
تغيرات مناخية غير مسبوقة... باحثون وخبراء يحذرون من ذوبان وإختفاء الأنهر الجليدية

مراصد
24/1/2026، 12:58:53 م
حذرت الأمم المتحدة من الذوبان السريع للأنهر الجليدية في العالم خلال العام الماضي 2025، من دون القدرة على السيطرة على الوضع في ظل بلوغ مؤشرات تغير المناخ مجدداً مستويات قياسية
وقالت المنظمة العالمية للأرصاد الجوية، التابعة للأمم المتحدة، إن السنوات الثماني الماضية كانت الأكثر دفئا على الإطلاق، بينما بلغت تركيزات غازات الدفيئة، مثل ثاني أكسيد الكربون، ذروتها. وأوضحت المنظمة في تقريرها المناخي السنوي أن "الجليد البحري في أنتاركتيكا انخفض إلى أدنى مستوى له على الإطلاق"، كما سجلت مستويات سطح البحر ارتفاعاً قياسياً، إذ ارتفعت بمعدل 4.62 مليمترات سنوياً بين عامي 2013 و2022، أي ضعف المعدل الذي كانت عليه بين عامي 1993 و2002. وسُجلت درجات حرارة قياسية في المحيطات، حيث ينتهي حوالي 90% من الحرارة المحتبسة على الأرض بسبب غازات الدفيئة.
▪︎ إختفاء الأنهار !
وأظهرت دراسة حديثة أن آلاف الأنهر الجليدية ستختفي سنويا خلال العقود المقبلة، ولن يتبقى منها سوى جزء ضئيل بحلول نهاية القرن الحالي ما لم يتم كبح جماح الاحترار المناخي. وبحسب الدراسة، فإن الإجراءات الحكومية المتعلقة بتغير المناخ قد تحدد ما إذا كان العالم سيفقد 2000 أو 4000 نهر جليدي سنويا بحلول منتصف القرن. قد يُحدث لجم الاحترار بضع درجات فقط فرقاً بين الحفاظ على ما يقرب من نصف الأنهر الجليدية في العالم عام 2100، أو أقل من 10% منها. وذكرت الدراسة التي نشرت نتائجها مجلة "نيتشر كلايمت تشينج" بقيادة عالم الجليد لاندر فان تريخت "تؤكد نتائجنا على ضرورة وضع سياسات مناخية طموحة".
ويركز الباحثون في العادة على حجم كتلة الجليد ومساحة الأنهار الجليدية العملاقة في العالم، لكنّ فان تريخت وزملاؤه في الفريق البحثي سعوا إلى تحديد عدد الأنهار الجليدية الفردية التي قد تذوب سنوياً خلال هذا القرن.

▪︎ ذروة الانقراض
وعلى الرغم من أن ذوبان الأنهار الجليدية الصغيرة قد يكون له تأثير أقل على ارتفاع مستوى سطح البحر مقارنةً بالأنهار الجليدية الكبيرة، إلا أن فقدانها قد يُلحق ضررا بالغاً بالسياحة أو الثقافة المحلية، وفق الباحثين. وقال فان تريخت، من المعهد الفدرالي السويسري للتكنولوجيا في زيورخ وجامعة بروكسل الحرة، في تصريحات صحافية "إن اختفاء أي نهر جليدي بحد ذاته قد يُحدث آثاراً محلية كبيرة، حتى وإن كانت كمية المياه الذائبة التي يُساهم بها ضئيلة". وشارك الباحث المشارك في إعداد الدراسة ماتياس هوس، وهو أيضا عالم جليد في المعهد الفدرالي السويسري للتكنولوجيا في زيورخ، في جنازة رمزية لنهر بيزول الجليدي في جبال الألب السويسرية عام 2019. وأشار إلى أن "فقدان الأنهار الجليدية الذي نتحدث عنه هنا ليس مجرد مصدر قلق للعلماء، بل هو أمر يؤثر فينا بشدة".
