
تقارب سعودي إيراني صيني... تحالف إقتصادي جديد في مواجهة نظام متعدد الأقطاب

مراصد
28/1/2026، 12:53:47 م
يمكن اعتبار منطقة الخليج العربي مختبراً حياً لتطور العلاقات الدولية عبر الحقب التاريخية. فمنذ القرن التاسع عشر، شهدت المنطقة تحولات جذرية في أشكال النفوذ الأجنبي، بدءاً من النموذج الإمبراطوري البريطاني القائم على الهيمنة البحرية والتحالفات القبلية الانتقائية، مروراً بالمرحلة ثنائية القطب خلال الحرب الباردة، وصولاً إلى النظام الأحادي القطب الأمريكي القائم على عقيدة "الأمن مقابل النفط.
فيما تقدم الصين اليوم نموذجاً رابعاً متميزاً في تاريخ النفوذ الخارجي في المنطقة عبر مبادرة "الحزام والطريق" تجمع بين حسابات القوة الواقعية في سعيها للطاقة والنفوذ، وآليات الاعتماد المتبادل عبر شبكات اقتصادية وتجارية معقدة. تحل شبكات البنية التحتية والتمويل والتأثير الإقتصادي محل القواعد العسكرية التقليدية كأدوات رئيسية للنفوذ. تُقدِّم منطقة الخليج العربي، بهذا المعنى، إطاراً تطبيقياً فريداً لفهم كيف يعيد العصر الرقمي صياغة مفاهيم القوة والسيادة في القرن الحادي والعشرين.
▪︎ تحولات خليجية
تمثل اجتماعات اللجنة الثلاثية المشتركة بين السعودية وإيران والصين، والتي عُقد آخرها في كانون الاول 2025، تجسيدا عملياً لهذا النموذج الناشئ. فقد أكدت الأطراف التزامها الكامل بتنفيذ بنود اتفاق بكين 2023، مع التشديد على أهمية تعزيز العلاقات الثنائية واحترام مبادئ ميثاق الأمم المتحدة والقانون الدولي. يمثل هذا الاجتماع خطوة تأكيدية على التزام الأطراف الثلاثة بآليات التنسيق الدورية المصممة لضمان تنفيذ الاتفاق وتعزيز الحوار بديلاً عن التصعيد. النتائج الاقتصادية والاستثمارية الملموسة لاعمال هذه اللجنة في الإعلان عن إنشاء "صندوق التنمية والاستقرار الإقليمي" برأس مال أولي 3 مليارات دولار، حصة المساهمة: الصين 50%، السعودية 30%، إيران 20%، يركز الصندوق على مشاريع البنية التحتية في العراق واليمن وسوريا ولبنان كجزء من استراتيجية "إعادة الإعمار الاقتصادي كمدخل للاستقرار السياسي. وتم الاتفاق على إطلاق المرحلة الأولى من خط السكك الحديدية السعودي-الإيراني: يربط ميناء الشعيبة السعودي على الخليج العربي بميناء تشابهار الإيراني على بحر عمان، بتكلفة 1.8 مليار دولار وتمويل مشترك صيني-سعودي، من اجل خلق بديل بري عن مضيق هرمز يختصر زمن الشحن بـ 12 يوماً ويقلل التكاليف بنسبة 35%. اما في مجال الطاقة ، فتم توقيع مذكرة تفاهم ثلاثية لتطوير حقل غاز "نور" الإيراني المشترك مع قطر، بتمويل سعودي وتقنية صينية، وموقع وموارد إيرانية. والاستثمار المتوقع يبلغ 5-7 مليارات دولار على مدى 10 سنوات، في اتفاق مبدئي لتنسيق سياسات النفط في اجتماعات أوبك+ القادمة، مع إقرار آلية تشاور ثلاثية قبل كل اجتماع.

▪︎ تفاهم أمني وسياسي
من الملفت للانتباه ان هذه الاجتماعات توصلت إلى تفاهمات بشأن تجديد الهدنة، مع عناصر رئيسية، موافقة إيرانية مبدئية على الضغط على الحوثيين لوقف الهجمات على الناقلات في البحر الأحمر، مقابل التزام سعودي بعدم دعم أي عمل عسكري أمريكي - بريطاني داخل اليمن، والتاكيد على إنشاء قناة اتصال مباشرة بين القيادات العسكرية السعودية واليمنية (المعترف بها دولياً) عبر الوساطة الصينية. في الملف السوري، فشل التوصل لتقدم ملموس، مع الاتفاق على مشروع تجريبي لإعادة إعمار مدينة درعا كـ"نموذج مصغر" للتعاون الثلاثي.
