
حروب الشرق الأوسط... مستقبل المصالح الأمريكية في ظل الطموحات الإسرائيلية المتنامية

مراصد
25/1/2026، 11:54:29 ص
لم تعد العلاقات الأمريكية-الإسرائيلية مجرد علاقة ثنائية بين حليفين استراتيجيين، بل اضحت مرآة تعكس التحولات الجيوسياسية العميقة في النظامين الدولي والإقليمي، ومن خلال مقارنة التحليلات الأمريكية والإسرائيلية لطبيعة هذه العلاقة، لاسيما بعد زيارة بنيامين نتنياهو الأخيرة للولايات المتحدة
يبرز السؤال المركزي: هل ثمة نهاية لنموذج العلاقة الاستثنائية بين واشنطن وتل أبيب وبداية عصر الشراكة المشروطة؟ في ظل نظام دولي متعدد الأقطاب يظهر تناقضات حادة بين المصالح القومية الأمريكية الطويلة الأمد والطموحات الإسرائيلية التوسعية قصيرة المدى، في سياق تحولات إقليمية عميقة أعادت تشكيل خريطة التحالفات والأولويات في الشرق الأوسط.
▪︎ مفترق التحول
زار نتنياهو واشنطن نهاية كانون الأول 2025 والتقى بالرئيس دونالد ترامب، الذي جدد دعم الولايات المتحدة لإسرائيل سياسياً وعسكرياً، خاصة في مواجهة إيران، مؤكداً استعداد واشنطن للتحرك إذا استؤنف البرنامج النووي الإيراني أو توسعت التهديدات الإقليمية، وأعلن الجانبان عن اتفاق مبدئي للمضي في المرحلة الثانية من خطة وقف إطلاق النار في غزة، يتضمن بدء إعادة الإعمار في بعض المناطق، لكن التفاصيل التنفيذية والآليات بقيت غير مكتملة، وبينما منح الدعم الأميركي العلني لنتنياهو تعزيزاً سياسياً مهماً قبيل الانتخابات المقبلة في إسرائيل، مما قد يؤثر في ميزان القوى الداخلي لصالحه، فإن المسائل المتعلقة بلبنان وحزب الله ظلت مفتوحة ولم تُحسم خلال الزيارة، مما يشير إلى استمرار الجدل حول الرد على التهديدات على الجبهات الشمالية. مع ذلك، تم الإعلان عن صفقة كبيرة لطائرات إف-15 من الولايات المتحدة لإسرائيل، مما يعكس استمرار الروابط العسكرية الوثيقة واشنطن وتل أبيب.

▪︎ نهاية وبداية
لم تبد نتائج هذه الزيارة نموذجاً مزدهراً للعلاقات الاستراتيجية، بل مثالاً لإعادة تقييم تلك العلاقات،فقد أشارت دراسة نشرتها مجلة "فورين أفيرز" في عدد كانون الثاني- شباط 2026 تحت عنوان "نهاية الاستثناء الإسرائيلي" إلى تحول نوعي في التفكير الاستراتيجي الأمريكي، حيث ذكرت بالتفصيل أن "العلاقة التي نشأت من هذا المنطلق استثنائية حقاً في توقعاتها ومعاييرها وطريقة عملها... لقد أعاقت هذه الاستثنائية مصالح كلا البلدين، فضلاً عن إلحاقها أذى هائلاً بالفلسطينيين"، لا تمثل هذه الدراسة مجرد نقد سياسي عابر، بل تجسد تفكيك منهجي لنموذج العلاقة الذي ساد منذ تأسيس إسرائيل، حيث اوضح الكاتب أندرو ميلر، وهو مسؤول أمريكي سابق في إدارتي أوباما وبايدن، أن هذه العلاقة الاستثنائية خلقت "أخطاراً أخلاقية على كلا البلدين" سمحت لإسرائيل بتبني سياسات "غالباً ما تتعارض مع المصالح الأميركية، وأحياناً مع المصالح الإسرائيلية أيضاً". تطور هذا النقد في الدراسة ذاتها ليشمل دعوة صريحة لإعادة هيكلة العلاقة، حيث أكد ميلر على أن "علاقة أميركية - إسرائيلية طبيعية ستُسفر عن نتائج أفضل من علاقة استثنائية غالباً ما تدفع نحو سلوك إسرائيلي خطر وتُضعف نفوذ واشنطن العالمي"، ليست هذه الدعوة للتطبيع مجرد تغيير شكلي، بل ربما تكون تحولا استراتيجيا عميقا يتضمن تطبيق المعايير والقوانين الأمريكية على إسرائيل كما تطبق على باقي الحلفاء، بما في ذلك قوانين حقوق الإنسان والمساعدات الخارجية التي كانت تُتجاوز في الماضي باسم "الاستثناء الإسرائيلي".
