة دينية كاملة، فكما يصف الشيخ : "لديننا، أهمية الماء كالهواء... كل الحضارة وكل القصص التي تسمعها، تعتمد على هذين النهرين. إنه أكثر حتى من الروحانية." يربط التقرير بشكل مؤثر بين الماضي العريق لحضارة ارض الرافدين والحاضر المأساوي، مشيراً إلى أن "الحياة سوف تتغير بشكل جوهري" للمجتمعات القديمة على ضفاف النهر إذا لم يتخذ إجراء عاجلاً.

▪︎ أسباب الأزمة
يمكن اعتبار أزمة المياه في العراق نتاج ثلاث عوامل رئيسة تتفاعل معاً. أولها الحصار الجيوسياسي الإقليمي، بعد أن "أدت السدود التركية والإيرانية الرئيسية إلى انخفاض كمية المياه الواصلة إلى بغداد بنسبة 33% خلال العقود الثلاثة الماضية" كما أفادت الغارديان، فضلاً عن أن الفساد قد "خلق فرصاً لتركيا وإيران للضغط من أجل صفقات تخدم أولوياتهما الخاصة" مما يحول الموارد الوطنية إلى أوراق مساومة. فيما يتمثل العامل الثاني في التدمير الممنهج والتفكك الداخلي، فقد كان لدى العراق "بنية تحتية للمياه متطورة حتى جعلتها الولايات المتحدة هدفاً في عملية عاصفة الصحراء عام 1991، مع تدمير محطات المعالجة، تدفقت مياه الصرف الصحي إلى المجاري المائية ولم تتعافَ البنية التحتية أبداً" حسبما وثقت الغارديان. يقترن هذا التاريخ بنظام حوكمة فاشل، حيث "تعمل معظم شبكة الري التي تعود إلى سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي بكفاءة تبلغ حوالي 60% فقط، مع خسائر هائلة" وفقاً لتشاثام هاوس. أما العامل الثالث، فيخضع لمتغيرات المناخ كمضاعف للخطر، حيث يسجل العراق "انخفاضاً بنسبة 30% في هطول الأمطار وهو في قبضة أسوأ جفاف منذ ما يقرب من قرن" مما يضع النظام المائي الهش تحت ضغط لا يحتمل. لكن كل ذلك لم يعجل بخطوات الاحتواء الاستراتيجي والتخطيط المستقبلي، فكانت المفارقة في الحلول المطروحة ما بين الردود الآنية والتبعية. في استجابة الحكومات بمشاريع ضخمة مثل تحلية مياه البصرة في(الفاو)، لكنها تكرس نمط الرد الآني.
كانت الإشكالية الأكثر جدلاً في اللجوء إلى اتفاقيات مثل تلك الموقعة مع تركيا في تشرين الثاني 2024، التي وصفت بأنها "نفط مقابل ماء".
▪︎ رهان التحلية
يعرف "العطش السياسي" بأنه الحالة التي ينتج فيها نقص المياه بشكل أساسي عن سوء السياسات وضعف الحوكمة والصراعات العابرة للحدود، وليس عن الندرة المطلقة. تشرح دراسات منظمة اليونسكو أن ندرة المياه تتفاقم عندما تفشل المؤسسات في تلبية احتياجات المجتمعات أو تدار الموارد بشكل غير عادل، مما يحول التحدي البيئي إلى أزمة سياسية واجتماعية متفاقمة. بدوره، يوضح تقرير البنك الدولي الرئيسي بعنوان "اقتصاديات شح المياه في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا" أن هذا الفشل المؤسسي غالباً ما يكون أشد خطراً من الشح المادي نفسه، حيث يحول المياه من حق أساسي مكفول إلى أداة للنفوذ وورقة في الصراعات الإقليمية والمحلية. يتجلى هذا "العطش" في ممارسات مثل الإدارة المركزية الشديدة التي تهمش المجتمعات المحلية، وغياب الشفافية في تخصيص الحصص المائية، واستخدام المياه كوسيلة للضغط السياسي. في مواجهة هذا التحدي المزدوج - البيئي والسياسي - تنشأ الحاجة الملحة إلى حلول تقنية لا تعالج العرض فحسب، بل تكون مستدامة في جوهرها. هنا يأتي دور تحلية المياه المستدامة. تعرف التحلية المستدامة بأنها عملية إنتاج مياه عذبة من المصادر المالحة أو قليلة الملوحة (كالبحر والمياه الجوفية المسوسة)، ولكن ضمن نموذج متكامل يراعي ثلاثة أركان أساسية: البيئة، والاقتصاد، والطاقة.