ودرس العلماء مخططات تشمل 211 ألفا و490 نهراً جليدياً، مستمدة من صور الأقمار الاصطناعية من قاعدة بيانات عالمية، لتحديد العام الذي سيشهد زوال أكبر عدد من الأنهار الجليدية، وهو مفهوم أطلقوا عليه تسمية "ذروة انقراض الأنهار الجليدية".
واستخدموا لهذه الغاية نماذج حاسوبية للأنهار الجليدية في ظل سيناريوهات احترار مختلفة، تتراوح بين عالم ترتفع فيه درجات الحرارة بمقدار 1,5 درجة مئوية مقارنة بمستويات ما قبل الثورة الصناعية، وعالم ترتفع فيه الحرارة بمقدار 4 درجات مئوية.
▪︎ تسارع وتيرة الفقدان
ويفقد العالم اليوم حوالى 1000 نهر جليدي سنوياً، لكن الدراسة حذرت من أن وتيرة الفقدان ستتسارع، حيث سيبلغ عدد الأنهار الجليدية المفقودة سنويا ذروته عند 2000 نهر بحلول عام 2041، حتى لو لجم الاحترار عند عتبة 1,5 درجة مئوية، وهو الحد الذي تعهدت الدول بتحقيقه بموجب اتفاقية باريس لتجنب أسوأ آثار تغير المناخ. بهذا المعدل، سيتبقى 95 ألفا و957 نهراً جليدياً حول العالم بحلول عام 2100، أي أقل بقليل من النصف. لكن الأمم المتحدة حذرت من أن الاحترار المناخي العالمي يسير على مسار سيتجاوز عتبة 1,5 درجة مئوية في السنوات القليلة المقبلة. ووفقاً لتوقعات تشير إلى ارتفاع درجات الحرارة بمقدار 2,7 درجة مئوية في ظل السياسات الحكومية، سيختفي حوالي 3,000 نهر جليدي سنوياً بين عامي 2040 و2060، بحسب علماء الجليد. وبحلول عام 2100، لن يتبقى سوى نهر جليدي واحد من كل خمسة أنهار، أي 43 ألفا و852 نهراً، في عالم ترتفع فيه معدلات الحرارة بمقدار 2,7 درجة مئوية. وفي أسوأ السيناريوهات، حيث ترتفع درجات الحرارة بمقدار 4 درجات مئوية، سيختفي ما يصل إلى أربعة آلاف نهر جليدي سنوياً بحلول منتصف خمسينيات القرن الحالي. وبحلول نهاية القرن، لن يتبقى سوى 9% من الأنهار الجليدية، أي 18 ألفا و288 نهراً.

▪︎ المنطقة القطبية الشمالية
شهد القطب الشمالي أعلى معدلات حرارة سنوية في تاريخه، وفق تقرير صادر عن الإدارة الوطنية الأميركية للمحيطات والغلاف الجوي "NOAA" يرسم صورة قاتمة لهذه المنطقة المعرضة بشكل خاص لتبعات تغير المناخ. وبحسب التقرير السنوي بشأن المنطقة القطبية الشمالية الذي يستند إلى بيانات بدأ تدوينها في عام 1900، ارتفعت درجات الحرارة بين تشرين الأول أكتوبر 2024 وأيلول سبتمبر 2025 بمقدار 1,60 درجة مئوية أعلى من المعدل المسجل بين عامي 1991 و2020. وقال الباحث في جامعة ألاسكا توم بالينغر، المشارك في إعداد الدراسة، إن هذا الارتفاع في درجات الحرارة خلال فترة قصيرة أمر "مقلق"، واصفا هذا الاتجاه بأنه "غير مسبوق على ما يبدو في العصر الحديث، وربما منذ آلاف السنين". وقد سجّل العام الذي حللته الإدارة الوطنية للمحيطات والغلاف الجوي أعلى معدلات حرارة سنوية لفصل الخريف، وثاني أعلى معدلات حرارة سنوية لفصل الشتاء، وثالث أكثر فصول الصيف دفئا في القطب الشمالي منذ عام 1900.