▪︎ من الشراكة الى التهديد !
في ذات الاطار ، قدمت دراسة أخرى في "فورين أفيرز" صدرت في تشرين الأول 2025 تحت عنوان "إسرائيل والشرق الأوسط الجديد واقع أم ادعاء؟" تحليلاً مفصلاً للعواقب الاستراتيجية للسياسات الإسرائيلية المدعومة أمريكياً، حيث ذكر الباحثان غالب دالاي وسنام وكيل بالتفصيل أن "السياسات الإسرائيلية العدوانية في غزة والمنطقة تسببت في انهيار مسار التطبيع وعزل إسرائيل إقليمياً، بعدما تحولت من شريك محتمل إلى مصدر تهديد مشترك للدول العربية"، يبرز مثل هذا التحليل الإدراك الأمريكي المتزايد بأن دعم إسرائيل لم يعد يحقق المصالح الأمريكية بل أصبح "يقوضها بشكل منهجي"، حيث أن "الدول التي كانت تعتبر إسرائيل شريكاً محتملاً، باتت الآن تنظر إليها كقوة خطرة يصعب التنبؤ بتصرفاتها". توسعت الدراسة في شرح الآليات التي يقوض بها هذا الدعم المصالح الأمريكية، موضحة أن "الدعم الأميركي غير المحدود لتل أبيب يقوض مكانة واشنطن في المنطقة، وبعدما كان التهديد الإيراني يوحد دول المنطقة إلى الالتزام بالخط الأميركي، باتت خشية إسرائيل المتحفزة والعدوانية تدفع تلك الدول الآن بعيداً من الولايات المتحدة"، يشكل هذا التحول في ديناميكيات التحالفات الإقليمية تهديداً وجودياً للنفوذ الأمريكي في الشرق الأوسط، حيث أن الدول العربية بدأت "تواجه العدوان الإسرائيلي بتوسيع شراكاتها الأمنية والاستثمار في قدراتها الذاتية والابتعاد من مسار السلام مع إسرائيل"، لاسيما بعد قصف مقر حماس في قطر.

وحذرت الدراسة من تداعيات استمرار السياسات الحالية على المدى الطويل، حيث أشار الباحثان إلى أن "مجموعة من المشاريع التي كانت تهدف إلى ربط إسرائيل بصورة أوثق بدول عربية، بمساعدة الولايات المتحدة بشكل رئيس، وبدعم من الهند وأوروبا، ستتعثر وتتلاشى"، هذا التوقع ليس مجرد تكهن، بل هو استقراء استراتيجي مبني على اتجاهات ملموسة، حيث أن "النخب الإقليمية بدأت بالفعل باتباع سياسات تحوط من خلال توسيع علاقاتها مع الصين وأوروبا وروسيا وقوى أخرى، وسيتسارع هذا التوجه ما دامت واشنطن تواصل دعمها اللامحدود لإسرائيل وتتجاهل الأضرار الجانبية التي تصيب علاقاتها مع دول المنطقة الأخرى". كما قدمت الدراسة أمثلة عملية على هذا التحول، حيث ذكرت أن الدول العربية "وسعت تعاونها مع الصين في مجالي الصواريخ والطائرات المسيرة، وسعت إلى تعميق توطين صناعاتها الدفاعية، ووقعت أخيراً اتفاق تعاون دفاعي مع باكستان"، كما أن "الإمارات العربية المتحدة اشترت مقاتلات فرنسية ودخلت في شراكة مع كوريا الجنوبية في مجال الدفاع الصاروخي والطاقة النووية"، هذه التحولات تشكل إعادة هيكلة جذرية للنظام الأمني الإقليمي، تنتقل فيه الدول العربية من الاعتماد على الضمانات الأمريكية إلى بناء قدرات ذاتية وتحالفات متعددة الأقطاب.