وفي الملف العراق، تم الاتفاق على دعم مشاريع الربط الكهربائي العراقي مع دول الجوار والموافقة على فتح خط ائتمان بقيمة 500 مليون دولار لتمويل مشاريع الطاقة المتجددة في العراق. وضمن الآليات المؤسسية الجديدة، اتفق على تحويل اللجنة إلى منصة دائمة من خلال إنشاء "منصة التنسيق والتعاون الثلاثية الدائمة" مع مقر دائم في مسقط، ستتكون من ثلاث لجان فرعية، لجنة التعاون الاقتصادي ترأسها الصين، ولجنة الشؤون الأمنية برئاسة مشتركة سعودية-إيرانية. والابرز الأهم، تم الاتفاق على آلية تسوية المنازعات في إنشاء آلية وساطة سريعة برئاسة صينية للتعامل مع الخلافات الثنائية الفورية، تشمل خط اتصال مباشر على مستوى وزراء الخارجية يعمل على مدار 24 ساعة.
كل ذلك جرى ولكن ليس من دون تحديات ومواضيع مؤجلة، لعل ابرزها رفض إيراني لمناقشة ملفها النووي، والإبقاء عليه كملف ثنائي مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية فقط، وتمسكت إيران بحقها في دعم "حركات المقاومة"، مع موافقة على "حوار تقني" حول تصنيفات هذه المجموعات، كما تم تأجيل مناقشة موضوع الجزر الإماراتية الثلاث بناءً على طلب صيني، مع إدراجه كبند في جدول أعمال الاجتماع المقبل.
![]()
▪︎ تناقض إستراتيجي!
يمثل الموقف الإيراني من الاستراتيجية الصينية حالة كلاسيكية في التناقض الاستراتيجي. فمن جهة، تقدم الصين لإيران متنفساً اقتصادياً وسياسياً حيوياً في مواجهة العزلة الدولية والعقوبات الغربية، حيث تحولت إلى الشريك التجاري الأول لإيران، والسوق الأكبر لنفطها رغم العقوبات، والمزود الأساسي للسلع الاستهلاكية والتقنية. لكن هذا الاعتماد يحمل في طياته مخاطر وجودية للنظام الإيراني. فالصين تتعامل مع إيران كـأصل استراتيجي قابل للاستهلاك، في لعبة الموازنة الأكبر مع الخليج والغرب. ثمة تناقض صارخ بين الخطاب الصيني العلني الداعم لإيران والواقع الاقتصادي؛ حيث تفضل الشركات الصينية الاستثمار في الأسواق الخليجية الأكثر أمناً وربحية. وقد أظهرت أزمة بيان الرياض 2022 حدود العلاقة. وترد إيران على هذا المأزق عبر استراتيجية المقاومة من خلال الاستقلال النسبي. فهي تنوع شراكاتها الدولية مع روسيا، الهند، وتطور قدراتها العسكرية المحلية، وتحافظ على نفوذها الإقليمي عبر وكلائها. الهدف ليس التحرر الكامل من الاعتماد على الصين، بل تحقيق اعتماد متبادل غير متكافئ يمنحها مساحة للمناورة.
▪︎ تحول جوهري
تشهد دول مجلس التعاون الخليجي تحولاً جوهرياً بإتجاه المشاركة في تشكيل النظام الإقليمي والدولي، هذا التحول تجسده ثلاث تطورات متلازمة:
- أولاً: البراغماتية الاستراتيجية المتطورة... لم تعد دول الخليج مقيدة بثنائية التحالف مع الغرب، بل تتبنى سياسة خارجية متعددة الاتجاهات. فالسعودية، بينما تحافظ على التحالف الأمني مع الولايات المتحدة، تتعمق في شراكة استراتيجية مع الصين تشمل الطاقة المتجددة والذكاء الاصطناعي والفضاء.
- ثانياً: التحول من الاقتصاد الريعي إلى القيادة الجيو-اقتصادية... عبر مبادرات مثل "رؤية السعودية 2030" و"اقتصاد الإمارات 2071"، تسعى دول الخليج إلى التحول من مجرد مصدرة للطاقة إلى مراكز للتقنية الخضراء، والتمويل الإسلامي، والخدمات اللوجستية العالمية. كما التعاون مع الصين في هذه المجالات ليس انسياقاً خلف استراتيجية صينية، بل توظيف مدروس للقدرات الصينية لتحقيق أهداف تنموية وطنية.
- ثالثاً: الدبلوماسية الوسيطة الفاعلة... برزت دول الخليج كوسطاء إقليميين، من الوساطة السعودية بين روسيا وأوكرانيا إلى الوساطة القطرية بين الولايات المتحدة وحركة طالبان. هذا الدور يعزز مكانتها كفاعل مستقل، ويزيد من قيمتها لكل من الصين والغرب.
الخطر الذي تواجهه دول الخليج في هذا التحول يتمثل بفخ الاعتماد المزدوج أي الاعتماد الأمني على الغرب والاعتماد الاقتصادي على الصين. وأن أي تصعيد بين هذين المحورين قد يضعها في مأزق اختيار صعب. نجاحها سيعتمد على قدرتها على تطوير استقلالية استراتيجية مرنة تمكنها من الاستفادة من جميع الأقطاب دون الارتهان الكامل لأي منها.