▪︎ التضخيم القطبي
تشهد هذه المنطقة التي تضم القطب الشمالي، ظاهرة تُعرف باسم "التضخيم القطبي" يسُجّل خلالها ارتفاع في درجة حرارتها بوتيرة أسرع من المناطق المعتدلة، ويعود ذلك إلى عوامل عدة بينها ذوبان الغطاء الثلجي والجليد البحري. وفي آذار مارس 2025، سُجّل انحسار غير مسبوق للجليد البحري في المنطقة القطبية الشمالية، إذ بلغ أدنى مستوى له منذ بدء رصده بالأقمار الاصطناعية، كما قدّر علماء المركز الوطني لبيانات الثلوج والجليد "NSIDC" أن الجليد البحري في القطب الشمالي بلغ أقصى امتداد له في 22 آذار مارس، بمساحة 14,33 مليون كيلومتر مربع، وهي أصغر مساحة مسجلة خلال أكثر من أربعة عقود من الرصد بالأقمار الاصطناعية. وفي كل شتاء، يستعيد الجليد البحري، وهو الجليد المتكون من تجمد مياه البحر، مساحته حول القطب الشمالي ويتوسع ليصل إلى أقصى امتداد له في آذار مارس. لكن بسبب تغير المناخ الناتج عن النشاط البشري، يواجه الجليد صعوبة متزايدة في إعادة التماسك. ويوضح والت ماير، المشارك في إعداد تقرير المركز الوطني لبيانات الثلج والجليد "NSIDC" أن هذا الوضع يشكل "مشكلة ملحّة للدببة القطبية والفقمات وثيران البحر التي تستخدم الجليد كمنصة للتنقل والصيد والولادة".
▪︎ تداعيات مناخية
وبينما لا يؤدي ذوبان الجليد البحري إلى ارتفاع مستوى سطح البحر بشكل مباشر، على عكس ذوبان الجليد على اليابسة "الغطاءات الجليدية والأنهر الجليدية"، فإنه يؤدي إلى تداعيات مناخية تهدد الكثير من النظم البيئية. كما يُفاقم هذا الذوبان ظاهرة الاحترار المناخي لأنه مع تقلص مساحة سطح الجليد البحري الأبيض، ينكشف المحيط الذي يتميز بلونه الداكن مقارنة بالجليد، ما يجعله يعكس طاقة شمسية أقل ويمتص طاقة أكبر. ونظرا لأن القطب الشمالي يشهد ارتفاعاً في درجة حرارته بوتيرة أسرع من بقية أنحاء الكوكب، فإن هذا الوضع يقلل من فروق درجات الحرارة التي تساعد على حبس الهواء البارد بالقرب من القطب، ما يسمح لموجات البرد القارس بالانتشار بشكل متكرر إلى خطوط العرض الأدنى، وفق دراسات عدة. بلغت الأمطار في المنطقة مستويات قياسية خلال الفترة من تشرين الأول أكتوبر 2024 إلى أيلول سبتمبر 2025، والمعروفة أيضا باسم "عام المياه"، إذ صُنفت ضمن السنوات الخمس التي شهدت أعلى كميات من المتساقطات منذ عام 1950.