▪︎ نفوذ إقليمي
الى ذلك قدم تقرير صادر عن المعهد الإسرائيلي للأمن القومي في 30 كانون الأول 2025 تحت عنوان "عبارات الإطراء والرسائل والأسئلة المفتوحة: لقاء نتنياهو - ترامب" تحليلاً لديناميكيات هذه العلاقة الثنائية، حيث ذكر الباحثان شافيت وواينبرغ بالتفصيل أن "الرئيس الأميركي لم يكتفِ بتهديدات عامة، بل أيضاً صاغ موقفاً حاداً ونادر الوضوح: إذا واصلت إيران برنامج الصواريخ البالستية والبرنامج النووي، فسيكون هناك دعم لضربة عسكرية، وأضاف بصراحة: "وإلاّ، فنحن سنفعل ذلك فوراً". سلط هذا التقرير الضوء على "المكاسب التكتيكية المهمة" التي حققتها إسرائيل في اللقاء، مع الإشارة إلى أن هذا الدعم "يمنح إسرائيل دعماً سياسياً مهماً، حتى وإن لم يترجم بعد إلى خطوات عملياتية فورية". لكن التقرير كشف عن فجوات تنفيذية خطيرة، حيث أشار إلى أن ترامب "ذكر أن 59 دولة أبدت استعدادها للمشاركة في قوة دولية في القطاع، لكنه لم يذكر أي دول بالتحديد، ولا ما ستكون عليه تركيبة القوة، ولا ولايتها"، مما يعكس "قلقاً عميقاً" في المؤسسة الأمنية الإسرائيلية من الغموض الأمريكي في التفاصيل التنفيذية، حيث أن "التقدير القائم هو أن نتنياهو وصل إلى اللقاء وهو في موقع ضعف: بلا طاقم تمهيدي قوي، ويعتمد سياسياً ودبلوماسياً على ترامب، ومكشوف أمام إمكان الانجراف إلى سلسلة من الخطوات الصغيرة".
▪︎ التاثير الانتخابي
في سياق متصل، قدم ناحوم برنياع في صحيفة يديعوت أحرونوت في 29 كانون الأول 2025 تحليلاً لافتاً للديناميكيات الشخصية والسياسية المعقدة، مؤكدا أن "كل من نتنياهو وترامب في بداية سنة انتخابية (انتخابات الكونغرس في تشرين الثاني قد تجعل ترامب - بطة عرجاء - في العامين التاليَين). في حالة نتنياهو، وقائع الانتخابات قد تدفع نحو خطوات عسكرية، وتُبعد عن خطوات دبلوماسية؛ أما في حالة ترامب، فالاتجاه معاكس، فهو يتوق إلى احتفالات سلام، لا إلى أبواق حرب"
ضمن الإطار ذاته، قدمت آنا برسكي في صحيفة معاريف في 30 كانون الأول 2025 تحليلاً لنتائج اللقاء، وأشارت إلى أن "الاستماع المتأني إلى تصريحات ترامب في مستهل اللقاء، ووضعها في سياق الخلفية التي سبقته، يرسم صورة أكثر تعقيداً كثيراً؛ فنحن لا نتحدث عن انقلاب أو استسلام، إنما نتحدث أساساً عن مزيج غير مريح من إنجازات فعلية، وفجوات مبدئية، ومساحة رمادية واسعة ما زال كل شيء فيها مفتوحاً"، يعكس هذا التقييم واقعية نقدية في تقييم المكاسب والخسائر، مع الإشارة إلى أن نتنياهو "حصل على دعم أميركي قوي في مواجهة إيران، وتثبيت مبدئي لأهمية تفكيك - حماس - ودعم شخصي استثنائي في شدته"، لكنه في المقابل "بقيت هناك فجوات جوهرية في ترتيب الأولويات في غزة، وفي مسألة الجهات التي ستدخل إليها".