▪︎ اقتصاد الظل !
تعد العلاقات الاقتصادية الصينية - الإيرانية نموذجاً فريداً لما يُعرف بـرأسمالية الدولة الموازية، وهي نظام معقد يتجاوز الأطر الرسمية لإنشاء شبكات اقتصادية مرنة تقاوم العقوبات الدولية. فبينما تبلغ التجارة الثنائية الرسمية حوالي 20 مليار دولار في عام 2024، تشير تقديرات صندوق النقد الدولي إلى أن حجم اقتصاد الظل يفوق ذلك بنسبة 60-80%، حيث يتدفق ما يقارب 10- 15 مليار دولار سنوياً عبر ثلاث قنوات موازية رئيسية: نظام المقايضة النفطي - التقني، شبكات إعادة التصدير عبر دول ثالثة خاصة دبي، ومنظومة التمويل البديل المعتمد على العملات الرقمية للبنوك المركزية. هذه الشبكات الموازية لا تمثل مجرد تحايل على العقوبات، بل بنية اقتصادية إستراتيجية مرنة تمكن بكين من الحفاظ على العلاقة مع طهران دون تعريض شركاتها الكبرى للمخاطر. فيما تخترق الثورة التقنية الصينية منطقة الخليج عبر ثلاثة محاور خفية ولكنها عميقة التأثير، تعيد تعريف مفهوم السيادة والأمن في القرن الحادي والعشرين.
- أولاً: الهيمنة الرقمية المتدرجة... تتحكم الشركات الصينية اليوم في 85% من البنية التحتية للاتصالات في الخليج.
- ثانياً: برنامج الفضاء المشترك الخفي... بين 2022 و2024، أطلقت الصين ودول الخليج 8 أقمار صناعية مشتركة غير معلنة بشكل كامل، ذات قدرات تفوق الاحتياجات المدنية.
- ثالثاً: التعاون السيبراني ذو الحدين... في الوقت الذي تدرب فيه الصين فرق الأمن السيبراني الخليجية، تقوم باختبار نقاط الضعف في أنظمتها. هذه الثورة التقنية الخفية تخلق اعتماداً استراتيجياً غير مرئي، مما يضع دول الخليج في حالة من السيادة المقيدة في الفضاء الرقمي والفضائي.
▪︎ مكاسب متعددة الأطراف
في ضوء النتائج المعلنة لهذه اللجنة الثلاثية، تبدو ثمة مكاسب متعددة الأطراف، ابرزها المكاسب الصينية في تحويل الوساطة من حدث لمرة واحدة إلى عملية مؤسسية مستمرة، أدى الى تعزيز دور اليوان في المشاريع الثلاثية "70% من تمويل المشاريع باليوان"، وحماية الاستثمارات الصينية في المنطقة من خلال خلق إطار تعاوني يقلل المخاطر الأمنية. اما المكاسب السعودية، فمتثلت في تحقيق اختراق في ملف اليمن مع ضمانات لتخفيف التهديدات الأمنية المباشرة، فضلا عن الوصول إلى الأسواق الآسيوية عبر إيران عبر الممرات البرية الجديدة تؤدي الى تعزيز الدور الإقليمي من خلال المشاركة في إعادة إعمار دول مجاورة. في المقابل، تجسدت المكاسب الإيرانية في كسر العزلة الاقتصادية عبر مشاريع مشتركة مع جارتها الخليجية الأقوى إثر الحصول على استثمارات مباشرة في قطاع الطاقة بعد سنوات من الجمود وتحسين الصورة الإقليمية كشريك في الاستقرار وليس كمصدر للتحديات. في ضوء ما تقدم، تمثل اجتماعات طهران 2025 تقدماً نوعياً ولكن غير كامل في مسار المصالحة الإقليمية، فقد نجحت في تحويل المصالحة من اتفاق سياسي إلى شراكة اقتصادية عملية، لكنها كشفت عن حدود قدرة الصين على حل الخلافات الأمنية العميقة، لان
المعادلة الناشئةانحصرت في نجاح الصين كمهندس للتعاون الاقتصادي مقابل محدوديتها كوسيط في الخلافات الأمنية. والتحدي الأكبر لتلك الفجوة بين السرعة في التنفيذ الاقتصادي والبطء في الحلول الأمنية، مما يخلق حالة من "الاستقرار الاقتصادي الهش" المعرض للانهيار بأي أزمة أمنية كبرى. عليه فالخطوة المقبلة، سيكون الاجتماع المقرر في الرياض في حزيران 2026 اختبارا حقيقيا، حيث ستُعرض أولى نتائج المشاريع الاقتصادية وتُختبر جدية الالتزامات الأمنية في ظل استمرار التوترات الإقليمية.