▪︎ الأنهار الصدئة
وتؤدي هذه الحرارة المرتفعة والأمطار الغزيرة إلى اخضرار بيئة "التندرا" المكونة من نباتات منخفضة وتربة صقيعية، وهي أرض متجمدة تحتوي على ضعف كمية ثاني أكسيد الكربون الموجودة حالياً في الغلاف الجوي، وثلاثة أضعاف الكمية المنبعثة من الأنشطة البشرية منذ عام 1850. وفي عام 2025، بلغ متوسط ذروة اخضرار التندرا القطبية ثالث أعلى مستوى له خلال 26 عاما من سجلات الأقمار الاصطناعية. ويؤدي ذوبان التربة الصقيعية إلى إطلاق الحديد في المحيط، وهو المسؤول بشكل خاص عن ظاهرة "الأنهار الصدئة". وبحسب التقرير، حُدد أكثر من 200 مجرى مائي بلون برتقالي، وهو مؤشر على تدهور جودة المياه، ما يساهم بشكل خاص في فقدان التنوع البيولوجي المائي. وقال التقرير إن تركيزات غازات الدفيئة وصل إلى مستويات قصوى جديدة في عام 2021. وبلغ تركيز ثاني أكسيد الكربون 415.7 جزءا في المليون عالميا، أي 149% من مستوى ما قبل الثورة الصناعية 1750، بينما وصل تركيز الميثان إلى 262% وأكسيد النيتروز 124%. وتشير البيانات إلى أن مستويات التركيز هذه استمرت في الزيادة عام 2022.

▪︎ خسارة هائلة
وشهدت الأنهار الجليدية المرجعية في العالم، أي تلك التي لها بيانات على المدى الطويل، خسارة في السماكة بمتوسط يزيد على 1.3 متر بين أكتوبر تشرين الأول 2021 وأكتوبر تشرين الأول 2022، وهي خسارة أكبر بكثير من المتوسط على مدى العقد الماضي، وبلغت الخسائر التراكمية لسماكة الجليد منذ عام 1970 ما يقرب من 30 متراً. وفي أوروبا، حطمت جبال الألب الأرقام القياسية لذوبان الأنهر الجليدية بسبب تضافر عوامل من بينها النقص في تساقط الثلوج خلال الشتاء، وموجة الغبار الصحراوي في مارس آذار 2022، وموجات الحرّ بين مايو أيار وأوائل سبتمبر أيلول. وقال رئيس المنظمة بيتيري تالاس في تصريحات صحفية "لقد خسرنا بالفعل على صعيد ذوبان الأنهر الجليدية، لأن لدينا مثل هذا التركيز العالي لثاني أكسيد الكربون".
وأضاف أنه في جبال الألب السويسرية "فقدنا في الصيف الماضي 6.2% من كتلة الأنهر الجليدية، وهي أعلى نسبة منذ بدء التسجيلات". وأكد تالاس أن "هذا أمر خطير"، موضحا أن اختفاء الأنهار الجليدية سيحد من إمدادات المياه العذبة للبشر وللزراعة، كما سيضرّ بمسارات النقل إذا أصبحت الأنهر أقل قابلية للملاحة. وأكد أن "هذا النوع من الأشياء سيتسبب بمخاطر كبيرة في المستقبل"، مضيفا "ستختفي الكثير من الأنهر الجليدية الجبلية، وسيستمر تقلص الأنهر الجليدية في القطب الجنوبي وغرينلاند على المدى الطويل، ما لم نستحدث وسيلة لإزالة ثاني أكسيد الكربون من الغلاف الجوي".
▪︎ تفاؤل محدود
وعلى الرغم من الأخبار السيئة التي وردت في التقرير، قال تالاس إن هناك ما يدعو إلى بعض التفاؤل، وأشار إلى أن وسائل مكافحة تغير المناخ أصبحت ميسورة التكلفة، إذ أصبحت مصادر الطاقة الخضراء أرخص من الوقود الأحفوري، بينما يطور العالم أساليب لتحسين الكفاءة المناخية. ولفت تالاس إلى أن الكوكب لم يعد يتجه نحو احترار بثلاث إلى 5 درجات مئوية كما كان متوقعا عام 2014، لكنه الآن في طريقه لاحترار يتراوح بين 2.5 و3 درجات مئوية. وقال الأمين العام للمنظمة العالمية للأرصاد الجوية "في أفضل الأحوال، سنظل قادرين على بلوغ عتبة احترار عند 1.5 درجة مئوية، وهو ما سيكون أفضل لرفاهية البشرية والمحيط الحيوي والاقتصاد العالمي".