▪︎ مخاطر الطموح
ضمن هذه المقاربة، كان روبرت بينفولد في مركز روبين التابع لمجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية قد قدم في 19 حزيران 2025 تحليلاً للتحول الجوهري في السياسة الإسرائيلية، مشيرا بالتفصيل إلى أن إسرائيل "انتقلت من لاعب يحافظ على الوضع القائم إلى قوة تعيد تشكيل الواقع، كما فعلت في محطات مفصلية من تاريخها"، يوضح هذا التحليل أن "الطموح الاستراتيجي المتعاظم" لإسرائيل يتجاوز الدفاع عن الحدود إلى إعادة تشكيل الخريطة الجيوسياسية للمنطقة، حيث أن "هجمات إسرائيل على إيران ليست مجرد رد فعل على التقدّم النووي الإيراني... بل هي النتيجة المنطقية لتحوّل إستراتيجي أوسع بدأ في 7 أكتوبر 2023". وحذر بينفولد من العواقب الخطيرة لهذا التحول، مذكرا أن "هذا التحول أسفر عن عواقب وخيمة على كامل منطقة الشرق الأوسط، التي باتت اليوم على حافة حرب شاملة"، هذا التحذير يعكس إدراكاً للمخاطر الاستراتيجية المصاحبة للتحول الإسرائيلي، مع الإشارة إلى أن "منظور إسرائيل وسلوكها اليوم يشبه إلى حد كبير السلوك المزعزع للاستقرار الذي طالما نسبتّه إلى إيران" الأكثر أهمية، كشف بينفولد عن الدوافع الشخصية لنتنياهو، حيث ذكر أنه "يسعى إلى تحقيق لحظة مماثلة للعام 1967" لتحقيق "نصر تاريخي" ينقذ إرثه السياسي ويؤجل محاكمته.
▪︎ فجوات وحلول
في ضوء تحليل معطيات كل ما تقدم، يبدو من الممكن المقارنة بين فجوة عميقة في تعريف "المصلحة الاستراتيجية العليا"، حين ترى المصادر الأمريكية أن "السياسات الإسرائيلية جعلت موضوع التطبيع نفسه محظوراً سياسياً، وحولته إلى عبء داخلي وإستراتيجي يهدد القادة والحكومات العربية"، ترى المصادر الإسرائيلية بوضوح أن إسرائيل "معنية بتفكيك سلاح - حماس - وحزب الله، وفرض سياسة على الحكومة والجيش في سورية ولبنان، ومنع إعادة بناء القدرات العسكرية الإيرانية". يعكس هذا الاختلاف تناقضاً جوهرياً بين منطق "الاستقرار الإقليمي الشامل" الذي تتبناه واشنطن، ومنطق "الهيمنة الأمنية الأحادية" الذي تتبناه تل أبيب. الفجوة هنا ليست تكتيكية بل هي فجوة استراتيجية عميقة في الرؤية الجيوسياسية للمنطقة ومستقبلها. كما تظهر المقارنة اختلافاً جوهرياً في تقييم طبيعة العلاقة الثنائية، تدعو المصادر الأمريكية إلى علاقة أميركية - إسرائيلية طبيعية، تخضع للمساءلة الديمقراطية والقانون الدولي، حيث "يجب على الولايات المتحدة أن تطبق القوانين والأنظمة والمعايير الأميركية والدولية على إسرائيل بالطريقة نفسها التي تطبقها على البلدان الأخرى". في المقابل، تظهر المصادر الإسرائيلية تركيزاً على المكاسب التكتيكية و"الدعم السياسي ضمن إطار العلاقة الاستثنائية التقليدية. هذا الاختلاف يعكس صراعاً بين نموذجين تاريخيين: نموذج المساءلة والشراكة المشروطة الذي تدفع إليه التحولات الديمقراطية الأمريكية، مقابل نموذج الاستثناء والتفضيل التاريخي الذي تتمسك به المؤسسة الإسرائيلية.