أولاً، البيئة: تشير الدراسات التقنية إلى ضرورة معالجة النفايات المركزة الناتجة (المحلول الملحي) لمنع تلويث الأنظمة البحرية الساحلية الحساسة.
ثانياً، الاقتصاد: يجب أن يُدار المشروع ضمن نموذج مالي واضح يضمن استمراريته دون إرهاق الخزينة العامة.

ثالثاً، الطاقة: تؤكد الوكالة الدولية للطاقة المتجددة (آيرينا) في تحليلاتها أن الربط الوثيق بين محطات التحلية ومصادر الطاقة المتجددة (كالطاقة الشمسية وطاقة الرياح) هو حجر الزاوية للاستدامة الحقيقية، حيث يقلل البصمة الكربونية الهائلة لهذه المحطات ويحميها من تقلبات أسعار الوقود الأحفوري.
فلماذا نحتاج حتماً إلى هذا النموذج المستدام تحديداً؟ تكمن الإجابة في حجم الأزمة وطبيعة الحل. يؤكد البنك الدولي في تقريره المذكور أن دول منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تعاني من أعلى مستوى للإجهاد المائي في العالم، حيث تعتمد بلدان مثل دول الخليج على التحلية في تأمين ما يصل إلى 90% من مياه الشرب لديها. إنها ليست رفاهية، بل مسألة بقاء. ثانياً، لطالما ارتبطت التحلية التقليدية المعتمدة على النفط والغاز بتكاليف اقتصادية وبيئية باهظة. تشير تقديرات لبعض المشاريع القديمة إلى أن استهلاك الطاقة قد يشكل ما يصل إلى نصف التكلفة الإجمالية للتشغيل، مما يجعلها حلاً هشاً في ظل تقلبات الأسعار.
▪︎ تجارب دولية وإقليمية
في دول الخليج، اعتمدت الإمارات والسعودية نموذج التحول الاستراتيجي، حيث تم الربط بين محطات التحلية والطاقة الشمسية لتقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري. وأشارت تقارير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي إلى أن مجمع حصيان الشمسي في دبي يعتبر أكبر محطة تحلية تعمل بالطاقة الشمسية عالمياً، ويجسد قدرة المؤسسات المستقرة على قيادة التحول التقني والابتكار في إدارة الموارد المائية. ضمن هذا السياق، حولت دول الخليج أزمة المياه إلى فرصة ريادية عبر الاستثمار في تحلية المياه بالطاقة المتجددة، مدعومة بقدرة مؤسسية ومالية عالية. تؤكد تقارير الوكالة الدولية للطاقة المتجددة (آيرينا) أن الربط الجوهري لمحطات التحلية بالطاقة الشمسية وطاقة الرياح بات شرطاً حاسماً لخفض البصمة الكربونية والتكاليف التشغيلية، وهو تحول استراتيجي في اقتصاديات القطاع. أعلنت الإمارات عن مجمع حصيان لإنتاج المياه والكهرباء في دبي، والذي يوصف بأنه أكبر محطة تحلية تعمل بالطاقة الشمسية في العالم، مما يعكس قدرة تقنية ومالية فائقة. من جانب آخر، تعتمد الدول المتوسطة الدخل على شراكات تمويل دولية لتنفيذ مشاريع عملاقة. يوضح البنك الدولي أن دمج التحلية ضمن إدارة شاملة للموارد المائية، مع إصلاحات مؤسسية، يمكن أن يجعلها جزءاً من مزيج مائي مستدام يخدم النمو الاقتصادي. على سبيل المثال، يستند مشروع تحلية العقبة - عمان في الأردن على تمويل بقيمة 295 مليون دولار من الصندوق الأخضر للمناخ، فيما تستهدف المغرب توفير 60% من احتياجاتها عبر التحلية بحلول 2030. في كل هذه التجارب، تبرز أهمية الحوكمة الرشيدة، التكامل بين التقنيات الحديثة وإدارة الموارد، والاستقلال الطاقوي كعوامل أساسية لنجاح مشاريع تحلية المياه المستدامة عالمياً وإقليمياً.
