
سوريا على فوهة الاشتعال

مراصد
20/1/2026، 10:53:14 ص
لم تعد المواجهات الدائرة في المدن السورية مجرد أحداث أمنية متفرقة أو اشتباكات ظرفية بين أطراف متنازعة، بل باتت تعبيرًا مكثفًا عن أزمة دولة لم تلتئم جراحها بعد أكثر من عقد على اندلاع الصراع.
من دمشق إلى حلب، ومن اللاذقية الى درعا ومن السويداء الى الحسكه ودير الزور، تتجدد المواجهات بأشكال مختلفة، وبفاعلين متعددين، في مشهد يعكس هشاشة الاستقرار القائم، وعجز الحلول الجزئية عن إنتاج سلام مستدام. مواجهات بلا نهاية وعنف ما بعد الحرب. رغم تراجع العمليات العسكرية الواسعة مقارنة بسنوات الحرب الأولى، إلا أن المدن السورية لم تدخل مرحلة السلم الحقيقي. ما يجري اليوم يمكن وصفه بـ"عنف ما بعد الحرب"، حيث تتداخل الاشتباكات الأمنية، والاغتيالات، وعمليات الثأر، والصدامات بين مجموعات محلية وقوى رسمية أو شبه رسمية. في بعض المدن، تأخذ المواجهات طابعًا أمنيًا مباشرًا بين قوات الدولة وخلايا مسلحة، وفي مدن أخرى تتجسد في صراعات داخلية بين قوى محلية متنافسة، أو بين السكان وسلطات الأمر الواقع. هذا التعدد في أشكال العنف يؤكد أن الصراع السوري لم يُحسم، بل تغيرت أدواته وساحاته.
وبذلك أصحبت المدينة ساحة صراع والشارع ساحة حرب. المدن السورية، التي كانت يومًا فضاءات للحياة والتنوع، تحولت إلى مساحات مشحونة بالخوف والترقب. المواجهات الساخنة داخل الأحياء السكنية تكشف حجم الانهيار في مفهوم الدولة كضامن للأمن. فالاشتباكات لا تقع في خطوط تماس واضحة، بل داخل المدن وعند محيطها ما يجعل المدنيين الخاسر الأكبر. هذا التحول يخلق واقعًا نفسيًا واجتماعيًا خطيرًا، حيث يتعايش السكان مع العنف كجزء من الحياة اليومية، وتغدو فكرة الاستقرار مجرد هدنة مؤقتة قابلة للانهيار في أي لحظة. والأسباب متراكمة من السياسة إلى الاقتصاد إلى الأمن. لا يمكن فهم ما يجري على الأرض السورية بمعزل عن التدخل الإقليمي والدولي. وإلى جانب الأسباب الإقتصادية تبرز أزمة الحكم والإدارة. فضعف المؤسسات، وتعدد مراكز النفوذ، وانتشار السلاح خارج إطار الدولة، أسهمت في خلق بيئة مثالية للاشتباكات. في كثير من الأحيان، لا تكون المواجهات ذات دوافع قومية ودينية وطائفية، بل صراعات على النفوذ، أو الموارد، أو حتى على السيطرة على أحياء محددة. لذلك نرى تشظي السلطة وسط دولة واحدة بسلطات متعددة. إن أحد أخطر ملامح المشهد السوري هو تشظي السلطة. ففي المدينة الواحدة قد تتقاسم النفوذ جهات مختلفة، لكل منها قوانينها وأجهزتها وأجنداتها. هذا الواقع يحول أي احتكاك بسيط إلى مواجهة مسلحة، ويقوض فكرة القانون الموحد.
كما أن وجود قوى إقليمية ودولية فاعلة على الأرض السورية يزيد من تعقيد المشهد، إذ تتحول بعض المواجهات المحلية إلى رسائل سياسية غير مباشرة، تتجاوز حدود المدينة إلى حسابات إقليمية أوسع،
ليدفع المجتمع السوري ثمن هذه المواجهات بأشكال متعددة. فإلى جانب الخسائر البشرية، هناك تآكل مستمر في النسيج الاجتماعي. انعدام الثقة، وتصاعد النزعات المناطقية، وانتشار ثقافة السلاح، كلها تهدد بتحويل المدن إلى جزر معزولة، يحكمها منطق القوة لا القانون. الأخطر أن الأجيال الشابة، التي نشأت في ظل الحرب، باتت ترى العنف أمرًا طبيعيًا، ما ينذر بإعادة إنتاج الصراع في المستقبل، حتى لو توقفت المواجهات الحالية. في وقت يتجدد فيه خطاب السلطة والمعارضة والسرديات المتصارعة. كل طرف في المشهد السوري يملك روايته الخاصة لما يجري. السلطة تقدم المواجهات بوصفها حربًا ضد الفوضى والإرهاب، بينما ترى أطراف معارضة أنها نتيجة طبيعية لغياب الحل السياسي، واستمرار القمع والتهميش. وبين السرديتين، يضيع صوت المواطن العادي، الذي لا يطلب سوى الأمن والحد الأدنى من الحياة الكريمة. هذا التنازع في الخطاب يعمق الانقسام، ويمنع الوصول إلى قراءة مشتركة للأزمة، وهي خطوة ضرورية لأي مسار للخروج منها. المشهد مفتوح على عدة سيناريوهات. الأول، وهو الأخطر، يتمثل في استمرار المواجهات بوتيرة متقطعة، تتحول معها المدن إلى بؤر توتر دائمة. السيناريو الثاني يقوم على فرض استقرار أمني هش، يعتمد على القبضة الأمنية دون معالجة الأسباب العميقة، وهو استقرار قابل للانفجار في أي لحظة. أما السيناريو الثالث، والأقل احتمالًا لكنه الأكثر ضرورة، فيتمثل في إطلاق مسار سياسي حقيقي، يترافق مع إصلاحات اقتصادية وإدارية، وإعادة بناء المؤسسات، واحتواء السلاح خارج إطار الدولة. دون ذلك، ستبقى المدن السورية رهينة دورة عنف لا تنتهي. ما يجري من مواجهات ساخنة في المدن السورية ليس أزمة أمنية عابرة، بل نتيجة حتمية لانهيار طويل في بنية الدولة والمجتمع. إن تجاهل الأسباب الجذرية، والاكتفاء بإدارة العنف بدل إنهائه، سيقود إلى مزيد من التفكك. سوريا اليوم بحاجة إلى ما هو أكثر من وقف إطلاق نار؛ بحاجة إلى عقد اجتماعي جديد يعيد للمدينة معناها كفضاء للحياة، لا كساحة دائمة للصراع.