▪︎ حلول ومعالجات
توضح حالة العراق، كما رصدتها تقارير الأمم المتحدة الإنسانية عن البصرة، أن بناء محطة تحلية ضخمة كمشروع الفاو في بيئة تعاني من "عطش سياسي" قد يحول هذا الاستثمار العملاق إلى "فيل أبيض" باهظ التكلفة، قادر على ضخ المياه لكنه عاجز عن بناء نظام إدارة عادل له. لذلك، فإن الحاجة إلى تحلية مستدامة هي في جوهرها حاجة إلى نموذج تنموي متكامل يوفر الماء ويكسب الوقت اللازم لمعالجة الأمراض السياسية والمؤسسية التي تسبب "العطش" من الأساس، وهو ما تؤكده الرؤية الاستراتيجية لكل من البنك الدولي والأمم المتحدة لتحقيق الأمن المائي الطويل الأمد. بناءً على تقاطعات الوقائع الميدانية مع التحليل المؤسسي، تبرز ثلاثة مسارات مستقبلية في الآتي :
- أولاً: في حال استمرار فشل معالجة "العطش السياسي"، تشير تقارير الأمم المتحدة إلى احتمال تصاعد النزاعات المحلية والهجرة البيئية. قد يصل الوضع إلى ما حذرت منه أبحاث في "لايف ساينس" باحتمال مواجهة "يوم الصفر" حيث تنضب المصادر. هذا المسار لا يعني خسارة المياه فحسب، بل خسارة التراث الإنساني، حيث "قد يكون نهر دجلة المحتضر المسمار الأخير في نعش" وجود طائفة المندائيين وجفاف الأهوار وغيرها من المجتمعات التاريخية في العراق، حسبما ترصد الغارديان.
- ثانياً: سيناريو الحلول الهجينة، الأكثر ترجيحاً على المدى المتوسط، يتمثل في تنفيذ مشاريع تحلية كبيرة مع إصلاحات مؤسسية جزئية وغير كافية. قد يؤدي هذا إلى تحسينات محدودة في إمدادات المدن، ولكنها، كما يحذر البنك الدولي، ستبقي التكاليف باهظة والتحديات البنيوية في الزراعة والإدارة قائمة، محملاً الأجيال المقبلة ديوناً مالية وبيئية مستمرة دون معالجة جذرية للأزمة.

- ثالثاً: سيناريو التحول الاستباقي من خلال برامج الإصلاح الشامل. ويعد هذا المسار الطموح للتحول من خلال حلول استثنائية عبر إصلاح جذري للحوكمة، ودبلوماسية مائية نشطة تعتمد على وساطة دولية، وتبني نموذج تحلية متكامل مع الطاقة المتجددة، كما يقترح تشاثام هاوس. يتطلب هذا إنشاء هيئة وطنية للدبلوماسية المائية ذات تفويض واضح، والاستفادة من انضمام العراق لاتفاقية الأمم المتحدة للمياه كإطار قانوني تفاوضي، وإعطاء الأولوية لإعادة تأهيل البنية التحتية بشفافية، وتحديث أنظمة الري. وعلى الصعيد الإقليمي، يرى أن الحل يكمن في السعي لاتفاقات ملزمة بوساطة دولية (مثل الأمم المتحدة)، والاستفادة من انضمام العراق لاتفاقية المياه الخاصة باللجنة الاقتصادية لأوروبا التابعة للأمم المتحدة في 2023 كإطار قانوني تفاوضي. في ضوء ما تقدم، يبدو من الممكن القول أن مستقبل المياه في العراق يجب أن يحدده الإصلاح المؤسسي والحوكمة الرشيدة، وليس الجغرافيا أو إرادة الجيران.








